بقلم: ابراهيم أخساي

عرفت الآونة الأخيرة هرولة واسعة لبعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومهما قلنا عن خطورة هذا التطبيع وأضراره فإننا لن ندرك خطورته إلا بعد وضعه في سياق المواجهة الصدامية مع كيان غير طبيعي على الإطلاق.

إن التطبيع يدخل ضمن خطة استراتيجية للكيان الصهيوني هدفه الخروج من العزلة الاقتصادية والسياسية والنفسية ليندمج مع المحيط الإقليمي الذي ظل رافضا له لأنه كيان غير طبيعي، كما يهدف إلى ربح مواقع في عمق الدول والشعوب دون تقديم تنازل واحد لصالح القضية الفلسطينية، فما عجزت الآلة العسكرية عن تحقيقه بعد استلائها على الأرض، فإن التطبيع كفيل بتحقيقه.

وقد أشار صاحب كتاب الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية إلى أن “جوهر المضمون الاستراتيجي للسلام والتطبيع هو إحداث تغيير على الجانب العربي، هذا التغيير يبدأ بضرورة تقبل إسرائيل، ويمتد إلى تقييد قدرات العرب العسكرية، ويمر عبر شبكة معقدة من الإجراءات، ولا يكفي فيه قبول إسرائيل كدولة بل يتعين قبولها بأساسها الأيديولوجي” 1

 وهكذا فإن خطورة التطبيع تكمن في أن الدول التي انخرطت فيه تدخل في أجندة الكيان الغاصب، وتصبح أداة لتنفيذ المشروع الصهيوني الاستعماري من حيث تظن أنها ستحقق مكاسب لشعوبها أو للقضية الفلسطينية. فالأساس الأيديولوجي للكيان غير قابل للنقاش، بما هو كيان صهيوني استعماري.

 مهما كانت دوافع التطبيع ومبرراته؛ سياسية أو اقتصادية أو مصالح ذاتية أو استجابة لضغوط خارجية، فإنه يعتبر لحظة شاردة خارجة عن التاريخ والقيم والأخلاق والعقيدة، بل يعتبر خارجا عن المبادئ الإنسانية التي تجمع على رفض الظلم والعدوان واحتلال أرض الغير وتشريده وقتله وحصاره وتجويعه، لحظة شاردة غاب فيها العقل والمبدأ والضمير.

لهذا كان التطبيع صدمة هزت وجدان الشعوب الاسلامية ومن بينها الشعب المغربي المعروف بنصرته المبدئية واللامشروطة للقضية الفلسطينية، التي يعتبرها قضيته الوطنية الثانية، صدمة أصابت شرفاء وعقلاء الوطن بالذهول، إذ كيف يعقل التطبيع مع كيان استعماري، مهما كانت المبررات والمسوغات التي قدمت لتبرير هذا الفعل، لأن المطلوب هو محاصرته ومقاومته.

طالع أيضا  ذ. عبد الصمد عبادي يتحدث عن صفات المتقين في آيات التفسير في النصيحة

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية أصبح واجبا مقاطعة هذا التطبيع وفضحه ومقاومته، لأسباب ومبررات عديدة.

 كيف يتم التطبيع مع كيان غير طبيعي؟

هو كيان غير طبيعي لأنه مبني على الاحتلال والاستعمار، تم غرزه في قلب العالم الإسلامي بالحديد والنار بأيادي بريطانية لحظة الانتداب البريطاني على فلسطين، وبأيادي أمريكية منذ إعلان قيام “دولة إسرائيل” سنة 1948م إلى يومنا هذا.

 كيان غير طبيعي لأنه هجّر الفلسطينيين قسرا من أراضيهم بالإرهاب والقتل، مستعينا في ذلك بمنظمات عسكرية ارتكبت أبشع المجازر الدموية في صفوف المواطنين العزل، وذلك قبل إعلان الدولة وتزامنا معها وبعدها، وهي مجازر شاهدة على طبيعة الكيان المتعطشة للدماء والخراب، ولمن نسي أو أراد أن يتناسى هذه البداية الدموية والتي لازمته إلى يومنا هذا لأنها جزء من طبيعته وماهيته، فنذكره بمذبحة بلدة الشيخ، ودير ياسين، وقرية أبو شوشة، وقلقيلية، التي تزامنت مع إعلان الدولة اللقيطة وبعدها مذبحة كفر قاسم وخان يونس ومذابح أخرى تؤكد أن هذا الكيان ليس طبيعيا، ولن يكون طبيعيا رغم أنف المطبعين والمهرولين والمنبطحين.

وقد وثق الأمريكي توماس سواريز هذه الفترة الدموية بالاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية لتلك الحقبة وجمعها في كتاب وضع له عنوانا دالا صارخا في وجه كل مشكك أو ناس وهو “دولة الإرهاب، كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب؟” وهو الكتاب الذي جر عليه ويلات الصهيونية ومضايقاتها، ومما جاء فيه “قال تقرير استخباراتي بريطاني إن دير ياسين أزيلت من الوجود، مع كل ما رافق العملية من وحشية، جردت النساء والأطفال من الملابس، ووضع الجميع في صف واحد، وصوروا، ثم ذبحوا “ 2.

ويرى صاحب كتاب “دولة الإرهاب” أن الحل ليس هو “عملية السلام” لأنها ليست سوى خدعة لكسب الوقت، أما “الحل فيتطلب تفكيك الظلم، ليس بالعودة إلى العام 1967، بل إلى العام 1947، والتصالح مع الحقيقة بالعودة إلى أحداث 1914 – 1917. فلم تكد الحركة الصهيونية، وهي حركة قومية عنصرية، تضع أنظارها على فلسطين بصفتها دولة استيطان تقوم على الأحقية الجينية، حتى أصبح الوصول إلى نتيجة غير تلك المأساة التي نراها في عناوين الصحف هذه الأيام مستحيل. إن الإرهاب، وهو العنف الموجه ضد المدنيين، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن بواسطتها إخضاع شعب راسخ الجذور، وتجريده من إنسانيته، وإخراجه من أرضه” 3.
فالتطبيع لا يساهم في تفكيك الظلم وإرجاع المشكل إلى جذوره التاريخية، بقدر ما يساهم في تكريسه وتبريره ومنحه الشرعية والمصداقية، لتستمر المأساة نتيجة ظلم الأمس.

طالع أيضا  ذة. الولوس: اللجنة مستمرة في الدفاع عن أعضاء الجماعة المشمعة بيوتهم

كيان غير طبيعي لأنه يضع نفسه في مرتبة أفضل وأعلى من البشر، فهو العرق السامي وشعب الله المختار، أما بقية الناس، ويسمونهم الغوييم أو الأغيار، فخدم لهم. هذا الشعور العنصري الذي يمجد الذات اليهودية، كان المحدد والموجه لسلوكهم تجاه بقية الأديان والأجناس والأعراق.

وعلى رأس المستهدفين بشرارة هذه النظرة العنصرية المسلمون، وقد أخبر القرآن الكريم بهذه الحقيقة، قال تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرن 4. في قلوبهم كبر غذي بعقيدة عنصرية مستعلية، تجلت في صورة دولة صهيونية يهودية، لا تعترف بالمواطنة إلا لمن كان يهوديا، احتقار الناس وقتلهم وتشريدهم لا يشعرهم بعقدة الذنب، قتلهم للطفل الفلسطيني بدم بارد يشعرهم بالنخوة والفخر لأنه من الغوييم. من كانت هذه عقيدته كيف يتم التطبيع معه، ووضع اليد في يده.

 كيان غير طبيعي لأنه أشد تفلّتا من عهوده وعقوده ووعوده، لا يعاهدون عهدا إلا نقضوه، والشواهد على ذلك كثيرة، وأهمها جملة الاتفاقات التي عقدوها مع السلطة الفلسطينية، بعد كل اتفاق يأخذون وإذا حان وقت الوفاء من جهتهم انقلبوا وتفلّتوا ولا تعوزهم الأسباب والمبررات، بعد اتفاق أوسلو في 1993م وعدوا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد خمس سنوات، ولما حان الموعد رفضوا.

نقض العهد صفة لازمة لليهود، منذ الأزل مع أنبيائهم مرورا بنقض العهد مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما أعطاهم حقوقهم كاملة، حق الاعتقاد والتملك والتنقل والعيش بسلام، بشرط عدم التعاون مع الأعداء، لكن يهود بني قينقاع وبنو النضير وبني قريظة نقضوا العهد وتحالفوا مع جهات خارجية لقتل المسلمين.

وإلى جانب شواهد التاريخ نجد القرآن الكريم يذكر حال اليهود، ونكثهم لعهودهم، في أكثر من مكان وسورة، قال تعالى: ولقد أنزلنا إليك آيات بينات، وما يكفر بها إلا الفاسقون. أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون 5.

لا ثقة في وعود كيان عرف بنقض عهوده وعدم الوفاء بها، فكيف يؤتمن جانبه في قضايا وطنية مصيرية فيتم الزج بها في أتون أخطبوط خداع وكذاب ومحتال.

طالع أيضا  الأستاذ عبادي في مجلس النصيحة المركزي: المواساة إحساس قلبي وسلوك عملي

[1] الاستراتيجية الإسرائيلية لتطبيع العلاقات مع البلاد العربية، محسن عوض، ص 14.
[2] دولة الإرهاب ، توماس سواريز، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة عدد 460 مايو 2018.ص293.
[3] دولة الإرهاب، ص 373.
[4] سورة المائدة آية 84.
[5] سورة البقرة آية 98/99.