ثم نصعَد في بحثنا إلى العهد النبويِّ لنجلِسَ إلى المُعَلِّم المعصوم صلى الله عليه وسلم وهو يُرَبِّي أصحابه على رعاية مصالح الأمةِ بناءً على أصولٍ ثابتة، بإرادة خيِّرَة، وعقل متفاعل مع الأحداث، وأحوال الزمان والمكان، والنيات والعوائد. روى أبو داود والترمذيُّ رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مُعاذا إلى اليمن، وسأله: «كيف تقضي إذا عَرَضَ لك قضاءٌ؟» قال: أقضِي بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: فبِسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله؟». قال: اجْتهدُ رأيي ولا آلُو. قال: فضرَب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره، وقال: «الحمد الله الذي وفَّقَ رسول رسول الله لما يَرْضَى به رسول الله».

لم يُزَوِّدْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بعثه حاكما على إقليم واسع، بمدونة، ولم يقيد تصرفه بلوائحِ قانون. إنما بعث امْرَءاً مؤمنا تربى على طاعة الله ورسوله، فهو يرى في عين المكان المصلحة، فيميز بين ما تبيحه منها الشريعةُ وبين ما تُحَرِّمُهُ. لا اجتهادَ لأحدٍ حيثُ وردَ النصُّ الصريح، فإذا لم يكن نصٌّ فواجب الحاكم، وحقُّ المؤمن العالم، أن يجتهدَ رأيَه. لذلك رضيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من معاذٍ وأقرَّه على عزيمته أن يَبُتَّ فيما يعِنُّ له من قضايا. ويتضمن هذا الرِّضى والإقرارُ النبويان عن معاذ رِضىً وإقراراً مثلَهُما لكل مؤمن عالم غيرِ مُعاذٍ، في عهد الصحابة ومِنْ بَعدِهم، يفعلُ مثلما فعل معاذ من الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه صريحا.

كان الصحابة رضي الله عنهم يتمتعون بحرية الاجتهاد تمتعا كاملا، فيختلفون في فهم النصوص كما حدث عندما أمرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ يصلوا العصرَ إلا في بني قريظة. فَهِمَ فريق منهم الأمْرَ على أنه استعجالٌ فصلَّوا العصرَ في الطريق. وفريقٌ فهم الأمرَ فهما حرفيّاً فأخروا العصر حتى وصلوا، فلم يعترض الرسول صلى الله عليه وسلم على أحد في فهمه بل أمضاه لهم.

طالع أيضا  احتجاجات الفنيدق: عرض 4 شباب معتقلين على النيابة العامة غدا الإثنين.. والدولة تفتح جرحا جديدا وتمضي في مسار التأزيم

تابع القراءة في إمامة الأمة، ص 224-225.