بقلم: نور الدين الملاخ

تحل اليوم 15 يناير 2021، الذكرى العاشرة لرحيل الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله.

كنّا نعرف تاريخ أيام الله بالجزء من القرآن الذي قام الوالد بقراءته، وكان يردد بعدها قول الله عز وجل من سورة آل عمران: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية 140.

في المرحلة الأخيرة من عمره الدنيوي، قرأ قول الله عز وجل من سورة هود قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ الآية 28.

هنا توقف اللسان عن القراءة، لكن بقي يردد لأيام كلمة «أَنُلْزِمُكُمُوهَا» والتي اختزلت في الأخير في حروف «..نُ..كُم.. » حتى فاضت روحه الطاهرة عصر يوم السبت 15 يناير2011، وصاحبه يلقنه الشهادتان -عبر الهاتف- (أشهد ألا إله إلا الله وأن سيدنا محمد رسول الله).

الله الله..

عقد من الزمان مر على الرحيل، فترة كافية لنسيان من رحل. فتن الزمان كثيرة تغير شكل المكان، ويصبح الأشبال عرضة لمكايد الشيطان، وتتحول الأجساد إلى أشباح، بينما تبقى أرواح الآباء جنودا مجندة لحماية الأبناء.

كيف لي أن أنسى رجلا عاش بالقرآن ومع القرآن. كلما وصلت في وردي القرآني لهذه الآية العظيمة، حضرني مشهد قراءة الوالد لها بحاله ومقاله.

إن مشيئة الله عز وجل التي جعلت اللسان يتوقف عند هذه الآية التي تُذكر بقصة نبي الله سيدنا نوح عليه السلام مع قومه وصبره عليهم في تبليغ دعوة الله لهم للفوز برضاه عز وجل والنجاة من الطوفان، تجعلنا نتذكر مسيرة هذا الرجل الذي ركب سفينة الإمام ياسين مستجيبا لنداء الحق “يابني اركب معنا”، تاركا وراءه مغريات قوة الجسد وسلطة العقل، مستمعا لنبض قلبه المتلهف لتلقي الإشارات اللطيفة الدالة على الله عز وجل.

طالع أيضا  ذ. القادري: عام مضى شهيد وعام أتى جديد (فيديو)

صدق طلب، أثمر معية محبة وعلم واتباع. جعلت الصاحب يرافق مصحوبه في طريق شاق، ظاهره محن وحرمان، لكن باطنه منح وعطاء رباني، لا يدرك معناه إلا من عاش في ظلال الصحبة ودفء الجماعة لاقتحام عقبات النفس وجبروت العقل.

من أجل ذلك عاش أحمدنا معنى قول الله سبحانه وتعالى: إن مع العسر يسرا. وكانت هذه الآية لازمة عنده، تجده دائما مبتسما منشرحا في أحلك الأحوال، فاتحا قلبه لكل باحث عن الحق، مستمعا لكل من جاءه سائلا عن مسألة، مجيبا إياه بما تعلم من مدرسة الصحبة، دالا كل تائه على محضن الجماعة، ملتمسا الأعذار لكل من أصيب بحوَل العقل عن القلب، مرشدا إياه للوصفة المنهاجية النبوية الشريفة.

كانت بين الرجال صحبة دافئة لم تنقطع، وتواصل قلبي لا يستطيع عقل متكلس إدراك عمقه.

توقف اللسان عند “أَنُلْزِمُكُمُوهَا” إشارة لنا نحن الغافلون عن الحقيقة المُغيَّبة، تجعل العقول تتذكر مدرسة الصحبة والقلوب تحيى بسيرة الرجال أهل الوفاء.

آباء عشنا في أحضانهم، فملؤوا القلوب رحمة.

أساتذة تعلمنا من علمهم، فملؤوا العقول حكمة.

رجال أرشدونا لاقتحام العقبات، وحملونا أمانة الرسالة.

وضعونا في سويداء أعينهم فكانوا بحق قرة عين.

رحم الله الرجال ورزقنا الله نور البصر والبصيرة.

قال الله تعالى في سورة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا الآية 23.

والموعد الله