بقلم: وفاء توفيق

لا يجادل اثنان في اعتبار الحرية مطلبا إنسانيا شرعيا كونيا، وقيمة خلقية كوكبية متممة لآدمية الإنسان… بسلبها منه تضطرب الحياة وتنحرف، وتنذر بهلاك الأمم وبوارها.

ولمركزية قيمة الحرية في حياة الإنسان، صار الكل يتغنى بطلب تمتيع الإنسان بل كل المخلوقات بها، ولعل من أهم الشعارات التي تتوافق عليها كل أطياف التوجهات البشرية والمرفوعة دوليا في زماننا الحالي “حرية المرأة”. كلمة حق قد يراد بها حقا كما قد يراد بها مهلكة وبوارا.

يعلم المسلمون أن الله تعالى أكرم المرأة بكامل حقوقها ومنها حق الحرية في أبرز تجلياتها بنقلها من عرف الوأد وواقع اللاشيئية.. إلى إنسان كامل الإنسانية والكرامة مثلها مثل أخيها الرجل… ولكن ما بال أصوات تعلو هنا وهناك في عالمنا الإسلامي تدعو إلى تمكين المرأة من حريتها المسلوبة؟ 

فهل المرأة المسلمة حقا مسلوبة الحرية؟ 

ويتغنى الحداثيون اللائيكيون بفوز المرأة في ملتهم وفي فلسفتهم بأكبر حظ من الحقوق على مر تاريخها، وعلى رأس تلك الحقوق حق الحرية…

فهل حقا تتنعم المرأة بكامل الحرية في الإيديولوجية الحداثية اللائيكية الإباحية؟

في هذه المداخلة، سنقارب الحديث حول السؤالين المحوريين السابقين من خلال الاطلاع على المفهوم التجديدي لقيمة حرية المرأة عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، وذلك وفق التصميم الموالي: 

مدخل

نقصد بالحرية معناها العام الشامل الذي يعني رفع كل أنواع القيود والمعيقات التي تكبل إرادة الإنسان، بل تشلها، وتحرمه من تفعيل كل أنواع طاقاته الروحية (الإيمانية) والفكرية والجسمية و… وتمنعه من حسن استثمارها فيما يعود على الفرد نفسه وعلى مجتمعه وعلى الإنسانية بالخير والنفع.

إن رسالة الله تعالى الخاتمة إلى الإنسان هي مشروع نظري عملي متكامل لتحرير الإنسان من كل أنواع العبوديات لغير الله تعالى والتي قد توقعه في أخطبوطها… ولعل هذا ما فهمه الرعيل الأول؛ فهذا الصحابي الجليل سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه يلخص لرستم قائد الفرس رسالة الإسلام إلى الناس وجوهر مقاصد دعوة المسلمين الناس إلى الإسلام بقوله: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام…”، كل تلك المهمات الجليلات التي اعتبرها سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه مقاصد أساسية من مقاصد نزول الإسلام ووجوب انتشاره بين العالمين، تمثل صورة حية من صور إحقاق حرية الإنسان المتعددة المظاهر…

طالع أيضا  أنقذوا حياة المؤرخ والحقوقي المعطي منجب.. نداء أطلقته لجنة التضامن الوطنية

فما حظ تمتع المرأة بهذه القيمة الكونية عبر تاريخها؟ ذاك ما سنعرج عليه من خلال المحور الآتي.

المحور الأول: وضعية المرأة عبر التاريخ البشري

كانت المرأة وما زالت مستضعفة المستضعفين ومظلومة المظلومين عبر تاريخ البشرية اللهم إلا من بعض الاستثناءات في بعض العصور أو عند بعض الأقوام أو لدى بعض الرجال ذوي المروءة؛ ومن ذلك العصر النبوي الشريف وفترة الخلافة الراشدة… 

ففي العصر اليوناني: أكد الفكر اليوناني دونية المرأة مقارنة مع الرجل؛ وذاك حكم ملازم لها ووصف ملتصق بها على الدوام بسبب نوع جنسها أي باعتبارها أنثى، وهو ما كان يصرح به ويؤكده العديد من الفلاسفة والأدباء ورجال الفكر والدين… 1؛ الذين اعتبروها مخلوقا عبوديا ليست له حرية الإرادة أو الأفعال 2، وجعلوها مجرد تابع للرجل 3؛ مهمتها محصورة في الوظيفة البيولوجية، كما هي «شيطان وآلة جنسية» لتحقيق رغبات الرجل.

أما وضعية المرأة عند أهل الكتاب، فلم تكن أفضل حالا؛ فهي في الأدبيات اليهوديّة والمسيحية المحرفة -طبعا- أصل الشر كله؛ لأنها في زعمهم المسئولة عن الخطيئة البشرية الأولى وخروج آدم عليه السلام من الجنة. ومن ثم تستحق كل الأحكام المشينة الواردة بخصوصها في الشريعة اليهودية والمسيحية (المحرفة)، ومن ذلك أنها تباع وتشترى، وأنها تَنجس، وأنها ما خُلِقت إلا لخدمة الرجل فحسب، ومن ثم فللرجل الزوج بيع زوجته…

ما سبق ذكره يبرز الجذور الحقيقية الكامنة وراء ازدراء المرأة واستعبادها وامتهانها جسدا وروحا، تشابكت فيها رواسب الفكر اليوناني والروماني مع التعاليم المحرفة لليهودية والمسيحية، مما كان سببا في تجرع المرأة عبر التاريخ البشري صنوف الاضطهاد النفسي وألوان الاستعباد الجسدي.

وفي العصر الجاهلي: تجرعت المرأة العربية قبل مجيء الإسلام نفس مرارة المهانة والاحتقار والدونية والاستعباد التي طبعت وضعية المرأة عبر التاريخ اليوناني والروماني والكهنوتي اللهم إلا من بعض الاستثناءات… وعناوين استضعاف المرأة في العهد الجاهلي وأشكال ظلمها ومظاهر تهميشها وصور بؤسها من الكثرة بحيث سياق هذه المداخلة لا يسمح بجردها وسردها…

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين: الأمة أنا وأنت

في العهد النبوي والخلافة الراشدة

جاءت رسالة الله إلى الناس بدين الإسلام الذي يُعد تحرير الإنسان كل إنسان من كل أنواع العبوديات أعظم غايات نزوله؛ فكان جوهر ومرامي الخطاب الإلهي إخراج الرجل والمرأة من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور القوانين والأعراف و”الحضارات” و”الثقافات” وقهرها وظلمها… إلى عدل الإسلام. فتبوأت بذلك المرأة زمن الوحي المكانة الطبيعية التي… تتمة المقال على موقع مومنات نت.


[1] خلود، السباعي، الجسد الأنثوي، ص 297.
[2] آمال، علاوشيش، المرأة في مرآة الفلاسفة، الفلسفة والنسوية، مجموعة مؤلفين، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، 2013، ط1، ص50.
[3] بعلي، خلفاوي، مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن، م. س، ص 124.