بقلم: ذ. عبد العلي نقري

بعد النداء… ذهبت لزيارة قبر الوالد رحمه الله، ذاهب وكلي وجَل وخوف من أن يكون قبره ضمن القبور التي طالها السيل والهدم، (كيف لا أخاف عليه وهو الذي كنت أحس بيديه الحانتين تغطيني في كل ليلة عندما يسقط عني الغطاء ويتفقدني وأنا أغط مستريحا في النوم العميق فقط لأنه يحمل عني وعنا كل أحمال وأعباء الدنيا وقهرها).

ذاهب والفكر يحدثني ويسألني سؤالا مباشرا مفتوحا: لو كنتُ أنا الذي توفاني الله قبل الوالد وهو حي بعدي ما كان سيفعل في مثل هذا الحدث؟ والجواب يخص كل الآباء رحمهم الله برحمته الواسعة أمواتا وحفظهم أحياء، نعم سيقيمون الدنيا ولا يقعدونها لأجلنا ونحن أموات في قبورنا، إنهما الوالدان، إنه الأب يا سادة، ذلك المخلوق العظيم الذي لن تحس بقيمته في الدنيا حتى تفقده فراقا بالموت… لأن من طبيعته الكتمان والأنفة، والرحمة والحب مغلفان بحجاب القوة…

سامحنا الله للتفريط في حقوقهم أحياء وأمواتا، ورزقنا برهما وحسن الأدب معهما في السر والعلن… وحفظنا الله جميعا من العقوق والعياذ بالله.

– عند الاقتراب من المقبرة (مقبرة الغفران الدار البيضاء، طريق الهراويين) السيارات على مد البصر في الطريق، والدخول بالسيارة ممنوع لأن العدد كبير جدا جدا، (الآلاف من الناس) حجوا إلى المقبرة في نفس اليوم والزمن… المشهد كان رهيبا عجيبا، ما عليك إلا أن تضع السيارة خارج المقبرة بحوالي 600 إلى 700 متر وتذهب مشيا على رجليك تحت المطر الشديد والبرد القارس، والمياه الراكدة والأوحال الكثيرة الكثيفة.

رأيت الناس أشكالا ألوانا، ذكورا وإناثا، شيوخا وأطفالا، كل الفئات والأعمار والحيثيات… منهم الواقع تحت هول الصدمة، ومنهم من يصرخ ويشتم الدولة على تفريطها فتسمعه يقول (ما كرمونا وحنا حيين وما تهلاو فينا وحنا ميتي).

طالع أيضا  "هيئة مغربية" تدعو الأمة لإنقاذ المسجد الأقصى وبيت المقدس

وصنف آخر فرح لأن قبر قريبه لم يحدث له شيء، ولكنك تجده يصلح بيديه العارتين بالوحل قبرا آخر لا يعرفه قد تهدم…

مشهد بالفعل لا يوصف لما يحتويه من لطف الله الخفي ورحمته الواسعة بخلقه، عندما ترى من لم يزر قبر والديه أو جده أو زوجه أو ولده سنين حتى جاء السيل فكان لطف الله بالميت والحي (بركة اللقاء والدعاء وقراءة القرآن للجميع…)

رأيت الناس ممن ذكرتهم سالفا حافي القدمين قد غط الوحل يديه وساقيه وهو لا يبالي بالمطر والبرد… المهم عنده ان يستر عورة حبيب له في قبره قد عراها السيل وحفر… اختلطت المشاعر بشكل ينتهي بك كمالها إلى قوله تعالى: (الله لطيف بعباده…)

فتتساءل ما ضر هؤلاء لو بقوا في بيوتهم؟ فمن مات قد مات؟

إنها أمة الحبيب سيدنا ومولانا محمد (الرحمة والخيرية أصل متجذر فيها إلى يوم القيامة).

 إنه الوفاء الكامن في الفطرة مهما تلاعب بها الماكرون…

رأيت أناسا يصورون القبور بالهاتف ليست لعوائلهم ولكنها لجيرانهم أو أصدقائهم يطمئنونهم على أحوال ذويهم تحت التراب أنهم بخير… رأيت البارحة رحمة الله لما تلتفت فتجد من نصفهم سامحنا الله وهداهم (بالمنحرف ومن نصفها بالمتبرجة) يقفان تحت المطر الشديد والبرد القارس وهما يرفعان يديهما إلى الله والبكاء يعلو المقام (يارب ارحم بّا ودخلوا الجنة يا سيدي ياربي).. (يا رب حفظ قبر مّي من الشتا والبرد ياربي) والمشاهد لا تعد ولا تحصى… أسوق هذه التدوينة والنية متجددة عالية قصد:

* من له حبيب قد واراه التراب فلا يبخل عليه من الدعاء والزيارة حتى يلتحق به.

*من له والدان حيان أو أحدهما ولم يفز بالقرب والحب والشبع والرضى منهما… فهو أغبى من يمشي على الأرض وأحقر.

طالع أيضا  ذ. بناجح: تعنيف السلطة للاحتجاجات الاجتماعية "يضرب أهم مرتكز للاستقرار وهو الثقة"

* صلة الرحم لا تقطع سواء لمن لا زالوا أحياء، أو أولائك الذين حجبوا عنا برزخا رحمهم الله.

* لا وقت لديك للخصام والحقد والفرقة، فالموت زائر بلا ميعاد ولا إنذار.