قليلة هي الدراسات التي اهتمت بمبحث الذهنيات الاجتماعية، من حيث ماهيتُها وطرق تَشَكُّلِهَا وأسباب تجدرها وانتقالها عبر الأجيال.

صحيح أن الأنتربولوجيا قد عرفت تحولا نوعيا في سبعينيات القرن الماضي عندما انتقلت من التاريخ الكمي إلى التاريخ الكيفي، وفتحت ورشا سمته تاريخ الذهنيات، لكنها لم تنفذ إلى روح الموضوع وركزت بشكل كبير على سلطة الرموز في المخيال الاجتماعي وأثره على تمثلات الأفراد ونظرتهم للواقع. وهذا مقبول في الأنتربولوجيا وليس مثلبة في حقها، لأن مهمة نحت المفاهيم وتأثيلها وتأصيلها تناط بالأساس إلى الفلاسفة والمنظرين. ولن أكون مبالغا إن قلت إن القرآن الكريم يضع بين أيدينا مادة غنية وأولية لفهم ماهية الذهنية وكيفيتة تشكلها واستمرارها في الزمن. وهذه المسكة بالموضوع لم ولن تتسنى لنا إن لم نسلك قراءة موضوعية في القرآن الكريم بحيث نتتبع مثلا باستقراء كل الآيات التي ذُكِرَ فيها فرعون ونخضعها للتفكيك وإعادة البناء علنا نهتدي إلى سمات الذهنية الفرعونية. وقس على ذلك مع ذهنية الكفار، وذهنية المنافقين، وذهنية بني إسرائيل، والذهنية القارونية، والذهنية النمرودية، وذهنية المشركين، وذهنية الأعراب، وذهنية المفسدين… وكأني بالقرآن عندما خَلَّدَ هذه الذهنيات (ولا أقول العقليات) ينبهنا أنها سارية في البشرية جمعاء، وأن الأفراد والجماعات ليست بمنأى عنها بل هم في مرماها، ويكفي الفرد أن يكون على تماس بغير وعي مع ذهنية ما فيجرفه تيارها ويتصف باتجاهها، لأن الذهنية في جوهرها هي ”اتجاه“ من حيث الوصف، وهي ”تيار“ من حيث الفعل.

وعلى هذا الأساس فإن المخزن من حيث هو اتجاه في الحكم وتيار مستبد بالفعل، قد استحال إلى ”ذهنية مخزنية“ في الاجتماع المغربي تشكلت منذ تأسيس الدولة السعدية عام 1554م إلى حدود الآن. ولأننا في خضم البحث عن ماهية الذهنية المخزنية يمكن أن نحدد أُسَّهَا ومَعْلَمَهَا في: «الأسلوب والآليات التي تمر عبرها السلطة من قمة الهرم إلى قاعدته، والتي ينجم عنها في تمثلات الموروث والمخيال الشعبي أن السلطان الحاكم هو رمز العنف والبطش والسلب والعطاء، ومن تَمَّ تتحول الكتلة الاجتماعية إلى ذهنية القطيع.

طالع أيضا  ذ. الجوري: قرار وزارة التعليم بإلغاء الامتحانات المحلية "يتسم بالغرابة والغبش"

 لقد حاولت كثير من الدراسات خاصة منها الفرنسية تحديد ماهية المخزن من خلال تحقيب حياته، فذكرت مخزن السلطان، ومخزن القبيلة، ومخزن الزوايا، ومخزن النخب والأعيان، وربما نتحدث اليوم عن مخزن الثروة. لكن ما يهمني في هذا التحليل ليس الوصف الذي يأخذه المخزن بل تشكل اتجاهه وتياره.

وعليه يمكن القول إن الذهنية المخزنية لم تنحصر في هياكل الدولة أو الدوائر السلطانية، بل تعدتها لتشمل كل مجالات الحياة. فأضحت المخزنية أسلوبا لتنظيم الأسرة وتسيير الورشة، وإدارة المدرسة والزاوية والمسجد والجمعية والحزب… وكل الديناميات الاجتماعية. فما هي يا ترى السمات أو العناصر التي تنتقل من ممارسة المخزن للسلطة لتصبح ذهنية واتجاها وتيارا جارفا في الممارسات الاجتماعية؟ وإجابة عن السؤال نُذكر أن المخزن السلطان يقوم على ثلاثة أمور أساسية:  البيروقراطية – الجيش – الريع.

▪️ فالبيروقراطية تتيح للمخزن تعيين خدامه على رأس إدارات الدولة بمعيار الولاء وليس بمعيار الكفاءة ضمانا لتمرير تعاليمه على حساب القوانين المنظمة.

▪️ والجيش الذي يترأسه السلطان يضع قواده بنفسه ضمانا لحماية استمرار حكمه، فالجيش هو جيش السلطان وليس جيش الدولة.

▪️والريع هو تصرف في مداخيل الخزينة بالعطاء للنخب والأعيان والوجهاء مقابل استمرار الولاء المطلق.

هكذا ومع تفاعل هذه المعطيات الثلاثة في الزمان والمكان تتسرب الذهنية المخزنية لتصبح روحا تسكن كل الديناميات الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية، بحيث تعكس هذه الديناميات ذهنية المخزن في ممارستها الداخلية والخارجية.

وعليه نتساءل هل فعلا تمكنت القوى المناهضة للمخزن والداعية لتفكيك منظومته من التحلل والتخلص من ذهنية المخزن، أم أنها مصابة بسرطانها وتتصرف وفق الجينات المخزنية التي ورثتها بوعي أو عن غير وعي؟ لا جرم أن هذه التنظيمات تضع قوانين داخلية تضمن حرية التعبير وحرية الاختيار، لكن بأي ذهنية تسير هياكلها وما هي الروح التي تسكنها؟ هل يا ترى سَلِمت ممارساتها من السمات المخزنية الثلاث المذكورة سلفا؟ ألا تأخذ البيروقراطية داخل التنظيمات شكل حواجز إدارية في وجه الكفاءات، ويتخذ الجيش شكل سلطة الأتباع، ويتخذ الربع شكل منح المناصب والوجاهة؟ وعلى ضوء ذلك تكون أحزابنا وجمعياتنا ونوادينا وأسرنا… مجرد صور مصغرة للمخزن الكبير.

طالع أيضا  من دلالات البعد الإنساني في فكر الإمام.. مطلب الكرامة الآدمية هو الحق الخالد

 إنني وأنا أبني هذا الاستدلال، أروم البرهان على أننا جميعا لسنا في منأى عن الذهنية المخزنية إلا إذا تخلصنا من عقيدة الولاء البيروقراطي بتبني مبدأ الكفاءة التخصصية، وتخلصنا من توظيف سلطة الأتباع مقابل الأخذ بالحق ولو كان عند الأقلية، وتخلصنا من الريع مقابل معيار قسمة الأرزاق تُمنَح وفق قسمة التضحيات. ثم علينا أن نستحضر أن المعركة مع المخزن هي معركة بالأساس مع الذهنية المخزنية التي تقتضي التجاوز. ولعل أرقى وجوه تجاوز هذه الذهنية يكمن في تقديم نموذج عملي يقطع مع الطقوس والشعائر المخزنية، نموذج يكشف عورات هذه الذهنية وما خلفته من فساد في كل المجالات، نموذج يؤسس للقبول بتقاسم السلطة وتوزيع السلطة والفصل بين السلط. وهذا الخيار يستوجب القطع مع العقيدة المخزنية والتأسيس لعقيدة نقيضة تقوض كل دعائمه. ولعل هذا الطريق هو الذي رسمه القرآن عندما كشف لنا جملة من الذهنيات المنحرفة، ودعانا إلى اعتناق عقيدة مغايرة تماما لتلك التي كانت سائدة، ذلك أن العقيدة هي وحدها القادرة على تغيير ما بداخلنا لتتمكن من تغيير سلوكاتنا الخارجية. فمتى تحلينا بعقيدة الانتصار للحق والكينونة مع الحق ومع أهل الحق، تخلينا على عقيدة السلطة والاستحواذ التي تطرز في السر وتدبر في الخفاء، لأن من معاني المخزن مكان الحفظ والإخفاء.

وزبدة القول، فإن الذهنية المخزنية ضاربة بأطنابها في أعماقنا منذ قرون خلت، وأن التخلص منها يقتضي أن يقول كل واحد منا لنفسه ”أنت امرؤ فيك مخزنية“ ثم يتلو قوله تعالى ”وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء“، وأي سوء أكبر حين يجعل الشخص نفسه بؤرة للتسلط والاستبداد في دائرة مسؤوليته ووظيفته، ويكون أكبر همه إقصاء الآخرين والانفراد بالسلطة أي سلطة حاكما كان او محكوما.

طالع أيضا  لا قُدِّست أمَّةٌ لا يأخذُ الضَّعيفُ فيها حقَّهُ!!

 فالتسلط القائم على التخويف والإقصاء والحصار والتضييق والتهميش والمساومة والمقايضة والترويض والتطويع… كله مظاهر مرضية للذهنية المخزنية، التي لا سبيل للتخلص منها إلا بتربية شمولية صارمة متدرجة ودائمة. لقد أصبحنا على يقين اليوم أن مسايرة تطور العالم عامة وتطور نظام الدولة المعاصرة خاصة يقتضي القطع مع كل ذهنيات الاستبداد، بما في ذلك الذهنية المخزنية، وإلا سنكون كالأعرابي الذي غرته العجوز الشمطاء فتزوجها فأنشد بعد الدخول عليها قائلا:

ﻋﺠــﻮﺯٌ ﺗُـﺮﺟِّـﻲ ﺃﻥ ﺗﻜـﻮﻥ ﻓﺘـﻴـَّﺔً  

                     ﻭﻗﺪ ﻧﺤﻞَ ﺍﻟﺠﻨﺒﺎﻥِ ﻭﺍﺣﺪﻭﺩﺏَ ﺍﻟﻈﻬْـر

ﺗﺪﺱُّ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻄَّﺎﺭ ﺳﻠﻌـﺔَ ﺃﻫﻠِﻬﺎ

                     ﻭﻫﻞ ﻳﺼﻠﺢُ ﺍﻟﻌﻄـَّﺎﺭ ﻣﺎ ﺃﻓﺴﺪَ ﺍﻟﺪَّﻫْﺮُ

ﺩﺧﻠـﺖ ﺑﻬﺎ ﻗﺒـﻞ ﺍﻟﻤﺤـﺎﻕِ ﺑﻠﻴﻠﺔٍ

                     ﻓﻜﺎﻥ ﻣﺤـﺎﻗـــﺎً ﻛﻠُّــﻪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸَّﻬـْــﺮُ

ﻭﻣـﺎ ﻏـﺮَّﻧﻲ ﺇﻻ ﺧِـﻀــﺎﺏٌ ﺑﻜﻔِّﻬـﺎ

                    ﻭﻛُﺤـْـﻞٌ ﺑﻌﻴﻨـﻴـْﻬﺎ، ﻭﺃﺛـﻮﺍﺑُﻬﺎ ﺍﻟﺼُّﻔـــﺮ.