بقلم: ذ. عز الدين ناصح

مقدمة

يتطرق هذا الموضوع إلى إسهام الإمام رحمه الله عز وجل في ترشيد العمل الإسلامي بالمغرب والارتقاء به فكرا وتصورا ليصبح في مستوى تحديات التغيير والتجديد المنشودين… من خلال ما نشره في مجلة الجماعة من سنة 1979 إلى سنة 1983.

وقد يبدو ما نعرضه من أفكار وتصورات مسلمات لدى البعض اليوم بعد ارتفاع مستوى الوعي في صفوف الحركة الإسلامية، ولكنها كانت قبل أربعين سنة من المبهم وتثير الكثير من الجدل، وكانت الحركة الإسلامية في المغرب وهي يومها حديثة النشأة 1  تتقلب في غموض المسار وضبابيته، وتتخبط في الهامشية وتخوض تجارب مريرة قاسية، وعدد منها وصل إلى النفق المسدود بسبب غياب رؤية استراتيجية وبوصلة موجهة للعمل والحركة.

خرج الإمام رحمه الله من محنة الاعتقال التعسفي الذي دام ثلاث سنوات وستة أشهر دون محاكمة سنة 1398 هجرية الموافقة لـ 1978 ميلادية، صابراً متوكلاً على الله العزيز الجبار، عازما استئناف مسيرته الدعوية والنهوض بواجب النصرة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والنصيحة لعامة المسلمين بعد النصيحة الخاصة للحاكم.

وبعد منعه من ممارسة الدعوة إلى الله في المساجد أوْقف ومجموعة من إخوانه جهودهم لرأب الصدع وتوحيد الصف الإسلامي الذي كان يعاني جراء تشعب التصورات وتباعدها وضيق الأفق وغموض المسار وعقابيل الخلافات المذهبية المزمنة، حالة من الضعف 2 والتهميش نتيجة الفرقة والتشرذم بين من يتمكث في الفكر والثقافة، ومن يرى الخلاص في نشر العلم الشرعي ومحاربة البدع، ومن ينعزل في برج التربية، ومن يقبع في زاوية نائية من السياسية، ومن يسعى إلى تحقيق توازن بين هذه جميعها ولكن دون دليل موجه أو تصور متوازن.

فنادى في الإسلاميين بحرقة وحرارة رغم ما جوبه به من إعراض وتخوف وتشكك، أن “أقيموا صفكم أيها المؤمنون ورُصّوه بنيانا تنظيميا يقوى على النهوض بجلائل الأعمال التي تنتظركم” 3، وأصدر في فبراير 1979 مجلة »الجماعة« لتكون منبرا للإسلاميين وأداة للتواصل بينهم والتحاور والنظر في واقع العمل الإسلامي بالمغرب وحاله، لأنه كما قال: “ما عششت في عقولنا الأوهام إلا للصمت المفروض، وما تفرقنا شيعا وطوائف إلا لأننا، كل من جانبه، تبنينا الخلافات المزمنة العميقة الجذور التي فرقت الأجيال التي ضاع في عهدها الإسلام…” 4، و”ما من خلاف ينشأ بين المسلمين إلا مرده إلى خلل وتفاقم على مستوى العقل… و/أو على مستوى النقل… و/أو على مستوى الإرادة…” 5

وركز رحمه الله في الأعداد الأولى للمجلة على ضرورة وضوح المشروع وخط العمل، وناقش المسألة من كل نواحيها منتقدا ومقترحا ومبينا أن “الانكفاء الفكري يضمن استمرار الحركة الإسلامية في هامشية الحركية السرية التي يريد أعداؤنا أن نخوض في غلسها.” 6، وتساءل: “فهل نكتم أساليبنا في التربية والتنظيم مخافة أن يطلع عليها الأعداء فيكون الانكفاء الذي يريدونه لنا؟ يضمر الفكر في غلس التخفي فينحرف العمل في الضالات الحركية. أنكون أقل ذكاء وجرأة على الأمور من طوائف المذاهب المقاتلة للإسلام التي تخطط وتفكر وتنشر على أوسع نطاق ليعلم كل عضو في تنظيماتهم مهمته بالضبط؟” 7.

طالع أيضا  وضوح المهام سبيل للإنجاز بمسؤولية وإحسان

تقارِب هذه المقالة موقف الإمام رحمه الله في هذا الشأن ودعوته إليه من خلال ما نشره في مجلة الجماعة في مسألتين: مسألة حاجة العمل الإسلامي إلى تصور كلي متكامل، ومسألة وضوح الخط السياسي للحركة الإسلامية.

أولا: جهوده في بلورة تصور كلي للعمل الإسلامي

مثلت قضية “وضوح تصور العمل الإسلامي” أكثر القضايا التي شغلت فكر الإمام وجهوده في الإسهام في النهوض بالعمل الإسلامي بالمغرب وترشيد مساره في السنوات الست بعد خروجه من الاعتقال، فخاض رحمه الله بتبصر وعمق، كتابة وحوارا ومحاضرات، في كليات هذه القضية ودقائقها، ومقاصدها وتفاصيلها، حيث كان يعتبر أن أزمة العمل الإسلامي “أزمة منهاج”، وأن “الفكر المقتضب من أكبر أخطاء الحركات الإسلامية، وأنه لا ينتج عنه إلا تعصب وعنف واضطراب في التنظيم.” 8.

كان رحمه الله يرى أن المحنة التي يعاني منها الإسلاميون ليست فقط من “فعل عدوهم الضارب المبيد، ومن فعل عدوهم المنافق المميع لهم”، لكن أيضا بسبب ” مواطن الضعف في فكرهم وتنظيمهم” 9، وأن “التمييع الذي أصاب الحركات الإسلامية هو من جراء ظروفها القاسية ومن جراء أغلاطها في التنظير والتخطيط والتنظيم” 10. “فلا جرم –يقول- إن فضل الإسلاميون أساليب الانفعال والانغلاق والتقوقع الفكري التنظيمي أن يظلوا عاجزين عن توجيه الأمة إلى بناء الإسلام على قواعد اجتماعية واقتصادية وسياسية تكون بديلا في زحمة الأحداث وتشعب المشاكل للقواعد الجاهزة المستوردة” 11.

كما كان يعتقد أن منازعة الجبر وإقامة الدين أمان معسولة لن تفت في عضد الاستكبار ولن تحدث في الواقع تغييرا في غياب منهاج عمل متكامل، يحدد الأهداف والمرامات، ويرتب الأولويات والمراحل، ويفصل البرامج، بل من شأن ذلك “خنق العمل الإسلامي من حيث لا تستطيع المؤامرات خنقه” 12، فتضيع الجهود في فوضى ردود الفعل الموقوتة وتتشتت على سطح الأحداث، وتزيغ بالحركة عن وجهتها ومسارها…

فسؤال منهاج العمل بالنسبة إليه أشد القضايا إلحاحا وراهنية ليسلم المشروع الإسلامي من الاضطرابات الفكرية والتخبط التربوي والغموض الحركي، وليحسن الإبحار في بحار الفتنة المتلاطمة الأمواج، ويتضح المسار في دهاليز الواقع المعقد المأزوم، فـــــ” وضوح المنهاج لدينا وتعديله وإغناءه ضرورة عملية لكيلا نسير بالارتجال وفي الغموض.. .” 13، وعلى هذا الأساس دعا رحمه الله إلى العلم قبل العمل، وإلى المشروع قبل الممارسة، فنادى “لابد من العلم المسبق قبل الشروع في العمل، وعلى وضوح الرؤية وتكاملها يتوقف نجاح كل مشروع، سيما إن كان مشروع تغيير أمة من تخلف حضاري وفكري وخلقي وعسكري إلى قوة وتماسك. من تيه إلى رشاد…” 14، وقال “نريد أن نعرف نحن إلى أين نسير، وما هي العقبات وكيف نسير، ونريد أن يفهم الناس جميعا أهدافنا وأساليبنا وأخلاقنا سيما والحرب الإعلامية تبرر الاضطهاد الموجه إلينا.” 15

طالع أيضا  د. بويبري: التطبيع قرار استراتيجي اتخذه المخزن ولن يتراجع عنه.. والتحايل على التضامن "مسرحية حامضة"

ولكنه وجد سوء فهم للقضية وغياب الإحساس بالأزمة التي يعاني منها العمل الإسلامي جراء غياب منهاج عمل، كما وجد تقليدا جامدا لما أنتجه مفكرون إسلاميون دون نقد أو فحص، واستنساخا لما أثلته حركات إسلامية هنا وهناك من اجتهادات وتصورات دون مساءلة أو مراجعة أو وعي بالظروف والواقع والسياقات التي تشكلت فيها. وأذكر مما حكاه رحمه الله في هذا الصدد في زيارة خاصة، أن أحد الحاضرين في إحدى لقاءات التي كانت تعقد بنية توحيد العمل، علق على إلحاحه على ضرورة صياغة منهاج للعمل قبل الشروع فيه، بقوله: “مسألة التصور بسيطة جدا، وتكفيني ليلة واحدة لأعد منهاجا للعمل”، وتعجب رحمه الله من هذه الإجابة؛ منهاج يُنظر لعودة الأمة إلى دينها وعزتها وحياتها يُعد في ليلة واحدة!!!

لم يثنه رحمه الله سوء الفهم هذا ولا عدم التجاوب مع تصوره العملي وخفوت الاستجابة لمبادرته عن الاستمرار في مساعيه، بل واصل رحمه الله توضيح مقاله وإجلاء الغموض عن هذه المسألة بما ينشره في مجلة الجماعة، بدء بطرح أسئلة المنهاج في العدد الثاني للمجلة 16 من قبيل ما معنى الإنسان؟ وما مصيره؟ أي مجتمع؟ أية أفكار؟ من يبدأ الخطوة الأولى نحو بعث الإسلام؟ ثم ما العمل وما أسلوبه وما غايته؟ أية وسائل…؟ ثم بتحديد المفاهيم الكبرى وضبط التصورات الأساسية، عبر مقالات نذكر منها على سبيل الإشارة والمثال: “عنوان لعملنا” (العدد الأول)، “دعوة إلى الله” (العدد الثاني)،”الدعوة والدولة” و”القومة الإسلامية” (العدد الثالث)،”العقل والنقل والإرادة أو أزمة منهاج” (العدد الرابع والعدد الخامس)، “فقه التجديد” (العدد الخامس)، “الجهاد” (العدد السادس).

وفي سنة 1981 أعلن الإمام رحمه الله في افتتاحية العدد السابع للمجلة تأسيس حركة إسلامية حملت اسم »أسرة الجماعة«، يقول رحمه الله: “بعد أن أطللنا على الساحة ثم جلونا غوامضها وخاطبنا عوالمها ننزل إلى أرض العمل إن شاء الله… فإن كنا هنا نعلن أن »أسرة الجماعة« مشروع عمل ميداني تربوي فما نفعل إلا استجابة للدواعي المرحلية، كان انفتاحنا فضفاضا ودعوتنا للخير عائمة في نظر بعض المؤمنين. سيما ولقاؤنا ببعض الأشخاص المنتمين للإسلام وحوارنا مع بعض الشخصيات السياسية الخاص والعام جعلنا محل الاتهام بالتساهل في دين الله وعدم إحكام أسلوب الدعوة.” 17

طالع أيضا  ذ. مضماض: سنترافع من أجل إسقاط التطبيع وسن قانون يجرم كافة أشكاله (حوار)

ونشر في نفس العدد مقالا بعنوان “المنهاج النبوي”، وضح فيه ما يعنيه بالمنهاج: “أما المنهاج فهو طريقة العمل. من أين نبدأ وكيف؟ كيف نستعمل الوسائل لبلوغ الأهداف والغاية؟” 18، وعرض بعض المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها التصور المنهاجي، كاقتحام العقبة، وشعب الإيمان، والخصال العشر…

وخصص الأعداد الثامن والتاسع والعاشر لعرض تصوره لمنهاج العمل تحت عنوان “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا” تناول فيه “كليات التربية، وكليات الجهاد، بما في ذلك تنظيم الجماعة المتحزبة لله بما يضمن إحياء رجال ونساء، وإحياء أمة، وتحريك الكل على المنهاج النبوي -على الطريق الصاعد عبر العقبة- المؤدي للخلافة الإسلامية بالنسبة للأمة ولرضى الله في الميمنة بالنسبة لكل مؤمن ومؤمنة” 19، واتخذ وإخوانه هذا التصور أساسا للعمل وبناء صرح جماعة العدل والإحسان.


[1] تعود نشأة الحركة الإسلامية بالمغرب إلى أواخر عقد الستينات من القرن الماضي.
[2] مما يفيد في هذا الموضوع رسالة طالب اكتوى بنار السرية والعنف وما ترتب عنهما من فتن وتشرذم، نشرت في العدد الثالث للمجلة في “باب الطلبة” تحت عنوان “أين نضع أقدامنا ؟”، ص105.
[3] مجلة الجماعة، العدد الأول، ص20، سنة 1399 هجرية الموافقة لـ 1979 ميلادية.
[4] نفس المصدر، ص67-68.
[5] مجلة الجماعة، العدد الرابع، ص17-19 بتصرف، سنة 1400 هجرية الموافقة لسنة 1980 ميلادية
[6] مجلة الجماعة، العدد الثامن، ص3، فاتح شعبان سنة 1401 هجرية الموافقة لسنة 1981 ميلادية
[7] نفس المصدر ص3-4.
[8] مجلة الجماعة، العدد الأولى، ص56، سنة 1399 هجرية الموافقة لـــ 1979 ميلادية.
[9] نفس المصدر، ص57.
[10] نفس المصدر، ص58.
[11] نفس المصدر، ص58.
[12] مجلة الجماعة، العدد الثامن، ص84، سنة 1401 هجرية موافقة لــ 1981 ميلادية.
[13] نفس المصدر، ص2
[14] مجلة الجماعة، العدد السابع، ص 10، سنة 1401 موافق 1981
[15] مجلة الجماعة، العدد الثامن، ص2، سنة 1401 هجرية موافقة لــ 1981 ميلادية.
[16] مجلة الجماعة، العدد الثاني، ص11-50، سنة 1399 هجرية الموافقة لـــ 1979 ميلادية.
[17] مجلة الجماعة، العدد السابع، ص7-8، سنة 1401 هجرية موافق 1981 ميلادية.
[18] نفس المصدر، ص 11.
[19] مجلة الجماعة، العدد الثامن، ص16، سنة 1401 هجرية موافق 1981 ميلادية.