1.     اليهودية دين أم عرق

يدعي الصهاينة ادعاء شاذا؛ هو أن اليهودية ليست مجرد ديانة بل هي قومية عرقية ترجع إلى النبي يعقوب (إسرائيل)، وأنهم قوم وعرق، وبالتالي فإن فلسطين هي أرض أجدادهم بني إسرائيل. وهو أمر لا يستقيم مع العقل ولا مع مجريات تاريخية مرت عليها عشرات القرون، انقرضت خلالها أمم وقوميات، وامتزجت فيها أعراق مع أخرى.

قوم بني إسرائيل (عرق) ينحدرون من العبرانيين سلالة نبي الله إسرائيل وهو يعقوب ابن إسحاق حفيد نبي الله إبراهيم عليه السلام. أما اليهودية فواحدة من الديانات السماوية الثلاث المنتشرة حول العالم، جاء بها نبي الله موسى عليه السلام، ودخل فيها خلق كثير من غير سلالة بني إسرائيل من مصر والعراق والشام وشبه الجزيرة العربية ووصلت في عهد سليمان حتى شمال إفريقيا واليمن. فآمنت بموسى زوجة فرعون وماشطة بناته، وتزوج من مدين ابنة النبي شعيب، وأسلمت مع النبي سليمان ملكة سبأ وقومها اليمنيون، وأصبحوا يهودا مع أنهم من حيث الأصل العرقي عربا ً أو يمنيون وﻻ علاقة عرقية وقومية لهم ببني إسرائيل كسلالة قبلية.

فالشاهد أن اليهودية – كما المسيحية والإسلام – ديانة توحيدية وليست عرق، وكما أن الإسلام ليس مخصوصا بالعرب وإن بعث فيهم، فإن اليهودية ليست لبني إسرائيل وحدهم وإن كانوا هم الأصل فيها، فقد دخلت في اليهودية كديانة شعوب وأعراق كثيرة، تماما ً كما دخل في الإسلام كديانة شعوب وأعراق كثيرة من مختلف قارات العالم. فهل يصبح هؤﻻء عربا ً لمجرد اعتناقهم الإسلام وإقامة شعائرهم بالعربية، وهل يحق لهم أن يزعموا أن أرض الجزيرة العربية ومكة والمدينة هي أرضهم وأرض أجدادهم، هل المسلمون الماليزيون والأفغان والبرازيليون والأمريكيون والأفارقة هم عرب لمجرد أنهم مسلمون؟ وهل يحق للمسيحيين الغربيين أن يزعموا أن فلسطين أرضهم لمجرد أن المسيح عيسى ولد في فلسطين؟

طالع أيضا  ذ. بناجح: قُدوم مدٍّ جديد لموجات كنس الاستبداد مسألة حتمية

وكما لم يكن بنو إسرائيل وحدهم من آمن بالحنيفية زمن إبراهيم واليهودية زمن موسى وداوود وسليمان، فقد آمن بالمسيحية زمن المسيح عيسى عليه السلام من كل القبائل الفلسطينية بما فيها القبائل المنحدرة من بني إسرائيل، الأمر نفسه سيتكرر مع مجيء الإسلام، لأن الدين عقيدة وفكرة، والفكرة لا يمكن أن تصٌدّها حدود الانتماء القومي القبلي.

2.     الحق اليهودي في فلسطين

قلنا في الجزء السابق من هذا المقال إن بني إسرائيل رغم قدومهم غرباء على أرض الكنعانيين في الزمن القديم، فقد استطاعوا أن يحكموا جزءا مهما منها بشكل متواصل لمدة 100 سنة تقريبا، ووصلت مملكتهم ذروة قوتها مع الملكين النبيين داوود وابنه سليمان عليهما السلام. هذه حقيقة تاريخية، نعم. لكن هل هذا يعني أن لليهود المنتشرين عبر العالم اليوم حق في امتلاك أرض فلسطين فقط لأن اليهود حكموا جزءا من أرض فلسطين لفترة من الزمن قبل ثلاثة آلاف سنة؟ وهل يهود روسيا مثلا، هم بالضرورة أحفاد بني إسرائيل الذين استقروا في فلسطين قديما؟ وقبل كل هذا، من هو اليهودي؟ وعلى أي أساس يدعي اليهود/بنو إسرائيل الحق في فلسطين.

استناداً إلى القانون اليهودي الديني (هالاخا)، فإن اليهودي هو الشخص الذي وُلد من أم يهودية أو الذي اعتنق اليهودية، وهو نفس التعريف الذي سيتبناه الصهاينة في قانون “العودة” عام 1950، إلا أن تعديل القانون عام 1970 بدواعي سياسية من أجل تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين، سيعطي لمعنى اليهودي معنى أعم ليشمل كل “طفل وحفيد اليهودي، والزوج من يهودي، والزوج لطفل يهودي والزوج من حفيد لليهودي”.

فاليهودي بالنسبة للصهاينة يستند إلى أساس ديني حينا، وإلى أساس إثني قومي حينا آخر، ويرضخ دائما لدواعي المصلحة الصهيونية. فهو يمنح حق استيطان الأرض الفلسطينية حتى للأمريكي المعتنق لليهودية حديثا، ويستثني كل من لا يؤمن بالمشروع الصهيوني حتى إن ثبت أنه من بني إسرائيل وغيّر دينه.

طالع أيضا  د. بهادي: الأمة بحاجة لمن يحررها (فيديو)

وبنو إسرائيل كما ذكرنا سابقا تركوا أقوامهم في أور بالعراق، وقلة قليلة منهم هاجرت مع نبيّي الله إبراهيم ولوط عليهما السلام، ثم افترق لوط عن إبراهيم واستقر في سوريا اليوم، وإبراهيم كان له ولدان، إسماعيل استقر بمكة في الجزيرة العربية وإسحاق استقر بفلسطين. أما يعقوب ابن إسحاق عليهما السلام فقد استقر لفترة بفلسطين ثم هاجر إلى مصر ليلحق بابنه يوسف، ويوسف ترعرع منذ صباه في مصر وتزوج مصرية وخلف نسله هناك. فهل يجب أن نفرغ اليوم العراق وسوريا وشبه الجزيرة العربية كلها ومصر وكل بلد استقرت به جماعة من بني إسرائيل للصهاينة استنادا إلى الحق التاريخي الذي يدعيه اليهود؟

 لذاك، وبسبب البعد الزمني الهائل عن حكم بني إسرائيل لفلسطين قديما، فإن دولة الكيان الصهيوني الحديثة لا تملك أي حق تاريخي في فلسطين، علما أن هناك ثمانية عشر قرنا تفصل بين القرن العشرين وآخر الجماعات اليهودية المتمردة. أما بين القرن العشرين وعهد سليمان، العهد الإسرائيلي الذهبي، فتسعة وعشرون قرنا. وإن دلت هذه الفروق الزمنية الهائلة على الاستحالة المنطقية على إعادة الدولة، فالقوانين الدولية الحديثة، والمستقاة أصلا من المنطق التاريخي والإنساني، لا وجود فيها لمبدأ “الحق التاريخي”.

وحتى إذا سلمنا أن يهود القرن 20 هم من عرق بني إسرائيل، فإن الحق التاريخي مستحيل واقعيا، ولا يمكن إعادة تقسيم الدول على الكرة الأرضية بناء على التاريخ الغابر، ولو صح ذلك، لكان في الإمكان عودة الحكم العربي لإسبانيا، وعودة الحكم الإسباني لأمريكا اللاتينية، والحكم البريطاني للولايات المتحدة وكندا، وكذلك عودة الحكم التركي على كل أوروبا الشرقية…

بالإضافة إلى الاستحالة الواقعية والسياسية، فإن مبدأ الحق التاريخي نفسه لا وجود له في المبادئ السياسية الحديثة، ولم يكن له أي شأن في تاريخ نشأة الدول. وحتى لو افترضنا أن هذا المبدأ قائم، وتناولنا الفرضية الصهيونية نفسها، فالشعب الفلسطيني لا الإسرائيلي يصبح صاحب الحق الأقوى، بل الأوحد، في أرض فلسطين. والفلسطينيون هم أصحاب الأرض وسادتها منذ آلاف السنين إلى حدود قيام الدولة الصهيونية في منتصف القرن العشرين. هم أصحاب الحق التاريخي الذي لم ينقطع يوما، ولا بالتآمر الصهيوني الحديث وسياسة التهجير والإبادة الجماعية.

طالع أيضا  في خطوة تطبيعية أخرى.. وسائل إعلام: فتح خطوط جوية بين مدن مغربية و"تل أبيب" ماي المقبل

إن الفلسطينيين بمختلف دياناتهم، هم ورثة كل التاريخ الفلسطيني، بما في ذلك تاريخ الحكم الإسرائيلي قديما، وبنو إسرائيل قوم النبي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ذابوا في الشعب الأصلي وصاروا جزءا لا يتجزأ منه، أسلم منهم من أسلم، وظل على ديانته من ظل، لكن غير الفلسطيني لا حق لأحد في أرض فلسطين، إلا حق أصحاب الديانات الثلاث في الحج إلى مقدساتهم كحج مسلمي العالم إلى مكة والمدينة دون أن يعني ذلك حقهم في امتلاكها على حساب السكان المحليين.