اعتبر “المركز المغربي للأبحاث وتحلیل السیاسات “أن “تبعیة القرار التربوي للقرار السیاسي” يعد أحد أعطاب المنظومة التربویة المغربية والمعيق لبعدها التنموي.

وأوضحت دراسة للباحث في قضايا التربية والتعليم وعضو المركز الدكتور مصطفى شٌكٌري، التي أصدرها المركز قبل أقل من أسبوعين؛ أن الدولة تلعب أدوارا تحكمیة برسمھا للخطوط العامة للسیاسة التربویة من جهة، ومن جهة أخرى بالتدخل في توجیه ھذه السیاسة عبر المجالس المعینة، ثم عبر اعتماد إجراءات زجریة ضد الأطر التربویة.

ومن ذلك، يرى صاحب الدراسة أن المجلس الأعلى للتربية والتكوين تحول إلى مؤسسة تقريرية تفتي في المجال التعليمي عوض التركيز على وظائفه الدستورية، بل وأصبحت تقاريره وتقريراته من المرجعيات المؤسسة أيضا.

وھو ما یجعل من ھذا القطاع -يقول شكري- “مجالا للتحكم في مدخلاته ومخرجاته”، مضيفا أن “الإصلاحات التي أنجزت تجعل من تاریخ التعلیم بالمغرب تاریخا للإصلاحات المتحكم فیھا”.

الدراسة التي جاءت بعنوان “المنظومة التربوية المغربية في سنة 2019: أي إسهام في التنمية في ظل الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار؟”، رصد من خلالها الباحث بالنقد والدراسة، أهم المستجدات التي طبعت مسار المنظومة التربوية لسنة 2019 ومخرجاتها المحققة.

وضع تربوي مترد نتاج أزمة اجتماعية خانقة

انطلق الباحث في هذه الدراسة من الأزمة الاجتماعية الناتجة عن الوضع الصعب للاقتصاد المغربي وانعكاسها على سيرورة المنظومة التربوية، من خلال إجراءات مثل استمرار التعاقد، وضرب المجانية والمس بالحريات النقابية، وتغيير أنظمة التشغيل والحماية الاجتماعية.

كما انطلقت الدراسة من مسلمة “فشل النموذج التنموي” الذي أصبح عنوانا بارزا ومحاولة تجاوزه “دون إعمال ما لمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى اعتماد النسخة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، وبعد ذلك تأسيس لجنة خاصة بإعداد نموذج تنموي جديد، وضع نصب عينيه “الاندماج التام في التوجه العالمي للتثاقف والتحديث، وتجاوز الفجوة الرقمية وتنمية القطاع الخاص”. وفق ما ذهب إليه الباحث.

طالع أيضا  "لجنة وطنية": الهدف من الحكم على "منجب" إخراسه والانتقام منه ودفعه للرضوخ

تعثر تنزيل الرؤية يسائل قدرتها على الإسهام في التنمية

وقفت الدراسة على تعثرات تنزيل الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، في خلاصات “تسائل مدى قدرة هذه الرؤية على تحقيق إسهام جيد في بناء النموذج التنموي الموعود في نسخته الثالثة”ّ.

هذه الخلاصات، ترصد تحليل المؤشر الوطني لتنمية التربية، الذي “سجل تقدما خجولا وإيقاعا رتيبا” لن يسعف في تحقيق الأهداف المرسومة وفق الباحث، الذي أوضح أن نسبة ما تحقق في سنة 2018 بحسب الأبعاد الثلاثة للرؤية “يصل إلى 53,5%، أي بزيادة قدرها 2,3 نقطة مقارنة مع سنة 2015، وأن أقصى ما سيتحقق في غضون سنة 2030 هي السنة الأفق للرؤية لن يتجاوز عتبة 63,5 %”.

ونبه الباحث إلى عجز يساوي %46,5 سنة 2018 في التربية بالنظر إلى الفرق بين المستوى الحالي لتنمية التربية في المغرب والمستوى الذي تطمح إليه الرؤية الاستراتيجية.

ولفتت الدراسة إلى أن الرؤية الجديدة في دعاماتها المرفوعة إنصافا وجودة وارتقاء، تكرر نغمة الفشل ذاته خاصة في جوانب يتم التعبئة لها نظرا “لخصوصيتها المالية والتزاماتها الدولية كالرفع من إسهام التعليم الخصوصي تحت ذريعة الشراكة، والتربية الدامجة والتعليم الأولي اللذين تتلقى عنهما الدولة مالا وفيرا من المنظمات الدولية”، فضلا عن الإخفاقات المتكررة على مستوى اكتساب المعارف والمهارات والرفع من جودة المردودية الداخلية وإدماج الآليات التقنية الحديثة.

معطيات رقمية صادمة

وانتقد الباحث معطيات رقمية وصفها بـ”الصادمة” وقال إن التقارير الرسمية تزين بها صفحاتها، رغم أنها تعرض للخصاص الكبير الذي يعيق المنظومة في أدائها لوظائفها، خاصة في “ضعف المكتسبات المعرفية الأساسية، وانعدام الجودة المحققة للنمو والتطور، وتفاقم هجرة الكفاءات والأدمغة (600 مهندس يغادرون كل سنة)، وتدهور مؤشر تنافسية المواهب العالمية (المرتبة 100 من أصل 125 بلدا)”، فضلا عن غياب سياسة تفعيل البحث العلمي، وتزايد حجم التفاوتات الاجتماعية، وتقاطب الأنظمة التعليمية (عمومي/ خاص).

طالع أيضا  عائلة وأصدقاء عماري يشجبون استمرار تماطل الدولة ويعلنون برنامج الذكرى العاشرة (بلاغ)

وخلص إلى أن المنظومة التربوية “عاجزة عن الاضطلاع بمهامها الأساسية”، وهو ما يؤثر على الاقتصاد الوطني في جودة الرأسمال البشري ومستوى الإنتاجية والقدرة التنافسية.

ووقف العضو المؤسس للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات عند واحدة مما وصفها بـ “الاختلالات الكبرى” المتمثلة في الانقطاع الدراسي استنادا إلى الهيئة الوطنية للتقييم، إذ إن “عدد المنقطعين بالتعليم المدرسي العمومي سنة 2018 وصل إلى 431.876 تلميذا وتلميذة دون تحصيل أي شهادة، بنسبة تصل إلى 7,4% من مجموع تلاميذ الأسلاك الثلاثة، تصل نسبة الانقطاع منها في المستويات الإشهادية سنة 2018 إلى 12,4% في السادس ابتدائي و19,3% في الثالثة إعدادي، و17,1% في الثانية باك”.

ومن الاختلالات يضيف الباحث، انقطاع 212,133 ألف تلميذ في الانتقال من الإعدادي إلى الثانوي، وتعود الأسباب في ذلك إلى قلة العرض في القرى، والتكرارات المتتالية والفقر خاصة لدى الإناث، وهو “ما يمس بجوهر مبدأ الإنصاف ويعيق الاندماج المهني والاجتماعي ويخلف الآفات المختلفة ويسقط في الانحراف والعنف والأمية، وهو ما يشكل نزيفا حقيقيا لا يمكن مواجهته إلا بالقضاء على أسبابه”.

تحديات تطوير التعليم العالي والبحث العلمي

وأشار شكٌري إلى أن “المواءمة بين القدرات التكوينية والكفايات المكتسبة وبين حاجيات الاقتصاد العصري”، من أهم معيقات الاندماج التنموي للتعليم العالي في المنظومة التربوية، خاصة في مجالات التطورات العلمية والمعرفية والاتصالية،

كما ذهب إلى أن “غياب التوازن بين الطلب والعرض” معيق آخر لا يقل أهمية، وتقف أمام تجاوزه وفق الباحث تحديات منها؛ التمويل توفيرا واستمرارية وتنويعا، والجودة، والإشكالية اللغوية، والتشغيل، والتنافس الدولي.