أصدر القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان تقريرا شاملا عن وضعية المرأة المغربية خلال سنة 2020، قام من خلاله بـ “مراجعة حصيلة ما آلت إليه أوضاع النساء في المغرب”، مستندا إلى “نزر يسير” مما تكشف عنه “أرقام بعض التقارير الرسمية أو تقارير منظمات غير حكومية”. وموضحا في الوقت نفسه أن “الواقع الفعلي ينطق بما تعجز أن تبوح به وتكشفه لغة الأرقام”.

وأوضح القطاع في تقريره، أن ارتفاع منسوب البطالة، وتفاقم معدلات الأمية والفقر، والتردي الحقوقي، والاستغلال البشع لأوضاع النساء… كلُّها – وغيرها – “صور تكشف بشكل صريح حجم الاختلالات الناتجة عن غياب الإرادة الحقيقية لتصويب السياسات العمومية، بما يحسن ويرفع أوضاع المواطنين عموما والنساء بوجه خاص”.

المرأة والأمية والعنف والتفقير

وذهب التقرير إلى أن وصاية الاستبداد السياسي والفساد الاجتماعي يقدمان المرأة المغربية كل سنة “قربانا على مذبح محتكري الثروة والسلطة، لتبقى بذلك كل شعارات تنمية المرأة وتمكينها مجرد أماني تداعب مشاعر المقهورات”، مردفا أن “حاجز الأمية يقف عائقا بينها وبين وأحلامها في التحرر من الفقر والهشاشة”.

ولفت تقرير نساء العدل والإحسان إلى أن آخر تقرير للمندوبية السامية للتخطيط سنة 2019 أشار إلى أن نسبة الأمية تصل إلى 65,6 % في صفوف النساء، وإن واحدة من كل عشر فتيات في سن 7-12 هي غير متمدرسة في المناطق القروية، بينما 14,8 % من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 سنة هن أميات، وهي نسب يراها التقرير “عالية جدا وغير مقبولة في زمن يتحدث فيه العالم عن تعلمات أخرى ترفع من فرص الإدماج في التنمية وتضمن فرصا عادلة للتمكين”.

واعتبر التقرير أن العنف بكل أصنافه “سمة تشكل واجهة الأمراض الاجتماعية”، في حين يظل العنف ضد النساء بكل أشكاله ظاهرة تهدد استقرار المجتمع، وتنسف رهانات التنمية. واستند التقرير إلى نتائج البحث الوطني بجزئيه الأول والثاني حول انتشار العنف ضد النساء خاصة في 2019 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط الذي عرض نتائج مثيرة، منها أن “21% من النساء و25% من الرجال يرون أنه من حق الزوج ضرب أو تعنيف زوجته في حال خروجها من البيت دون إذنه، في سياق عام يبرز فيه أنه من بين 13,4 مليون امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 و74 سنة، أزيد من 7,6 مليون تعرضن خلال الـ12 شهرا السابقة للبحث لنوع واحد من العنف على الأقل، بنسبة تمثل 57% من النساء.”

طالع أيضا  ذة. جرعود تشيد بالمشاركة المتميزة للمرأة المغربية في مسيرة الأحد التاريخية

وكشفت المندوبية السامية للتخطيط -وفق التقرير ذاته- عن إحصائيات تخص النساء في المغرب، مفادها أن “عددهن يفوق عدد الرجال، حيث قدر إلى غاية منتصف عام 2019 بحوالي 17,67 مليون، أي أكثر بقليل من نصف سكان المغرب، كما أن 49% من الساكنة المغربية دون سن 15 سنة هن نساء. كما أكدت ذات المصادر على أن 7 من أصل 10 نساء من أرباب الأسر هن أرامل أو مطلقات، وأن 65,6% منهن أميات، و75% منهن غير نشيطات” وهو ما يؤكد “مدى سوء وضعية غالبية نساء المغرب بسبب الفقر والحرمان من أدنى مستويات العيش الكريم، وحجم الكلفة الباهظة التي تدفعها المرأة المغربية بسبب غياب العدالة الاجتماعية وتغول الفساد وانعدام المحاسبة على احتكار الثروة ونهب مقدرات البلد”.

المرأة والصحة

وسلط التقرير أضواءه على “تهالك المنظومة الصحية ببلادنا التي تفتقر لاستراتيجيات واضحة وخطط وبرامج ناجعة، قادرة على النهوض بهذا المجال الحيوي والأساسي”، وبالنظر إلى أرقام الفقر الصادمة، والتي تحتل فيها النساء موقع الصدارة، يضيف التقرير “فإن الولوج إلى خدمات القطاع الخاص أضحى ترفا يتطلب إمكانات باهظة، وتظل الوجهة المحتومة هي المستشفيات العمومية الذي تعاني من نقص حاد على مستوى الطواقم الصحية والوسائل والمعدات والخدمات”.

ولم يغفل التقرير الصحة الإنجابية، حيث أكدت المندوبية السامية للتخطيط، من خلال البحث الوطني حول السكان وصحة الأسرة لسنة 2019-2020 أن 20,4% من النساء القرويات الحوامل لم يستفدن من فحوصات قبل الولادة في 2018، مقابل 4,4% فقط في المناطق الحضرية، وماتزال النساء المغربيات يعانين من وفيات الأمهات في المناطق القروية، بمعدل مرتين أكثر من المدن، “وإذا كان هذا هو الوضع السائد، فإننا ندرك حجم الكارثة التي آل إليها الوضع في ظل جائحة كورونا التي استنفذت كل الطاقات والإمكانات لمواجهتها”.

العمل في القطاع غير المهيكل وإشكال المعابر

وكشف تقرير نساء العدل والإحسان أن النساء المغربيات النشيطات يسجلن حضورا مهما بقطاع الفلاحة والغابات والصيد، بنسبة 46,9% متبوعا بقطاع الخدمات بنسبة 38,5% بعده قطاع الصناعة بنسبة 14%.، لافتا إلى أن الغالبية العظمى من النساء العاملات يشتغلن في القطاع غير المهيكل، “في ظروف عمل أبعد ما تكون عن الإنسانية، وبدون أمان وظيفي، وخارج الغطاء القانوني، ليبقى بذلك سؤال البحث عن الذات ضائعا، في مقابل سيادة سؤال البحث عن لقمة العيش فحسب، وتبقى معه اليد العاملة الرخيصة، المتمثلة في المرأة الأمية الجاهلة المفقرة، المعيلة لأسرة تنتظر نتاج كدها لتقتات، فرصة لا ينبغي أن تضيع عند أرباب اقتصاد يسيطر عليه إقطاع الشركات، مُرتهن لتحكم الرأسمال الأجنبي الذي يصنع حروبا ليضاعف أرباحه، ويشتغل بنظام الريع واحتكار الثروة من طرف المتنفذين الدائرين في فلك الاستبداد.”

طالع أيضا  خير نساء العالمين.. الأستاذ ضياء يُحدّثنا عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها (فيديو)

وانتقد التقرير قرار الدولة بإغلاق معبري سبتة ومليلية، في وقت تعالت فيه الأصوات داعية “لمقاربة عادلة تحمي هؤلاء النساء وتوفر لهن مصدرا آمنا كريما للرزق والعيش”. إغلاق جعل فئة من النساء عالقات في أرض وطن ينهكه الاستبداد، رهينات للفقر والحاجة، بينما الفئة الثانية في الجهة الأخرى من أرض الوطن المغتصب عالقات مفارقات للأهل والعوائل، مواجهات لمصير مجهول دون اكتراث ممن لهن عليه واجب الحماية.

جائحة كورونا.. أوضاع اجتماعية واقتصادية هشة زادها الوباء استفحالا وتفاقما

أفرد تقرير القطاع النسائي جزءا كبيرا لأوضاع النساء المغربيات في ظل الحالة الوبائية التي يعيشها المغرب بإمكاناته الضعيفة وبنياته المتهالكة، حيث فاقمت الجائحة من “تأزم الوضعية الهشة للنساء”، وأثر تراجع وتيرة النمو الاقتصادي على سوق الشغل بشكل حاد جدا مما أدى إلى تراجع معدل النشاط لدى النساء، خاصة وأن أكثر القطاعات المتضررة بسبب الجائحة هي التي تشغل العدد الأكبر من النساء، ولم تتوقف آثار كورونا عند الجانب الاقتصادي، بل تعدته لتطال جوانب متعددة متعلقة بالصحة وارتفاع منسوب العنف ضد المرأة والزيادة في الأعباء الملقاة على عاتقها. فالحجر الصحي وما صاحبه من صعوبات اقتصادية وضغوطات نفسية أثر بشكل متفاوت على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وأنماط سلوكهم سواء داخل الأسرة أو داخل المجتمع، يضيف التقرير.

ولفت التقرير ذاته إلى أن الإجراءات الوقائية والحملات التحسيسية عن الفيروس الفتاك المصاحبة للحجر الصحي “خلقت حالة من الرعب والتوجس خاصة عند بعض النساء اللواتي يعانين أصلا من القلق والاكتئاب. كما أدت العزلة الصحية إلى ظهور أعراض واختلالات نفسية مثل الخوف من الموت وعدم الرغبة في الحياة وفقدان الإقبال على الأنشطة التي كانت المرأة معتادة عليها قبل الحجر الصحي”.

وقال التقرير إن 35% من النساء اللواتي كن في حاجة إلى استشارة طبية لم يتمكن من الحصول عليها، كما أن 45% من اللواتي يعانين من أمراض مزمنة لم يستفدن من متابعة صحية مناسبة في حين لم تستفد 26% من النساء من متابعة حملهن بشكل سليم. هذا التباين في الولوج إلى الخدمات الصحية وفق التقرير ذاته؛ “يرجع أساسا إلى نقص في الإمكانيات المادية وخوف من العدوى بالفيروس، لكن في مرحلة متقدمة من تطور الوباء كان لإصابة الأطر الطبية والتمريضية بالفيروس أثر كبير في تعثر الخدمات الطبية أو غلق بعض المؤسسات الصحية بشكل دوري”.

طالع أيضا  الرحم الإنسانية عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

وأوضح التقرير أن الوقت الذي تخصصه النساء للأشغال المنزلية مهما كانت وضعيتهن الاجتماعية والمهنية تضاعف. فضلا عن تواجد جميع أفراد الأسرة في المكان نفسه لوقت طويل، ساهما “في خلق حالة من الاضطراب والضغط الذي ولد أحيانا بعض الاحتكاك والتوتر، ليتحول في أحيان أخرى إلى مواجهة وصدام”، ضف إلى ذلك تعليق الدراسة واعتماد نمط التعليم عن بعد، الذي ساهم في مضاعفة الوقت المخصص من طرف الأمهات لرعاية الأطفال ومتابعة دراستهم أربع مرات عن الوقت المعتاد، وهو ما يشكل عبئا مضافا على كاهل النساء.

ووقف التقرير على حجم الضرر الذي طال قطاعات متعددة وفي مقدمتها قطاع التصنيع وقطاع الخدمات. وهما القطاعان اللذان يشغلان نسبة مهمة من النساء “مما سيجعل المرأة من أكثر المتضررين من تداعيات الجائحة، وبالتالي ستجد نفسها بين خيارين، إما أن تخسر وظيفتها، أو تقبل بظروف عمل قد تكون مجحفة لحقوقها”.

وتطرق للصور المتعددة من الاستغلال “غير المشروع للنساء في قطاع الزراعة سواء في الضيعات الفلاحية أو وحدات التلفيف أو الوحدات الصناعية لتحويل بعض المنتجات الفلاحية” التي تشكل واحدة من هذه الصور. “ناهيك عن أن عددا من النساء يعملن في ظروف جد قاسية وبدون تغطية صحية أو حماية قانونية في الغالب، ومقابل أجور زهيدة لا تغطي الاحتياجات الأساسية أمام غلاء المعيشة الملتهب”.