قال ربنا سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) 1.

حينما مرّت بضع سنوات على بزوغ فجر الإسلام، وأشرقت شمس الإيمان في القلوب، وتسلّل نورها إلى بيوت المشركين فسلب منهم أبناءهم وجذب إليه عبيدهم، أحسّ النظام القرشي بالخطر، فاستدعى كلّ مؤسساته إلى مؤتمر عاجل…

وبالفعل عقد المؤتمر، واتفقوا على أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد ارتكب جرما لا يغتفر، فإما أن يسلّمه بنو عبد المطلب للقتل، وإما أن يستعدوا جميعا لتحمل التبعات، وقد أعذر من أنذر.

سخّر الله لنبيه عليه الصلاة والسلام عمّه أبا طالب –رغم عدم اسلامه- لحمايته والذود عن دعوته، فأذكى في بني هاشم وبني عبد المطلب حميّة القبليّة. فوقفوا في صفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحموه -رغم امتناع بعضهم عن الدخول في دين الله. و”إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر” 2. الفاجر تعني الكافر أو الفاسق.

“ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا عَرَفَتْ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَبَى خذْلانَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِسْلَامَهُ وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَعَدَاوَتَهُمْ، مَشَوْا إِلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ – فِيمَا بَلَغَنِي-: يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَشْعَرُهُ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ، وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، فَهُوَ لَكَ، وَأَسْلِمْ لَنَا ابْنَ أَخِيكَ -هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ، وَسفَّه أَحْلَامَهُمْ- فَنَقْتُلُهُ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ كَرَجُلٍ. فَقَالَ: وَاللهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي! أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ! هَذَا وَاللهِ مَا لا يَكُونُ أبدًا. فَقَالَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَاللهِ يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدِ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاللهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةِ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ! أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ.” 3

طالع أيضا  ذ. بناجح: الوقوف أمام ثورات الشعوب هو كبناء سور منخور في وجه السيل العرم

وهل الثرى كالثريا يا أبا طالب؟ وهل يُساوَى سيدُ الخلق بأيّ من الخلق؟

لم ير أبو طالب في ابن أخيه إلاّ دم الرحم، ودماثة الخُلق، وجمال الخلقة، ومع ذلك ردّ على قومه ذاك الردّ. فكيف لو عرف أبو طالب حقيقة ابن أخيه؟ كيف لو أدرك معناه؟ كيف لو رأى نوره وسناه؟ كيف لو عرف مقامه عند مولاه؟

فداك أبي وأمي يا رسول الله.

أعيـا الورى فَهْمُ معنــاهُ فليسَ يُرَى.. في القُرْبِ والبُعـدِ فيه غـيرُ مُنفَحِمِ

كـالشمسِ تظهَرُ للعينَيْنِ مِن بُـــــعُدٍ.. صغيرةً وتُكِـلُّ الطَّـرْفَ مِن أَمَــــمِ

وكيفَ يُــدرِكُ في الدنيــا حقيقَتــــَهُ.. قَــوْمٌ نِيَــامٌ تَسَلَّوا عنه بـالحُـــــــلُمِ

فمَبْلَغُ العِــلمِ فيه أنــه بَشَـــــــــــــــرٌ.. وأَنَّــهُ خيرُ خلْـقِ الله كُـــلِّهِــــــــــم 4

مفاوضات ومساومات، وعروض مغرية ورشاوي مغوية، وهدايا ووعود، وما شئت من مسميات الطعم المسموم الذي يبهر العين ويمزق الحلقوم…

أمام صمود رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب أمام الإغراءات، وعدم خوفهم من التهديدات، ورفض بني هاشم تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قررت قريش المرور إلى خطة خسيئة دنيئة تخالف كل أعراف وتقاليد وقيم مكة السابقة. فحبسوا المؤمنين وكل الفضلاء -الذين انضموا إليهم وآزروهم- في شعب أبي طالب، وتمت مقاطعتهم اجتماعيا واقتصاديا.

وحتى يعطوا لجرمهم هذا شرعية فقد اجتمع سادة القبائل جميعا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ وتعاقدوا وكتبوا بذلك صحيفة غاشمة، وليضفوا عليها طابع القدسية علقوها في سقف الكعبة.

كانت بداية الحصار في شهر محرم الحرام، وتمّ الحصار في البلد الحرام، وعلقت وثيقته داخل البيت الحرام، كلّ شيء جائز ما دام الذي يشرّع ويسنّ القوانين هو نفسه من يصدر الأحكام، ويملك الزمام.

استمرت هذه المقاطعة ثلاث سنوات طوال، اضطر المؤمنون ومن ساندهم من المشركين أن يأكلوا الجلود، ويقتاتوا على أوراق الشجر، وتضوع الأطفال من شدة الجوع، وبرزت منهم الضلوع، وصرخوا من الألم حتى سمع بكاؤهم، وحنّ لهم أعداؤهم.

طالع أيضا  مواقع وطنية ودولية تتفاعل مع حوار الأمين العام للعدل والإحسان مع موقع "عربي 21"

هذه المقاطعة التي استهدفت الجماعة المؤمنة كانت في حقيقتها محاولة نتنة لإبادة أصحاب الدعوة الجديدة واستئصال شأفتهم، لكن بأسلوب هادئ وبطيء…

خسّة وأي خسّة…

لكن هل نالت هذه الأساليب الوضيعة من أصحاب الدعوة شيئا؟ هل وهنوا؟ هل استكانوا؟ هل خانوا؟ هل باعوا قضيتهم؟ هل طبّعوا مع عدوهم؟

على العكس لقد عاد المحاصرون بفضل الله تعالى إلى بيوتهم ورجعوا إلى مساكنهم وهم أكثر إيمانا وصفاء ووفاء، وأشدّ عزما وثباتا ومضاء.

وبعد الحصار بثلاث سنوات، أتى الله بالفرج، وزال الضيق والحرج، وفتح الله للمؤمنين آفاق التمكين والاستخلاف، بدءا بتأسيس الدولة ونهاية بالانتصار على أقوى دولتين في العالم آنذاك…الفرس والروم.

ما أشبه اليوم بالأمس، الحصار مضروب اليوم بشكل أخبث وأقسى، والمُحاصِرون أكثر أعدادا وأشدّ قوة وبأسا، وأوسع سلطانا. إلا أنهم لا يستطيعون جمع ملايين المؤمنين في شِعْب من الشعاب…

قد يحاصرون غزة، لكنهم لا يستطيعون حصار العزّة، ولا يستطيعون حصار الأحرار من أصحاب العزّة، ولا حصار الفضلاء وذوي المروءات… ولا حصار القلوب المؤمنة الساعية حقّا وصدقا إلى موعود الله ورسوله “ثمّ تكون خلافة على منهاج النبوة” 5.

من يحاصر الدعوة الإسلامية اليوم ليس فقط الفاسدون المستبدون من بني جلدتنا وبني أوطاننا، الذين يحاصرون الدعوة اليوم هم أعداؤها الحقيقيون، هم أولئك الذين أعماهم الحقد فتحالفوا مع الشيطان وتخلوا عن إنسانيتهم وتحولوا إلى وحوش ضارية تستلذ الدماء وتستبيح أكل الجيف، وتبرر لهم الغاية أبشع الوسائل…

قد يجدون من يطبّع معهم، وقد يجدون من يبيع لهم دينه بعرض من الدنيا قليل… لكن حتما سياتي رجل من أقصى المدينة يسعى، بل سيأتي رجال كثر من أقصى العالم ومن أقصى المدن يسعون لفضح مؤامرات المجرمين والوقوف إلى صف الموحدين.

سيأتي رجال مؤمنون من آل فراعنة العالم، وسيأتي فضلاء ذوو مروءة من قريش الشرق والغرب، وسوف يتآخى جند الله ويتّحدون في صف واحد، وتحت لواء واحد، ومن أجل هدف واحد، في حين ستتحالف جحافل الظلم والاستبداد، وتتنادى جيوش الفساد والاستعباد لكن بالشكل الذي أخبرنا به ربنا سبحانه:

طالع أيضا  اتفاقيات التطبيع في ضوء قواعد القانون الدولي.. دراسة حقوقية قانونية (2/2)

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (12) لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (13) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14) 6.

كل هذا لتتحقق نبوءة الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: “لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ، فيقتلُهم المسلمون ، حتى يختبيءَ اليهوديُّ من وراءِ الحجرِ والشجرِ، فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ: يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقْتلْه. إلا الغَرْقَدَ، فإنه من شجرِ اليهودِ”[صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة]..

و يتحقق وعد الله سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)  7

وإنها لعقبة وجهاد، فإما نصر وإما استشهاد.


[1] [سورة البقرة.].
[2] [أخرجه البخاري (6606)، ومسلم (111) عن أبي هريرة].
[3] [ابن إسحاق: السير والمغازي ص152، وابن هشام: السيرة النبوية 1/266، 267، وابن سعد: الطبقات الكبرى 1/158، والطبري: تاريخ الرسل والملوك 2/326، 327، وابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/662، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/118، وابن كثير: البداية والنهاية 3/63، والصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 2/326، 327.].
[4] [من قصيدة البُردة للإمام البوصيري].
[5] [ جزء من حديث رواه الإمام أحمد، وصححه الحافظ العراقي، وكذلك صححه الألباني.].
[6] [سورة الحشر].
[7] [سورة النور].