شاهدت خلال اليومين الأخيرين بعض الفيديوهات التي تنتجها وتسوقها الدعايتان المخزنية والصهيونية، المتكاتفتان الآن بقوة أكثر مما كان. وقد تمحور موضوع هذه المرئيات حول الترحيب بالتطبيع مع الصهاينة وإظهار أن الشعب المغربي بأطيافه المختلفة فرح بالخطوة التي أقدم عليها النظام المغربي بفتح جميع أبواب البلد لأعداء الأمة هؤلاء، وأن الشعب أو على الأقل فئات عريضة تؤيدها وتدعمها وترتقب منها الخير العميم. كما تضمنت هذه الفيديوهات مقاطع يعبر فيها بعض الصهاينة عن مشاعر الغبطة والسرور بهذه الهدية المخزنية النفيسة.

واستغربت لهذا الإصرار العنيد من قبل أهل الباطل على خدمة باطلهم واستماتتهم في الترويج لما يناقض الحقيقة والواقع رغم علمهم بأن بضاعتهم بائرة وأن خطابهم الممجوج لا يسلك إلا في أذن بعض الأغرار الذين لن ينفعوهم في حربهم الاستراتيجية على الأمة ودينها ومقدساتها. فالصهاينة يدركون أن معركتهم خاسرة وأن مصيرا قاتما ينتظرهم جراء جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى ولهم من تاريخهم المئات من الشواهد التي يرعب تَذَكُّرها كبراءَهم واستراتيجيّيهم.

ويعرفون أيضا، حق المعرفة، أن الاندماج الطبيعي في العالم الإسلامي حلم بعيد المنال وأن التعويل على الأنظمة المستبدة المهترئة، المتمترسة وراء أجهزتها القمعية، في المنطقة رهان فاشل مهما قدمت لهم من فروض الطاعة والولاء. ويعلم هؤلاء أيضا أن مستوى الوعي بغاياتهم واستراتيجيتهم بلغ درجة عالية وأن درجة اليقظة وسط الشعوب المسلمة في تنامي وتزايد وأن منسوب العداء لهم ولمشاريعهم التخريبية بلغ مدىً متعاظما. لكن هذا الإدراك من قبل أعداء الأمة لكل هذه الحقائق لا يوقف عجلة سيرهم ولا يردع إصرارهم على الترويج للباطل الذي ينافحون عنه بكل قوتهم. وهذا موطن العجب، فمن أين يأتي أهل الباطل بكل هذا الإصرار؟ لم يَقِلُّ هذا التفاني في خدمة المشروع عند كثير من أهل الحق؟

طالع أيضا  ذ. الجوري: الامتحانات الإشهادية على الأبواب ولا زال الغموض سيد الموقف

إذا كانت الحوافز التي تحرك أهل الباطل تتلخص في المنافع والمغريات التي يُحصّلونها جراء تحقق مشاريعهم، فإن دوافع أهل الحق أعظم وأنبل. فما يدفع أهل الحق لنصرته هو محبتهم له وحرصهم على خدمته والتعلق بقيمه وفي مقدمتها العدل والحرية ونشدان السعادة للبشرية، وشتان بين دوافع هؤلاء وحوافز أولئك. لكن مع ذلك قد تجد تفاوتا في درجة حرص كل فريق على ما عنده من بضاعة يروّج لها.

وفي واقعنا الحالي يعاني أهل الحق من تقاعس كثير ممّن ينتسبون إليهم عن التعلّق العملي والصادق بما يؤمنون به ويدافعون عنه ومن غلبة الوهن عليهم ومراعاة كثير من الحسابات الدنيوية، وفي المقابل نلمس جليا عنجهية وإصرارا من قبل أهل الباطل على المجاهرة بمناكرهم وخدمتهم لها بكل تفان وإخلاص. ولعل مربط الفرس في هذه القضية هو الولاء، ذلك أنه حين يصحَّ ولاء أهل الحق لما يؤمنون به وينافحون عنه ويقوى ارتباطهم به، فإن هذا الولاء يتحول إلى قوة لا تقهر وإلى إرادة تنحت أصلب الصخور وتتعالى على أشد المغريات وتستصغر أعظم المخاطر خدمة للحق وحرصا على إعلائه.

فالسر إذن في الولاء والوعي بأهميته. لكن ترسيخ الولاء للحق تقف دونه موانع وعقبات نفسية وفكرية ذاتية وواقعية موضوعية. لأجل ذلك يتوقف تحقيق تعميق هذا الارتباط على تربية عميقة وشاملة وعملية ودائمة تعيد صياغة الشخصية البشرية وتحرر إرادتها من عوامل ضعفها وأسباب وهنها وتمدّها بعناصر القوة والصلابة التي تؤهلها لتكون في صف أهل الحق المقتحمين لِلُجَجِ الباطل حتى يصير زهوقا. ومما يساعد في هذه التربية أخذ العبرة من أصحاب الدعوات الباطلة والمشاريع الكاسدة كيف يصرّون على باطلهم ويبذلون في سبيل تثبيته الغالي والنفيس ويسترخصون كل شيء لتحقيقه وإقامة صرحه. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، صدق الله العظيم.

طالع أيضا  عدوان الاحتلال يستمر في غزة وكامل تراب فلسطين وسط انتفاضة شبابية عارمة