بقلم: د. رضوان الرقبي

أي أدب لأي إنسان؟

في الساحة الأدبية المعاصرة ضجيج متعال من الخطابات عن الإنسان والإنسانية، وحقوقه الكونية وما شابه ذلك من الشعارات التي تبين زيف ما يرفع، في الوقت الذي نرى فيه الإنسانية تهدر حقوقها وكرامتها، ولعل أهم حق حرمت منه الإنسانية الحق في معرفة خالقها. ينطلق الإمام رحمه الله من مسلمة أن الإنسان بما هو مخلوق فطري متصل بخالقه بالأصالة، باعتباره كائنا متدينا بالفطرة، حسب تعبير ديبورا كيليمين، فأدبه ينبغي له ألا يخرج عن هذا النسق الفطري العام، بحيث لا يكون العقل هو وحده القائد له في سيرورته الوجودية، بل لا بد أن تصحبه رحمة القلب، وإلا سقط في الدوابية، فحاجة الأدب لرحمة القلب وسلامته وصفائه ضرورية وملحة، لأن العقل والفكر في النهاية لا قيمة لهما من دون قلب يوجههما ليرتبطا بالفطرة. فمنطق الأدب والفن عند الإمام ياسين، مناقض ومخالف لما تتبناه الحداثة الغربية، فهو ينطلق مما تفرضه رؤية الإسلام إلى الإنسان، في “أن يكون لهذا الأخير مهمة وواجب، مناقضان تماما لما تحدده له النظرة الحداثية” 1.

الأدب في نظرية المنهاج النبوي يتوقف فهمه بشكل دقيق على فهم نسقه الفكري والمرجعي الذي يشكل فيه الإنسان محور الزاوية، بأبعاده الثلاثة، سواء كان فردا أم جماعة، وهي زوايا ثلاث منسجمة ومترابطة، زاوية العبودية وزاوية التسخير وزاوية الاستعمار والاستخلاف. وبهذا فلا يمكن فهم معنى الأدب عند الإمام ما لم تكن لنا معرفة بموقع الإنسان في فكره وأدبياته. إن الكائن الإنساني كما يقدمه المنهاج النبوي، هو “الكائن المؤمن المثبت بصره على مصيره الأخروي المنشغل بالترقي في مقامات الإحسان عبر العمل الصالح” 2.

ميز الإمام رحمه الله في مفهومه للأدب والفن بين نوعين من الإنسان / المبدع:

1-    المبدع المؤمن: هو المجاهد بكلمته وفنه، الحامل لرسالة القرآن، “والمبلغ ببلاغ القرآن، ولغة القرآن وبيان النبوة بشارة أن الإنسان مخلوق لغاية” 3. هو المبدع الذي لا ينكشف عن الصف، وهو المجاهد القادر على بعث الإرادة الجهادية في الآخرين بفنه القوي الذي يستمده من المشكاة النورانية، فالمبدع المؤمن هو جندي من جند الله الحاملين لواء الحق، الساعي إلى الإسهام في تغيير واقع أمته بفنه وأدبه، وانتشالها من واقع الذل إلى العزة والكرامة، إنه المؤمن الشاهد بالقسط.

 والمبدع المؤمن في سيرورته الإبداعية، الحامل للكلمة الطيبة الهادفة المتزينة بزينة الله، ينبغي له الانفتاح على وسائل عصره، فيتلطف “بوسائل العصر وأشكاله من الألبسة المقبولة شرعا” 4.

فإذا كان القرآن الكريم قد وظف الكلمة الجميلة الطيبة البليغة المعبرة في الدعوة إلى الإسلام، فمن الأجدر على المبدع الحامل لرسالة القرآن، أن يقتدي بهذا التوظيف، ويستثمر الكلمة البليغة المؤثرة في الأدب، كي يحقق الخيرية المنوطة بالأمة، مستفيدا من كل ما حوله من فكر وثقافة وأدوات تعبير، ما دامت مقبولة ولا تنافي قناعاته الفكرية والتصورية والعقدية، وما دامت تعينه على جلاء التصور الإسلامي للكون والحياة، وفق رؤية منهاجية نبوية واضحة ومسؤولة.

طالع أيضا  البارحة: رأيت عجبا

 فهذا هو الأدب الإسلامي الذي يسهم أبناؤه بتجاربهم في رصد متغيرات الحياة حولهم، مرهصين بكبرى التحولات الحضارية في تاريخ الأمة والعالم، تلك التحولات التي تتخذ من قيم الإسلام ومبادئه مصابيح لينتشر ضوؤه على البشرية، وتصيب “المناخ الطيب في الأجيال الغضة الفطرة، القابلة لسماع السؤال وقراءة السؤال والإجابة عن السؤال: ما أنت وما معناك وما مصيرك؟ ما فعلت بعمرك؟ ما الحياة وما الموت؟” 5 فالمبدع في نظر الإمام ياسين منخرط ضمن مشروع اقتحامي مؤسس على الخصال العشر، باعتبارها المضمون القرآني النبوي لمنهاج الاقتحام، “فالخصال العشر هي أيضا مقولات معنوية منسجمة وفق تصور منهاجي يبسط أمام الإنسان/المبدع المؤمن سبيل تحقيق العبودية من خلال مسارين غير منفصلين يحققان الإبداع، مسار الترقي في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، ومسار بناء الأمة6. ولذلك فالأديب المؤمن المقتحم باعتباره فردا، لا ينفصل سيره عن الجماعة في إطار سياق التحرر المطلوب، فهو مطالب بأن يسخر فنه لأنه في جهاد، “جهاد كلمة في جهاد تربية، مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن منعة العافية في شرايين أجيال السلامة والإسلام” 7.

وإذا كان المبدع المؤمن جزءا لا يتجزأ من هذا المشروع الاقتحامي التجديدي، فإنه مطالب بتربية إيمانية إحسانية، تؤطر فنه وتوجهه لخدمة المشروع العام، وهو الدعوة إلى الله عز وجل، حتى لا تزل قدمه ويغوى غواية افتتان بآداب العصر، وينسلخ عن هويته وينسى غايته، وهذا ما يحتم عليه التحلي والتخلق في سيره الإبداعي، وفي محطات سلوكه وعروجه الأخلاقي الإيماني “بأخلاق البذل وفضائل العلم، وعزائم العمل، وتميز السمت، وثبات التؤدة، وصبر الاقتصاد، والاستعداد الدائم للجهاد في سبيل الله.” 8 هي خصال عشر تؤطر سير المبدع وتوجهه، فالأدب “إن ادعى إسلامية واكتفى بالحوم المحتشم حول حقائق الدين مخافة أن يقع فيها فيفقد أهليته لصفة الأدب، فإنما هو مكر مفر في غير عَجاج، وماء غدير آسن ملح أجاج…” 9.

2-    المبدع الدوابي: يتحدث الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، عما يسميه بالآداب الدوابية، وهي الآداب التي قصرت عن الوفاء بحق رسالة الآداب الحقيقية الموصولة بالشفاء القرآني، وقصرت عن الوفاء بحق الإنسان في معرفة حقيقته وماله، فأكثرت من تغذية الفجور والفتنة والقلق، “تعلم أن الإنسان خزان غرائز ومعدن شهوات، وشبكة نوابض وآلة عجيبة للذة واقتناصها، تعلم الدهرية الشهوانية أن الإنسان دابة لها ذاكرة وواعية ومحمول وراثي كما يحمل الحمار أسفارا.” 10 ولذلك فهذه الآداب الدهرية الدوابية الشهوانية، حاولت من خلال الجهد البشري المحدود أن تفهم الكون كله وأسراره، رافضة علم الغيب والنبوة والتوحيد الصافي، فزادها كل ذلك تناقضا واضطرابا وعجزا لا يغني عنه زخرف القول وبعض الصور الإنسانية المبثوثة الصلة عن البلاغ القرآني. فهي آداب “دهرية متأنقة ردمت في أصحابها أفعال التربية المدجنة المبرمجة منجم الفطرة” 11.

طالع أيضا  آلاف أساتذة التعاقد يحتجون مجددا.. والسلطات تعنفهم في العديد من المدن (صور)

قد يعتقد البعض مما أسلفناه أن الأدب الإسلامي هو الأدب الذي يذكر الله في كل بيت من الشعر أو كل سطر في الرواية أو غيرها من الآداب الأخرى، ذكرا خاليا من الجمالية ومن العناصر الفنية. أو هو آداب المواعظ وغيرها.. إن الأدب الإسلامي يجب أولا أن يستوفي شروطه الفنية، ليرتقي من مستوى الحديث المباشر العادي إلى مستوى الأدبية، أي يجب أولا أن يكون أدبا، ثم ينظر بعد ذلك إلى رسالته ومضامينه وغاياته. أهو أدب موصول بالشفاء القرآني، أم آداب دهرية شهوانية دوابية؟

الأدب الإسلامي وسؤال المعنى:

يؤكد الإمام رحمه الله أن الأدب حين يخلو من المعنى، يكون بلا قيمة إنسانية، بل وينحط ليكون مرادفا لمفهوم الدوابية، فهو ينظر إلى الأديب باعتباره حاملا لرسالة الإسلام، رسالة القرآن، فلا “خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها، يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه، غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال.12.

المعنى في فكر الإمام رحمه الله يبدأ من الغاية التي تحوم حولها كل كتاباته وتنظيراته، لفهم قضية الإنسان الأولى، وهي الحق في معرفة الله، وهو أحد الانشغالات التي شغلت الرجل طوال حياته وانكب عليها، من أجل رفع الحجب وإزالة العوائق لبسط الطريق أمام الإنسان لمعرفة ربه، يقول “حق الإنسان في التحرر من كل هذا الذي يصرفه عن ربه، يلهيه عن مصيره إليه في دار البقاء، هو مجمع حقوقه في الإسلام ومدارها.” 13وبهذا المعنى يكون الأدب من الوسائل التي تسهم في فهم هذا الحق المركزي للإنسان، فلا خير في هذا الأدب إذا لم “يصمد إلى اللب إلى الكلمة الصادقة إلى النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، نبا الميعاد وخبر الآخرة وما بعد الموت، يصمد إلى اللب والمعنى ليخاطب الإنسان الشقي في فقره المادي المشغول بهم المعاش، وليخاطب الإنسان المتخم الشقي بتخمته في مجتمع الاستهلاك الذي يلهب جوعة الحيوان الإنساني إلى المزيد من وسائل الترف، ويعطش غرائزه بالإعلام الفاضح والإشهار الرازح إلى المزيد من المتعة والتهتك والدعارة.“ّ 14.

طالع أيضا  عدوان الاحتلال يستمر في غزة وكامل تراب فلسطين وسط انتفاضة شبابية عارمة

من مقاصد الأدب عند الإمام رحمه الله هو أن يسعى ليكون له معنى، بأن يتأسس على مبادئ تصون كرامة الإنسان وتحفظ إنسانيته لتسمو به إلى الغايتين، الغاية العدلية: المحكومة بهم الدنيا بتحصيل الكرامة الإنسانية التي ترفض الجور والظلم. والغاية الإحسانية: المحكومة بهم الآخرة بتحصيل الفوز بمعرفة الله، بعيدا عن دركات الحياة ومباهجها الفاتنة الماجنة التي تكون حائلا بينه وبين معرفة ربه، ولذلك يقر على أن نعت الأدب بالإسلامية لا يتحقق إن “لم يكن على تبليغ رسالة القرآن أمينا وببيان النبوة مبينا” 15.

ينطلق الإمام عبد السلام ياسين في نظرته للأدب من منطلق مخالف لما تتبناه الحداثة الغربية والعربية، التي باتت أكثر نزوعا إلى فصل الأخلاق والدين واليوم الآخر عن الأدب، وهذا ما يجعلنا نؤكد محوريةَ الغاية الإحسانية في فهم الإمام للأدب ورسالته وغاياته، فالأدب “تربية تبلغ عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أدب يربي ويؤدب ببلاغة ورقة وجمال16. ولما كان الأدب تربية إيمانية إحسانية، فهي “تبتدئ بصحبة في جماعة وتأخذ إلى الجهاد في سبيل الله” 17. جهاد بالكلمة الطيبة المتزينة بزينة البلاغ القرآني والشفاء النبوي.


[1] الإسلام والحداثة ص.243 عبد السلام ياسين.
[2] ما وراء السياسة الموقف الأخلاقي في فكر عبد السلام ياسين ص 34 إدريس مقبول. منشورات إفريقيا الشرق الطبعة الأولى 2016.
[3] المنظومة الوعظية ص: 11.
[4] المنظومة الوعظية ص: 16-17.
[5] نفسه ص: 20.
[6] ما وراء السياسة. ص: 49.
[7] المنظومة الوعظية ص: 21.
[8] نفسه ص: 24
[9] نفسه ص: 28.
[10] نفسه ص: 19.
[11] نفسه ص: 18.
[12] المنظومة الوعظية .ص: 9.
[13] إمامة الأمة، ص 98 عبد السلام ياسين.
[14] المنظومة الوعظية: ص 10.
[15] نفسه 9.
[16] نفسه ص: 27.
[17] نفسه ص: 24.