تقديم

تبحث هذه الورقة في مفهوم قيمة “الرحم الآدمية”، التي أولاها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى عناية كبيرة في رؤيته التجديدية لإحياء فقه المنهاج النبوي، وقد بنى رحمه الله أسسه على قاعدة رصينة من القيم الإسلامية السامية، التي لا سبيل لنسقية الحياة الإنسانية دونها، باعتبارها منارات موجهة وصوى راسخة ترسم معالم الطريق إلى ذرى الغايتين؛ الإحسانية والاستخلافية.

إن القيم الأخلاقية لا مراء، هي الخيط الناظم لشتات الأمة وخارطة طريق تنظيمها ووحدتها، فقد أثل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في الموضوع، ما يعجز القلم عن تجميع ما يحمل خطابه من أبعاد قيمية، تسمو رؤيتها بسمو عنوانها الجامع لمشروع إسعاد الإنسانية، ورفع مطمحها إلى طلب حقها في سعادة الدارين.

إنسانية يلتئم رباطها بالرخاء الأخوي الذي يفرضه حق الرحم وواجبه، تلك الرحم الآدمية أو الرحم الإنسانية؛ التي تمثل الصلة الرابطة بين العباد؛ كل العباد من بني آدم.

فما هي أهم الأسس المعرفية التي بنى عليها الإمام تصوره للمفهوم؟

وما هي معالم رؤيته الاجتهادية لمختلف العلاقات الإنسانية؟

لعلي في الإجابة عن ذلك، أقابل السؤال بالسؤال الذي كثيرا ما طرحه الإمام بين يدي تأثيله لما نحن بصدده؛ أي إنسان ذاك الذي نرنو إلى أخوته؟ وأي أخوة تلك التي نسعى للالتفاف حولها؟ وماهيةُ الوعاء والروح المحققة للتوازن والاندماج السوي؟

سنستجمع الجواب عبر محورين أساسين: تكريم الإنسان، ثم الرحم الآدمية. من خلال ما استقيناه من توخي الإمام رحمه الله، المزاوجة الدائمة بين الإنسان وحقوقه، بين إنقاذه من الهلاك في الدنيا والبوار في الآخرة وواجب تكريمه وتجديد إيمانه.

أولا- تكريم الإنسان ودلالات حقوقه في الفكر المنهاجي

ينتقي الإمام المجدد رحمه الله مفاهيم شرعية أصيلة، للتعبير عن القيم الخلقية المؤسسة لموضوع الإنسان، وأفقها في التعايش المندمج على أرضية جامعة لمبادئ الحرية والعدالة والكرامة.

طالع أيضا  فعالية التربية بالأحداث والمواقف

وهي لا غرو رؤية عميقة، حادت عما أفرزته ثورات ردات الفعل ضد استبداد الكنيسة من أفكار حداثية؛ من مثيل فكر “الأنسنة” أو “الناسوتية”، التي لا تقر إلا بقيمة الإنسان في بعده المادي، منكرة حقيقته الروحية، وغافلة عن تطلعاته الإيمانية في معرفة ربه وعبادته.

تجاوز الإمام عبد السلام ياسين قيم الأنسنة، وشعاراتها البراقة الملغومة بمطلب الحرية والانعتاق من الوصاية الدينية – حسب تعبيرهم – إلى تأسيس مفهوم قرآني لحقيقة الإنسان؛ التي ترتكز على مبادئ الأمانة والتكليف والاستخلاف؛ وهي منظومة القيم والفضائل التي كرم الله بها الإنسان. وشاهد ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا 1.

يشير الإمام رحمه الله تعالى إلى هذه المعاني في قوله… تتمة المقال على موقع مومنات نت.


[1] سورة الإسراء، الآية 70.