استعانة واستعاذة

اللهم إني أستعين بك وأستغيث بك، وأتوكل عليك وأفوض أمري إليك، وأسند ظهري إليك، لا منجى ولا ملجأ إلا إليك، اللهم إني أبرأ من الحول إلا بك ومن الاعتماد إلا عليك، ومن الوقوف إلا ببابك ومن الرجاء إلا ما في يديك الكريمتين، بك أصول وبك أجول، ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم إني أعوذ بك من سحر الماكرين، ومن مكر السحرة المفسدين، وأعوذ بك من شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر ما يكمن بالليل ويظهر بالنهار ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها.

 أما بعد

فهذه مقالة تتأمل -من إزاء القرآن الكريم كلمة الله عز وجل إلى عباده- في الظاهرة الفرعونية وسلوكيات البطانة الدائرة مدارها، المهرولة الطائشة نحو أعطياتها ومنحها، والتهافت المتماهي مع خطابها، المؤلب لها ضد من له رأي مخالف أو تصور خاص في أي مجال يهم التدبير العام والخاص للشؤون المختلفة، وخاصة في هذه الظرفية العصيبة التي تمر بها الإنسانية برغم ما يتشدق به العالم المستكبر من خطاب التنمية الجدية الرافعة شعار كرامة الإنسان وتنمية الإنسان.

1- الفرعنة: منطق الاستكبار وآلياته

منطق الفرعنة تسلط وتجبر، تحكم واحتكار، هو هو في كل زمان ومكان. والفرعنة ذهنية نفسية سلوكية تسيطر على الفرعون فتجعله لا يسمع إلا صوت نفسه ولا يقبل إلا رأيه، فالقول قوله، والحق حقه، والنطق نطقه، والكل همل تبع، سائرون دائرون في الفلك، يسبحون ويرتلون.

قال فرعون زمانه وقد جاءته الرسل بالآيات والسلطان المبين فاستغشى ثيابه وعتا عتوا كبيرا: ما أريكم إلاما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد غافر 29. الجمع الغفير من الناس لا رأي لهم؛ إذ الحكمة والصواب والرأي المسدد وفصل الخطاب هو ما يراه الفرعون، هو الهدى والتقى، هو السداد والرشاد، هو الفلاح والصلاح والنجاح، وغيره الضلال والغي والكذب والبهتان.

أما العذر والسبب فهما “المصلحة العليا”: إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد غافر 26.

والدين المقصود هنا، طبعا، هو دين الانقياد وإسلاس القياد للطاغية الفرعون يصنع ما يشاء ويحكم ما يريد بلا حسيب ولا رقيب. والفساد المراد هنا هو إفساد عقول الرعية الخانعة القانعة بشيء يسمى عبادة الله والخوف فقط من الله.

قال فرعون مخاطبا قومه وقد دعاه النبي المرسل الداعية المربي إلى عبادة الله عز وجل، وإلى ترك تأليه نفسه واستضعاف المساكين والاستخفاف بهم وازدرائهم: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين الزخرف 52.51.50.

طالع أيضا  خير نساء العالمين.. الأستاذ ضياء يُحدّثنا عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها (فيديو)

ثلاثة آليات هي التي يسيطر بها المستكبرون على الأمة المستضعفة المحقرة المجهلة؛ أولها السلطة المتحكمة بما هي تسلط على رقاب عباد الله بدعوى الألوهية الثيوقراطية، أو الانتماء النسبي الشريف، أو الزعامة الملهمة الرائدة القائدة. وثانيها الثروة المالية السائلة، الأخطبوط العملاق المتحكم في دواليب الاقتصاد، المتمكن من عناصر الثروة يحتكرها أو ينهبها أو يختلسها، ويصطفي بها فرعون نفسه وأعوانه والمتقربون إليه. أما ثالثها فالبيان الذي هو الإعلام الذي يصدح دائما ويمدح دائما الإنجازات والابتكارات والإشارات، بينما القوم مكممون ممنوعون من البيان.

هذه آليات، في تضافرها وتكاملها وتداخلها تجعل المستكبر قبضة حديدية جبارة تفرض نفسها على المشهد العام للقوم المستضعفين المستخف بعقولهم وقلوبهم، الضائعة مصالحهم في مهب رياح الوعود والعهود التي تقال ليلا لتمحى نهارا.

2- بطانة الفرعنة: سحر وهرولة

يوم يفكر بعضهم ممن خالط الإيمان بالله وحده قلوبهم، فأخرجوا منها عبادة النفس والهوى والشيطان والطواغيت الصنمية البشرية مما تصنعه أيادي الناس، يوم يفكر بعض هؤلاء في الخروج عن إرادة المستبدين والاستعداد للقائه سبحانه عز وجل على النهج القويم والمنهاج المستقيم.

يومئذ يقول فرعون منكرا صارخا: إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حذرون الشعراء 56.55.54. ويتلقف السحرة الماكرون الحذقون المتفننون الإشارة الدالة والعبارة السامية فيرددون: نعم، وعزة فرعون، هؤلاء الخوارج ليسوا إلا شرذمة قليلة معزولة خارجة عن الطاعة وعن الإجماع العام. همهم إثارة الفوضى وزرع الفتنة وبلبلة الاستقرار والأمن اللذين نتمتع بهما، والتشكيك في المنجزات الاقتصادية العظيمة التي حققت في العهد المجيد للفرعون المجيد.

نعم، وعزة فرعون، هؤلاء هم لنا غائظون مثيرون للحنق. والغيظ لمن لا يعلم خاصية نفسية ذاتية يشعر بها كل عتل مستكبر غير قادر على قبول الحق والانصياع للنصح، ينتج عنها مزيج من مشاعر الغضب والحيرة من هؤلاء الذين تجرؤوا على قول “لا” وسط دائرة “النعم”، هؤلاء الضالون الكافرون بنعم فرعون، الجاحدون حقه في التكبر على الخلق عيال الله.

نعم، وعزة فرعون، يضيف السحرة الماكرون مقتدين مهتدين: هؤلاء يجب أن نحذرهم ونحذر منهم، يجب أن نتفق ونضع أيدينا في أيدي بعض لنوجه نداء إلى فرعون ليحافظ على هيبة الفرعنة وماء وجه الشيطنة المستكبرة، ونداء آخر إلى القوم الذين استخففنا بهم واستغفلناهم منذ زمان للتصدي للمشككين في الثوابت والقيم التي جعلناهم -في غفلتهم وانشغالهم بالبحث عن لقمة العيش وبالعصي للعصاة المتمردين- جعلناهم يجمعون عليها وينجمعون عليها.

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (7)

هكذا يهرول السحرة المتفننون الحذقون، يقلبون الحقائق فيرون الحق باطلا والباطل حقا، يسحرون أعين الناس ويسترهبونهم، يلقون حبالهم فيراها المستضعفون المقموعون حيات تسعى وما هي إلا حبال لا تغني ولا تسمن من جوع.

يطمعون في الهدايا والعطايا التي يجود بها فرعون، يقولون راجين طامعين: إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، فيجيبهم فرعون واعدا: نعم، وإنكم لمن المقربين الأعراف 113.112.

يا للعجب ما أشبه اليوم بالبارحة.

الاستبداد لا يسمع إلا ما يريد ولا يقبل إلا من يسير في ركابه ممجدا مادحا مقبلا جاثيا بالأبواب منبطحا على الأعتاب. لا يريد تفكيرا حرا ولا ديمقراطية حقة. بل ولا تتسع حويصلته لشيء من قبيل حقوق الإنسان وكرامة الإنسان إلا ما كان من ادعاءات لا وجود لها إلا في الإعلام الرسمي والخطب الرنانة الطنانة. وإذا كان هذا شيئا معتادا من استبداد جوهره هو الاستبداد ولا شيء غيره إلا أن يخدم مصالحه فإن العجب كل العجب في هذه الذهنية البنيوية المتكررة المتجددة لدى كل بطانة تسير في الركاب مرددة مؤكدة مباركة.

ويوم يخرج بعضهم عن النغمة والنسمة ويقول الحق ويقدم النصح في قوة بغير عنف وفي رفق من غير ضعف، هنا يهرول هؤلاء السياسيون المثقفون المتفننون المتمرسون ليرددوا: هؤلاء شرذمة قليلون، لنا غائظون، نحن جميع حذرون.

وتبدأ الجوقة في العزف على نغمات الإجماع والثوابت والحقائق والظروف والوطنية. ويبدأ الاستعداء والتلويح بالقمع والإرهاب والسجن. ويدخل الكل، يا للحسرة، ليتغنى بالأمن المتوافر والمجتمع المتضامن بفضل الاستبداد القائم والالتفاف الملتحم، ويهرول الكل، يا للغرابة، صفا متراصا لتقديم صكوك البراءة من الشغب والفوضى، والبراءة من قول الحق والصدق اللذين لا يتركان لك صاحبا ولا خليلا.

أيها السحرة المهرولون:

يا ليتكم كنتم كسحرة فرعون الذين لما وقع الحق وبطل ما كانوا يعملون عرفوا الحق فآمنوا به وقالوا لفرعون وهامان:

آمنا برب العالمين رب موسى وهارون فخلعوا عبادة الطواغيت من قلوبهم وأسلموا لله رب العالمين.

إنا إلى ربنا لمنقلبون فأكدوا خبر الرجوع إليه.

ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين فوقفوا على باب القوي القهار يرجون نصره. الأعراف 120/125.

أيها السحرة المهرولون:

يا ليتكم كنتم منطقيين مع ما ترفعونه من شعارات حرية التعبير وحقوق الإنسان فقلتم: أناس عبروا عن رأيهم فلنقارعهم بالحجة والبرهان لا بالاستعداء والإرهاب.

ويا ليت بعضكم سكت فما نطق فجرا ولا مد لبنة في بناء يأذن الله بزواله يوم يشاء.

يا ليت الخائفين المرعوبين اكتفوا بالدعاء للمظلومين وطلبوا النصر لدين الله من رب العالمين، عوض أن يطلبوه من الخصم والحكم مزينين الباطل والمبطلين.

طالع أيضا  ذ. بناجح: نرفض مقايضة صحرائنا بشرعنة الاحتلال الصهيوني لفلسطين

 3- نهاية الفرعنة: العاقبة للمتقين

كيف انتهت عاقبة فرعون المستكبر المتسلط؟

يخبرنا القرآن الكريم أن الله عر وجل سلط ابتداء على فرعون وقومه وأعوانه، تمحيصا واختبارا وابتلاء وتنبيها، السنين والنقص في الثمرات والآيات المتواليات فما كان منهم إلا أن قالوا: مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمومنين الأعراف 131. فوقع عليهم الرجز، ثم انتقم منهم الجبار العلي المنتقم فأغرقهم فكانوا كأن لم يغنوا بالأمس هباء منثورا. وأورث الله عز وجل الأرض عباده الذين كانوا يستضعفون في المشارق والمغارب بركة وفضلا، ومنة ونعمة وعطاء لصبرهم وتوكلهم على الحي القدير العليم البصير.

لنستمع إلى كلام رب العزة: فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ماكان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون الأعراف 137.

ليسمع الكل أعني الاستبداد في كل زمان ومكان وسحرته المهرولين والخائفين المرعوبين المزينين الباطل:

§      ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثتين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون القصص5.4.

§       ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز به الله الإسلام وذلا يذل به الكفر رواه ابن حبان في صحيحه.

§       سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل تفتح أولا يعني قسطنطينية. رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

أما نحن ف:

“نغشى كل مجلس، ونخاطب كل إنسان، لنتكلم بلغة الاقتصاد، ولغة السياسة، ولغة حقوق الإنسان، نفهم حقوق الإنسان فهمنا القرآني النبوي، لا نتنازل لفهمهم ولا نترك لقاصري العلم منا أن يساعدوا الدعاية المضادة للإسلام … نخاطب الإنسان والعالم بكل لغة يفهمها لندخل إلى فطرته المطموسة المخمورة المخدرة نوصل إليها رسالة الإسلام وخبر الآخرة وخبر الجزاء، وخبر الخلود في الجنة أو النار وخبر النبوءة” عبد السلام ياسين سنة الله ص328.

والله غالب على أمره. إن الله بالغ أمره. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والعاقبة للمتقين. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.