بعد أن ذكّر بأن في القرآن الكريم آيات كثيرة يخاطب بها الله عز وجل البشرية جمعاء بقوله: يا أيها الناس، تساءل الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، هل سمعت البشرية هذا الخطاب الرباني الإلهي؟ هل وصل إليها؟ ليجيب قائلا: “هناك من وصلته الدعوة، ولكن هناك الملايين من البشر لم يصلهم هذا النداء، ولم يسمعوا به، والمكلف بتبليغ الرسالة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هم نحن، معشر الأمة الإسلامية، نحن المكلفون بتبيلغ رسالة الله تعالى للعالمين، لنُسمع فطرة الناس”.

الأستاذ عبادي، الذي كان يتحدث في مجلس النصيحة ليلة الجمعة 25 دجنبر، ذكّر بأننا لا زلنا نعيش في ظلال ذكرى الوفاء، ولا ينبغي أن تكون مناسبة سنوية. وإنما محبة الحبيب المرشد رحمه الله سبحانه وتعالى يجب أن تسكن قلوبنا، فنحتفل به في كل وقت وحين. سائلا الله تعالى ن يجمعنا الله به في عرسات يوم القيامة مع أحبابنا النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

ونوّه المتحدث باختيار الموضوع، وهو المشترك الإنساني ومعيار الأفضلية، وكذا اختيار الآية المناسبة للموضوع: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. وذلك في مجلس النصيحة بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله التي تنظمها الجماعة.

وتطرّق الداعية الربّاني لهذه الآيات بقوله: يا أيها الناس، تتحدث عن مصير الإنسان، وعن غايته في هذه الحياة، فكان من المفروض في كل اللقاءات التي تتم بين المسلمين وغير المسلمين أن تكون الدعوة حاضرةً، فهناك عدة روابط تربط بين البشرية جمعاء، فنحن نرجع إلى أصل واحد، وهو سيدنا آدم وأمنا حواء. فلا فضل بين فرد وفرد، ولا بين شعب وشعب، وبين أمة وأخرى لأننا أصلٌ واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  28 هيئة ومنظمة مغربية تدين الزيارة المرتقبة للوفد الصهيوني رفقة كوشنير إلى المغرب

ليتساءل عن فائدة هذا الانقسام بين فئات البشر، إلى قبائل وإلى شعوب وطوائف ودول، وعن سبب جعل الله سبحانه وتعالى الناس ينقسمون هكذا؟ هل لأجل أن نتناحر أو تنشأ بيننا حروب وكراهية ويعسف بعضنا على بعض؟! ليؤكد قائلا أن هذه آية من آيات الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ. فهي إذاً آية من آيات الله وجب علينا أن نتدبرها ونتمعّن ونأخذ منها الدروس والعبر، وما قسّم الله البشرية إلا لأجل التعاون، وتبادل الخبرات والتجارب ليستفيد الجميع من هذا التنوع.

ومضى موضحا أننا نفهم التعارف بمعنيين، المعنى الأول هو ما يتبادر إلى الذهن من كلمة تعارف، ومعرفة الشيء على حقيقته، فيستفيد بعضنا من بعض، أفراداً أو شعوباً، وهذا التعارف يؤدي إلى التآلف والتحاب والتعاون، لا نتعارف لأجل التعارف فقط، بل لما يترتب عنه من ألفة ومحبة ومن تعاون وتناصح. وأحيانا تنشأ عداوات بسبب أن الناس يجهلون بعضهم بعضا، وإذا تعارفوا ذهبت الشكوك والوساوس وحصلت الثقة، فلابد من السعي إلى هذا التعارف.

وعرض المتحدث الأساليب والوسائل التي بإمكانها تحقيق هذا التعارف، ومن بينها الحوار، فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نجادل بالتي هي أحسن، وهذا للبشرية جمعاء وليس فقط أهل الكتاب، ليتعرفوا علينا ونتعرف عليهم، لأن البشرية الآن محرومة مما عندنا من خير، لأننا لم نُعرفها بنا، وما عرفت حقيقة الإسلام في سلوكنا ومعاملاتنا وأخلاقنا وأوضاعنا وتصوراتنا، فهي تُعادينا وتنفر منا لأنها لا تعرفنا، ولهذا يقال من جهل شيئا عاداه.

وأضاف في الوسائل أيضاً أن نلقى الناس بوجه طلق، فابتسامك في وجه أخيك صدقة، وقولوا للناس حسناً، وأيضاً الكلام الطيب والهيئة والملبس الطيب كذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يبعث السفراء، كان يختار أحسن الناس وجها واسما، ليكون بينه وبين المرسل إليه تواصل، ولهذا قال المقوقس لسفير رسول الله صلى عليه وسلم إليه لما أقام عليه الحجة: حكيم أرسل من حكيم.

طالع أيضا  القطاع النسائي يرصد الاختلالات الكبرى التي عاشتها المرأة المغربية سنة 2020

وإن كان المعنى الأول هو المتعارف بين الناس، فإن هناك معنى آخر له، يوضح الأستاذ عبادي، وهو التعارف بمعنى العُرف والمعروف، وهو كل ما فيه خير وكل ما فيه صلاح ومصلحة للبشرية، وتعارفت عليه العقول والفِطرُ السليمة والشريعة. فالناس يتفقون على شيء دون سابق إعداد، فلم يجتمعوا حتى يقرروه، عادات وتقاليد وأعراف تنشأ في المجتمع فتصبح عُرفاً. وعندنا في المالكية العُرف مصدر من مصادر التشريع، لم يرد في الشريعة ولكن الناس تعارفوا عليه.

واسترسل موضحا هذا المعنى: فالعقول السليمة لا يُمكن أن تخالف ما جاء به الشرع، والمنكر ما أنكرت الشريعة وأنكرته العقول السليمة، فابن تيمية قال أن المعقول الصحيح لا يتعارض مع المنقول الصحيح المأخوذ من النصوص الصريحة التي تفيد دلالة قطعية.

فإذا نجتمع على الخير ونحارب الشر، ولهذا أمرنا الله تعالى قائلاً: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مع البشرية جمعاء، فهناك قيم كونية إنسانية لا يختلف فيها اثنان، نتحدث مثلاً عن العدل، فلا يوجد من يُنكر هذه القيمة، ولا يكون هناك اختلاف إلا عندما تنطمس فطرة الإنسان.

وترسيخا لهذا المعنى، أكد على أن البشرية عليها أن تتعاون على المعروف وتنكر المنكر، لا أن تختلف، فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف. والاختلاف جائز لكن يجب أن يكون اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

فهو اختلاف تنوع يثري الحياة البشرية، يقول الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، يزيدها غناء وعطاءً، فالمسلمون استفادوا من التراث اليوناني والفارسي والهندي، والحضارة الغربية كذلك استفادت من الحضارة الإسلامية، إذا هذا الاختلاف أثرى الأمم وأثرى البشرية، فنحتاج أن نستفيد من تجارب واختراعات غيرنا، وهم محتاجون كذلك إلينا.

طالع أيضا  محاكمة الراضي وسليمان.. رفض السراح المؤقت وكل طلبات الدفاع

https://www.facebook.com/124997314331622/posts/1831663223665014/