1.      الإنسان بين التكريم والتكليف

خلق الله عز وجل الإنسان وركب مادته ما بين روح سماوية مطهرة وجسد طيني أرضي، وكرمه ورفع شأنه بين سائر المخلوقات، بل أمر من هم أفضل منه خلقا وخلقا بالسجود له إيذانا بتسليمه أمر خلافة الله في أرضه، قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ 1.

وقد سخر الله عز وجل للإنسان ما في السماء والأرض خدمة له ليقوم بمهمة الخلافة الربانية على أكمل وجه عمرانا وعدلا وإحسانا وجمالا، فجعل له آيات، في آفاق الكون الواسعة وفي أعماق نفسه المتقلبة، تذكره أن نسى أو أُنسي، بل أرسل له بعدة كل فترة إيمانية وطول أمد وقسوة قلب رسلا مذكرين بالمهمة الأصلية مبشرين بالرضوان الإلهي والفوز النهائي في حالة التوبة إلى مولاه، والرجوع لمهمته الأصلية، منذرين بالشقاء الدنيوي والأخروي إن تمادى الإنسان في ضلاله واستكباره عن تأدية رسالة ربه، قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 2.

 قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله “شرف الإنسان وكرامته وحريته تأتي من كونه مخلوقا سماويا بروحه، يثقله الجسم الأرضي بحاجاته، وظروفه الحيوية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، عن الصعود من سجنه الأرضي إلى سعادة الأبد. فيريد له الإسلام أن تعبد له الطريق، وتوفر له وسائل رحلة ناجحة، فيما بين نقطة ميلاده ولحظة موته، من حيوانيته لروحانيته، من غفلته عن الله عز وجل لذكره، من كبده في الدنيا لارتياحه بلقاء ربه وهو عنه راض” 3.

جاءت رسالة الإسلام خاتمة لكل الرسالات، شاملة لكل الجزئيات، جامعة لكل ما تفرق سابقا، لتقدم للإنسان شرعة ومنهاجا لعمارة الأرض وخلافة الله فيها، بل شاء الله عز وجل أن تجسد رسالة الإسلام أنموذجا بشريا تبين للإنسانية سبل السعادة الأرضية بالتعلق بالوحي السماوي لتطويع ما شق عليه من نواميس الحياة ونوائب الدهر استجابة لأمر الله عز وجل: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 4.

جسدت النبوة والخلافة الراشدة هذا النموذج البشري للتكليف الإلهي بخلافة الله في الأرض وعمراتها عبر منهاج “نبوي قرآني أنزله شريعة من خلق الإنسان وسواه وعدله، وطبقه توقيتا وعينا وحكمة نبي موفق مسدد في حركاته وسكناته. المنهاج النبوي التربوي التعليمي جاء من نفس المصدر الذي جاء منه جسم الإنسان وعقله ونفسه وكيانه. بما صلح به الجيل القرآني النبوي الأول تصلح به الأجيال إلى يوم القيامة إن كانت التربية والتعليم قرآنيين نبويين” 5.

طالع أيضا  لطائف ونسمات من وحي الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله

2.      الإنسان المعذب في الأرض

إيمان قلبي ربط القلوب بالسماء وعمل صالح مغروس في الأرض أثمر خلافة وتمكينا وأمنا ورضى من رب العالمين، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً 6.

قدمت الأمة الإسلامية أنموذجا خالدا للإنسانية ملأ الأرض عدلا وحرر الإنسان من عبد العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ عمران أخوي أنهى حقبا من استكبار الإمبراطوريات الاستعمارية وجحيم استغلال الإنسان من قبل أخيه الإنسان إلى مواطنة تجاوزت المنطق المكاني إلى “المواطنة القلبية الإيمانية بين المسلمـين هي أم الخصائص في العمران الأخوي، سِمَتُها النفسية السلوكية الإقلاع عن حب الدنيا والتحررُ من العبودية للهوى. وبهذا الإقلاع والتحرر ينقلب موقف المسلم رأسا على عقب من المِلكية الأنانية لمتاع الدنيا، وتنقلب ذهنيته، وينسلخ من عادات المنكر، ومن الشرك بالآلهة التي يعبدُها الإنسان المشرك والغافل من دون الله: الشحِّ والمصلحةِ الخاصةِ والربحِ واللذةِ والمالِ والجاهِ” 7.

هذا النموذج المثالي سيبدأ في الانتقاض بنقض المسلمين لعراه عروة عورة، وهذا ما سيؤدي بالأمة “أن تتناوشها عوامل الانحلال الخلقي والاجتماعي على قدر انسلاخها عن الدين وابتعادها عن مثله العليا واتباعها في ذلك سنن اليهود والنصارى. من تدخين الفتن على القلوب والعقول تحقق اللقاء بين سنة الله وفعله المتعالي عن كل تحليل وبين تحرك العصبية الجاهلية، وهي من نزغات شياطين الجن والإنس ومن كسب الناس، فأنتج اللقاء أمراضا وعاهات تردّت بالأمة في مهاوي الانحطاط” 8.

فقدت الأمة أهم خصائص وجودها لما دب إليها داء الأمم “الذي جلبته الفتنة للأمة تعتمت منه القلوب ومرضت وماتت. داء الأمم الأشَر والبطر والتحاسد والتناجش، وكلها كواسح وجوائح في النفوس، تلتهب فيها وتتصادم وتتكتل في عصبيات هائجة متقاتلة فيكون البغي” 9.

وبالموازاة مع مرض النموذج المثالي للعمران الأخوي، سادت الإنسانية حضارات أذاقت الإنسان سوء العذاب، بخيلها ورجلها وفكرها، باسم التقدم والتحرر إنه “عذابُ الدنيا وضَنْكها يتمثل في عيش حيواني يكنُفه الخوف من الموت، وينغِّصُه ذكرُها، ويقلِّصُهُ الجهل بما وراء الموت والقُنوع بأن الإنسان ظِل جاء عبثا ويذهب هَدَراً إلى لُعْبة كئيبة فاقدة المعنى. وإن تَلَهَّى الحيوان الكئيب برهة بزينة الدنيا فإنما هُو حلُمٌ طائف ثم تُخَيِّمُ غَيْمة اللاشيئية” 10.

إنها “الحضارة المادية التي تقود العالم والإنسانية للإفلاس” 11؛ حضارة “صنعت صنيعها، وغزت العقول والنفوس والأسواق، وقتلت روح الأخوة” 12.

طالع أيضا  ذة. جرعود: معركة التحرير يجب أن تكون وفق ثلاثة مسارات: السياسة من السلطوية والاقتصاد من الاحتكار والإنسان من الخوف

3.      ما الخلاص؟

إن تخليص الإنسانية المعذبة في الأرض، مع استحكام قبضة الحضارة المادية، وذبول أمة العمران الأخوي، لن يكون بالمشاريع الجزئية التي تتعرض لتفصيل صغير من تفاصيل المحنة الإنسانية، بل يتطلب الأمر مشاريع تؤسس للكليات الكبرى، والمبادئ المؤسسة لتحرير شامل لا سطحية فكرية وذوبان مع الأحداث.

يتطلب الأمر فتح الأعين على آفاق الإنسانية المعذبة وعلى الأنفس المحطمة، والعودة إلى ربط تشريف السماء بتكليف الأرض، وتجاوز المنطلقات الخاطئة التي تجعل من شعوب الإنسانية أعداء عوض إخوة في الرحم. ويعتبر الإمام المجدد عبد السلام ياسين من أحد رواد هذه المشاريع الكبرى التي حملت هم الإنسان أي إنسان، بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لغته أو وطنه أو ثقافته. سكنه هم الإنسان في معاشه ومعاده، وجعله محور اهتمامه بداية ونهاية.

يقول الإمام رحمه الله: “وإن من كمال الإيمان وشرط الدعوة أن يُؤَرِّقنا هَمُّ المحرومين من النوعين، وإن كان الهم بالمستضعفين أسبقَ فلا ينبغي أن يحجب عنا همّ الآخرين. فالعبادُ رَحِمٌ واحدة، وصِلَتُها بالشفقة والإحسان خصلة إيمانية إحسانية رفيعة. وأيُّ إحسان أحسنُ وأرفع من تنبيه الغافل وإعلام الجاهل وإنذار المستهين وتبشير السادِر بما ينتظر العباد بعد الموت” 13.

ومن حق “الآدمي، كرامةً لآدميته، أن يتمتع بمواساة إخوانه الآدميين طِبْقا لمقتضيات الرحِم الإنسانية التي يوصي بها الشرع” 14، تلك المواساة التي فتتها حضارة المال والسوق وسباق الربح والجري وراء حصان الاختراعات العلومية وتسخير الإنسان فيها عوض تسخيرها له.

ماتت “الأخلاق الإنسانية مثل الفصاحة والشجاعة والكرم الفريد بين الأمم والصراحة في الموقف والنطق والأمانة والوفاء والأنفة والإباء وإكرام الضيف وحماية الأرملة واليتيم وبذل النفس حفاظا على الشرف” 15، وحل محلها المكر والخديعة واستغلال خيرات الشعوب وزرع ألغام الخلافات بين الأمم وتأجيج الصراعات الحدودية والإقليمية خدمة لمصالح لوبيات السلاح والدمار والتدمير.

إن أمة الإسلام هي المرشحة نظريا وعمليا لتخليص الإنسانية من هذا العذاب والضنك، باعتبارها الأمة التي استجابت أول مرة لمقتضيات العيش الإنساني في الأرض، وسماها الإمام رحمه الله “أمة الاستجابة وهم المسلمون الذين ورثوا الإسلام أو اختاروه بالفعل” 16 بشرط أن يعودوا إلى مقتضياته للخروج من فتنتهم عن دينهم ليتمكنوا من إخراج الإنسانية من جاهليتها، وهذه الإنسانية ليست في نظر الإمام دار كفر وحرب ليعيد المسلمون إيذاقهم صنوفا أخرى من الإذلال والاحتلال بل هي “أمَّة الدعوةِ وهم الإنسانيةُ كلُّها التي تنتظر مخرجا من ضَيْقها، ومُخَلِّصاً من قبضة الشيطان وجنوده” 17.

إن دولة أو كيانا هذه مهمته؛ لا يمكن إلا أن تكون دولة قرآن منير على دولة سلطان أعمى، يقول الإمام ياسين: “مكانُ دولة القرآن في المجتمع الدوليِّ مكانُ قيادة المستضعفين، لنأخُذْ الحقَّ أولا من دول الاستكبار للعالم الجائع المفقَّر المستعمرَ المستنـزف، ثم نُشع دعوة الإسلام، وينتصر نموذجه السلوكي الاقتصادي الحضاري حتى يصبح قبلةَ أنظارِ الإنسانية أينما كانت” 18.

طالع أيضا  ندوة رقمية للإطارات المناهضة للتطبيع بالدار البيضاء تكشف زيف "المكون العبري" في الهوية المغربية

ومن أولى أوليات هذه الدولة أن تعيد بناء العلاقات الدولية على أسس عدم الاعتداء المادي والمعنوي على إنسان، وجمع كل فضلاء الإنسانية إلى التداعي إلى ميثاق إنساني لا ميثاق تكريس غلبة المستكبرين كما تجسده المنظمات الدولية اليوم.

يقول الإمام ياسين رحمه الله: “نحن معكِ أيتها النفوس الخيرة عندما تنتفضين ضد منفذي الأعمال الوضيعة التي تحرض عليها قوى العصر أو تثيرها القوى الصغرى المحلية الشيطانية. نحن معكِ، نحن الأوفياء للإسلام، وسنكون معكِ أكثر فأكثر، نحن الأتباعَ المؤمنين إيمان أبينا إبراهيم محطمِ الأصنام الصادعِ بالحق. نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم” 19.

وأضاف: “سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان” 20.


[1] سورة البقرة، الآية 30.
[2] سورة الأعراف، الآيتين 35 و36.
[3] ياسين عبد السلام: إمامة الأمة، ص99.
[4] سورة آل عمران، الآية 104.
[5] ياسن عبد السلام: محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، ص 34.
[6] سورة النور، الآية 53.
[7] ياسن عبد السلام: العدل، الإسلاميون والحكم، ص 198.
[8] ياسن عبد السلام: سنة الله، ص 41.
[9] نفس المرجع السابق، ص 42.
[10] ياسن عبد السلام: العدل، الإسلاميون والحكم، ص 369.
[11] ياسن عبد السلام: المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 338.
[12] نفس المرجع السابق، ص 323.
[13] ياسن عبد السلام: العدل، الإسلاميون والحكم، ص 370.
[14] ياسين عبد السلام: إمامة الأمة، ص 103.
[15] ياسن عبد السلام: سنة الله، ص 284.
[16] ياسين عبد السلام: إمامة الأمة، ص 232.
[17] نفس المرجع السابق ونفس الصفحة.
[18] نفس المرجع السابق، ص 262.
[19] ياسين عبد السلام: الإسلام والحداثة، ص 22.
[20] نفس المرجع السابق، ونفس الصفحة.