في سياق تخليد جماعة العدل والإحسان للذكرى الثامنة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مطولا مع الدكتور عبد الواحد متوكل عضو مجلس إرشاد الجماعة ورئيس دائرتها السياسية.

الحوار تطرق للمؤتمر الذي نظمته مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات نهاية الأسبوع المنصرم على مدار يومين، وعرج إلى الحديث عن مشروع مؤسس الجماعة ومفاصله الكبرى ومقترحاته للإنسان فردا وللأمة جماعة، ووقف عند ثوابت الجماعة ومتغيراتها وسؤال المراجعات التي يطرحه البعض عليها.

كما كان لازما للحوار أن يدقق في الموقع السياسي الذي تتخذه الجماعة اليوم، وفلسفتها في التعبير عن مواقفها كلاما وصمتا، وموقفها من قرار التطبيع. وغيرها من القضايا الهامة.

فإلى نص الحوار:

بداية، كيف تابعتم أشغال مؤتمر “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر.. الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”؟ وهل حقّق الأهداف المرجوة منه؟

كان السؤال الذي واجهنا هذا العام ونحن نفكر في موضوع الذكرى هو كيف نحيي هذه المناسبة وما الشكل الذي يمكن أن نعتمده وقد أضافت جائحة كورونا تقييدات إلى ما كنا نعانيه من مضايقات جائرة. وبعد تفكير وتقليب النظر في عدد من المقترحات اهتدينا إلى المزاوجة بين حدث الذكرى وحدث المؤتمر الذي تنظمه مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. وكانت فكرة رائعة. لقد عشنا على مدى يومين لحظات ماتعة فكرية وروحية بما تقدم به المشاركون من عروض، محورها العام هو “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”. لكن المشاركين قد تناولوه، كل من زاويته، فتكاملت المداخلات لتتحول إلى باقة من الورود والأزهار ينعش عبيرها الروح والعقل والوجدان. وقد تابعت شخصيا كل فقرات المؤتمر رغم كثافتها. وكانت الفائدة كبيرة لا تتجلى فقط فيما تم بسطه من أفكار ومن إضاءات على جوانب مهمة من مشروع الإمام رحمه الله، ولكن أيضا فيما أثير من إشكالات تحتاج إلى مزيد من النقاش وتعميق النظر فيها. وبهذا أحسب أن المؤتمر حقّق جُلّ الأهداف المتوخاة. ولعل من المؤشرات الدالة على ذلك التجاوب الكبير الذي لقيه المؤتمر المتمثل في كثرة المتابعين والاتصالات التي تأتينا تترى منوهة ومهنئة بنجاح المؤتمر، فضلا عن مساهمات الباحثين القيمة التي ستجمع في كتاب يصدر قريبا إن شاء الله.

أضحت ذكرى وفاة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله محطّة للتواصل مع نخب سياسية وفكرية من جهة، ومناسبة لبسط ومدارسة مشروعه الفكري من جهة ثانية. بعد هذه التجارب الثمان ما الخلاصات الكبرى التي خلصتم إليها سواء في شق التواصل أو في شق الفكر؟

بالفعل إنها مناسبة تحاول أن تجمع عددا من الباحثين على قضية من القضايا الهامة، وتسعى أيضا لتسليط الضوء على مشروع الإمام الذي استفرغ فيه الجهد وكرّس له حياته من أجل الإسهام في الجهود المبذولة للخروج بالأمة من الأوضاع المأساوية الراهنة إلى وضع أحسن تسترد فيه مكانتها المتميزة بين الأمم. وهذا على الرغم من العراقيل والإكراهات التي تحول دون إحياء هذه الذكرى على الوجه المأمول. والخلاصة الأولى التي انتهينا إليها بعد هذه التجارب الثمانية هي أننا ازددنا اقتناعا بأهمية هذه المحطة وبضرورة المحافظة على تنظيمها، بل وبتطويرها لتعظم الفائدة المرجوة منها. والخلاصة الثانية هي ضرورة بذل مزيد من الجهد للتعريف بإرث الإمام سواء في المجال التربوي أو السياسي أو الفكري أو غير ذلك. فالإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ليس ملكا -بكسر الميم وسكون اللام- لجماعة العدل والإحسان وحدها، بل ملك للأمة الإسلامية بل وللإنسانية جمعاء. وكم هو مؤثر أن تسمع لسيدة أو سيد كانا على غير ملة الإسلام ثم اهتديا وأسلما إثر سماع شريط له أو قراءة كتاب من كتبه. وأعرف شخصيا عددا من هؤلاء. لذا فإنه يتعين على من عرفوه عن قرب، واقتنعوا بمشروعه أن يعرفوا به لكسر أسوار التعتيم والمحاولات الخبيثة التي تحاول إقباره وصرف الناس عنه، وذلك أبسط ما تقتضيه معاني الوفاء وأداء الأمانة. هناك صعوبات جمة لا شك، لكن الكلمة الصادقة التي تحمل الخير للبشر لا بد أن تجد لنفسها منفذا وفي الناس من يسمع ويتجاوب.

بعد ثمان سنوات من وفاة قائد ومؤسس جماعة العدل والإحسان، ماذا بقي من الإمام عبد السلام ياسين؟

بقيت روحانيته، بقي أثره وتأثيره، بقيت توجيهاته وكلماته ومواعظه المسموعة والمرئية، بقت مكتوباته التي ناهزت أربعين كتابا، بقي مشروعه الذي نهضت له جماعة صامدة عازمة على مواصلة المشوار… بقي كل شيء إلا شخصه الكريم. ولاتزال الشهادات تأتينا تباعا ليس من المغرب وحسب، وإنما من بلاد شتى وجنسيات مختلفة ممن أنقذهم الله من التيه والضياع بعد أن تعرفوا على من صحبوا الرجل أو اطلعوا على أثر من آثاره. لقد عاش الرجل لله ولدعوة الله، صادعا بالحق، لا يخشى في الله لومة لائم، ثابتا على موقفه إلى أن توفاه الله، عليه رحمة الله. وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

ما المرتكزات التي تركها وترون ألا غنى لجماعة العدل والإحسان عنها، مهما تطاول الزمن ومهما كانت الظروف المحيطة بها؟

في مجال التربية هو أن تبقى الغاية وجه الله نية وقولا وعملا. والتربية تقتضي الالتزام بالبرنامج التربوي لترسيخ معاني الإخلاص لله والتقرب إليه سبحانه، وللحفاظ عليها من التسرب والانفلات في حمأة كثرة الانشغالات وتعدد الابتلاءات. وفي مجال التدافع السياسي أن نبقى مقاومين للاستبداد والفساد دون كلل أو ملل إلى أن ينتهي. وفي المجال المعرفي هو السعي، بعد تحصيل ما يعلم من الدين بالضرورة، أن يتخصص من لهم الاستعداد لذلك في شتى ميادين العلم والمعرفة. بدون حضور هذه الأبعاد الثلاثة وتوازنها: البعد التربوي الإحساني، والبعد العدلي التدافعي، والبعد العلمي المعرفي تتحول جماعة العدل والإحسان، لا سمح الله، إلى شيء آخر، طريقة صوفية منقطعة عن هموم المجتمع، أو حركة جوفاء باردة برود ليالي الشتاء القارسة، تخترقها النزاعات وشهوات حب الظهور، وقد تتورط في مبادرة متسرعة أو متهورة أو تنخرط على غير تَبَصُّر في مسار مفلس يوقعها في نكسة أو يشتّتها شذر مذر، أو حركة فكرية مترفة تعيش في برجها العاجي لا تـأثير كبير لها في مقاومة الفساد والمفسدين. ولا زلت أذكر أنه أثناء اعتقالنا قال لي أحدهم وهو يستنطقني ناصحا في زعمه، والله أعلم بالسرائر: لماذا لا يتفرغ ياسين لكتابة الكتب كما يفعل فلان، وذكر اسم واحد من مشاهر الدعاة والمفكرين، ويترك هذا “الصداع”؟

طالع أيضا  خلود مختاري تراسل عائلة الشهيد كمال عماري رحمه الله

طيلة هذه المدة على رحيل الأستاذ ياسين، تكاثر الحديث عن “المراجعات” وعن الحاجة إلى تطوير الفكر والممارسة، حتى تستمر جماعة العدل والإحسان في “الحياة”. كيف تتعاطون مع هذه الدعوات الصادرة عن جهات متعددة؟

ينبغي أن نحدد في البداية ما المراد ب”المراجعات”. فإن كان القصد هو أن نعيد النظر في مواقفنا من الفساد والاستبداد، وأن نصفق للسياسات المفلسة التي كانت وراء المحن والأزمات التي يعاني منها البلد، فهذه ليست مراجعة وإنما رجوع عن المبادئ وتفريط في الأصول التي تقوم عليها جماعة العدل والإحسان، وتدحرج من شرف مناهضة الظلم والطغيان إلى درك الذلة والخسران. نعوذ بالله. وإن كان المقصود من المراجعة هو إعادة النظر في بعض الأفكار التي قد تكون أصبحت متجاوزة، أو بعض الممارسات التي لم تعد مجدية، أو بعض الوسائل التي اتضح أنها أصبحت قاصرة أو عاجزة عن خدمة الأهداف المتوخاة وغير ذلك مما يدخل في معنى المتغيرات، فهذا أمر محمود نقوم به بانتظام فيما يسمى بعملية التقييم والتقويم. وأنا لا أتصور حركة أو جماعة أو أي تنظيم يمكن أن يستمر في الحياة ويكون له حضور وتأثير دون القيام بهذه العملية. للأسف الشديد أن أكثر من يطالبنا بالمراجعة فهو يستعملها بالمعنى الأول، يطالبنا من حيث يدري أو لا يدري أن نتحول إلى كيان لا طعم له ولا لون، نخرب ديننا ونبيع ضمائرنا بعرض من الدنيا قليل. عافانا الله.

يقودنا هذا النقاش إلى جدل قديم جديد في كل فكر ومشروع ودعوة، وهو حدود الثوابت ومساحة المتغيرات، حتى لا تجمد الحركة بداعي الحفاظ على المرتكزات، وكي لا تمضي في اتجاه الانسلاخ عن الذات بمبرر التطوير. كيف تتعاطى الجماعة مع هذه المعادلة؟ وهل من خصوصية تراها في تعاطي الجماعة مع مشروع مؤسسها؟

هذا السؤال أجبت عنه ضمنا قبيل قليل. ولعلي أزيد الموضوع إيضاحا فأقول إن قضية الثابت والمتغير في مشروع العدل والإحسان لا تثير لدينا أي إشكال، لسبب بسيط وهو أن هذا الاعتبار كان حاضرا منذ البداية، أي منذ انطلقت دعوة العدل والإحسان تحت إشراف الإمام رحمه الله. وقد تناول هو نفسه هذا الموضوع في عدد من كتبه ومجالسه. وإجمالا يمكن القول إن ما هو من الأصول التي تشكل هوية العدل والإحسان فإنه لا يمكن المساس بها، وما سوى ذلك فهو خاضع لإعادة النظر بالتطوير والتعديل أو التجاوز حتى. ولذلك يخطئ بعض الباحثين، ومنهم من يتعمد ذلك، حينما يقيمون تنظيم الجماعة مثلا بناء على ما ورد في كتاب المنهاج النبوي. ولو تريثوا وطلبوا المعلومة من مصدرها لأدركوا أن واقع الجماعة يختلف في عدد من الأمور عما هو مسطور هناك ولاسيما في الفصل المتعلق بالتنظيم. وهذا لم يحصل اليوم، أي بعد وفاة الإمام رحمه الله، وإنما في حياته ومنذ السنوات الأولي من عمر الجماعة. ذلك أن جسما حيا يتوسع باستمرار، والحمد لله، لا يمكن أن يجمد على شكل تنظيمي واحد مدة طويلة. وليقس ما لم يقل.

من الأشياء التي يرى البعض أن الجماعة تمضي في اتجاه تغييرها، موقفها السياسي من الحكم في المغرب ومن عموم المشهد واللعبة. يرون ذلك في تغيير تدريجي يمس اللغة والمفاهيم المستعملة في الخطاب، وفي الموقف من الواقع أحيانا (كما وقع من إشادة -ضمنية وصريحة- لتدبير الدولة في المرحلة الأولى لجائحة كورونا). هل تتفقون مع هذه القراءة؟

الجماعة تمضي في تغيير موقفها السياسي من الحكم في المغرب؟ من أين جئت بهذه الخرافة؟ لنكن جديين، ولنميز بين القراءة القائمة على دلائل ووقائع وعما هو أقرب إلى التخرصات أو هو الهراء عينه. أين يتجلى هذا التغيير؟ موقفنا من الاستبداد والفساد ثابت لا يتغير. فنحن، كما يقول الإمام رحمه الله، نعارضه سياسة، ونعصيه شرعا، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأقول لأصحاب النيات الحسنة طبعا إننا لسنا نسخا مكررة حتى نعبر عن هذا الموقف بنفس العبارة، وليس مطلوبا منا ذلك، ولا أن نضع صيغا جامدة نرددها بشكل رتيب كلما سئلنا في الموضوع. فالموقف ثابت ومعروف، ولكن المتحدثين منا قد يعبرون عن ذلك بصيغ قد تختلف شكلا لا مضمونا. وهذا أمر عادي ولا إشكال فيه. أما ما وصفته بالإشادة ببعض الأشياء، فهذا إن كان فهو عين الأنصاف، وربنا يقول: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى. وهو لا ينافي موقفنا الثابت والصريح الذي يرى أن مشكلة المغرب الكبرى تعود في أصلها إلى نظام حكمه القائم على الاستبداد بالسلطة واحتكار الثروة وغياب الإنصاف. وما لم يتغير هذا الوضع ويستو على العدل والحرية والكرامة والديمقراطية الحقة، لا ديمقراطية الواجهة، فإنه لا يمكن أن تصلح أحوال البلاد والعباد، فضلا عن أن يكون لهم شأن معتبر بين الأمم والشعوب.

طالع أيضا  هيئة النصرة: تنامي أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني ضرب لهوية الشعب المغربي (بـيـان)

بناء على ذلك، ما الموقع السياسي الذي ترى جماعة العدل والإحسان نفسها فيه اليوم؟

موقع المعارضة لنظام الحكم القائم، والحال يغني عن المقال. ولولا ثباتنا على هذا الموقف، لما كنا نتعرض لتضييق ممنهج، ولحملات تشويه وتشهير وأكاذيب لا تنتهي. موقع ليس سهلا بالتأكيد، والطريق إليه ليس مفروشا بالورود. وإذا كان البعض ينتفع ويسترزق بما يزعم أنه دفاع عن الوطن، وما هو به، فإننا نحن أدينا الثمن ولا نزال نؤديه من أجل استقرار الوطن، صدقا لا ادعاء. وللمنصفين شهادات تؤكد هذه الحقيقة مكتوبة ومنشورة. وكلما كثر المتخاذلون الذين تنكروا لضمائرهم ومبادئهم ودينهم وخضعوا رغبا أو رهبا لتسلط الحكام وطغيانهم، إلا واستشعرنا أهمية الثغر الذي نحن عليه، والمسؤولية في الثبات على الموقف الذي نتبناه، لما يشكل ذلك من شعاع أمل للأمة ينبغي الحفاظ عليه، أمل في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد، ومن تصد لعوامل الإحباط التي توشك أن تحول الأمة إلى كم مهمل يائس من كل تغيير. والأمل يبقى في الأمة ما بقي من يقول ربي الله، ولحكم الاستبداد “لا” بملء فيه. وتحضرني قصة أذكر معناها مختصرا للتابعي الجليل، سعيد بن جبير، الذي حاولوا صرفه عن الاعتراض على الحجاج الطاغية، كما فعل كثير غيره، فكان مما قال: كما يحتاج الناس إلى من يعلمهم الفقه، يحتاجون إلى من يعلمهم الصدع بقول الحق والثبات عليه.

في الممارسة السياسية للجماعة، يلاحظ البعض أنها تتفاعل أحيانا بالموقف الصريح وأحيانا أخرى بالصمت المطبق. هل لكم أن توضحوا للمهتمين والمتابعين منطق الجماعة في ذلك؟

عجيب أمر بعض الناس. إن عبرت عن موقف هاجموك، وإن سكتت لتقدير معين هاجموك. فأنت مستهدف في كلتا الحالتين. ولذلك قيل إن رضى الناس غاية لا تدرك. هذا في الأحوال العادية. أما حين تكون النيات سيئة، والهجوم عليك مدفوع الأجر وبتعليمات من أجهزة السلطة، فإننا نكون آنذاك أمام سقوط أخلاقي فظيع وظلم بين. فالتصريح أو الصمت أو حتى التلميح من الأساليب المعتمدة لدى العقلاء يستعملونها حسب تقديراتهم، ونستعملها حسب ما يقتضيه المقام والمصلحة المعتبرة شرعا وحكمة وعقلا. ولا يقول عاقل إن شكلا واحدا هو الذي ينغي أن يستعمل في كل الأوقات والمناسبات. ولذلك فإذا ترجّح لدينا أن هناك فائدة معتبرة في البيان، فإننا نصرح ولا نتردد؛ وإذا ظهر أن الصمت أولى، فنحن نلتزمه. المهم هو أننا نتصرف بما يمليه علينا ضميرنا واجتهادنا وإرادتنا الحرة، لا نلتفت للأصوات التي تريد منا أن نكون طوع بنان السلطات المخزنية، نتكلم عندما تريد وبما تريد، ونصمت عندما تريد.

يرى باحثون، بينهم إسلاميون، أن الحركة الإسلامية في العالم العربي انزلقت في السنوات الأخيرة إلى تضخيم الشأن السياسي على حساب عملها الدعوي والتربوي، ويرون أن من مؤشرات ذلك تراجع وضمور تأثيرها الدعوي العام في المجتمع وعموم الناس. هل تتفقون سيدي مع هذا التشخيص والتقييم؟ وماذا تقترحون، تصورا وعملا، لتحافظ الحركة الإسلامية على التوازن الخلاق الذي يحفظ لها جوهرها ومختلف واجهات عملها؟

أتفق إلى حد بعيد مع هذه الملاحظة، ولكني أختلف في اعتبار ضمور التأثير الدعوي مؤشرا على تضخم الاهتمام بالشأن السياسي. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين لا يمكن أن يتهموا بالتقصير وهم المؤيدون بالعصمة والتوفيق الإلهي، ومع ذلك قد يقضي الواحد منهم السنين الطويلة في الدعوة، وقد يستجاب له وقد لا يستجاب. ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام قضى في مكة ثلاثة عشر عاما يدعو إلى الله ولم يستجب له إلا القليل، علما أنه معصوم ومؤيد بالوحي ونشأ في مكة، يعرفه أهلها جيدا، ويعرفون صدقه وأمانته. فإذا كان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، فما الذي نتوقع من غيرهم ممن ليسوا بأنبياء ولا رسل، ولا يمكن أن يسلموا من الضعف والتقصير؟ لكن المؤشر المعبر في تقديري ينبغي أن نبحث عنه في مكان آخر، في سلوك ومواقف وأحاديث الذين يتصدون للدعوة، أعني بعضهم ولا أعمم. فحينما تسمع عن صور من التنازع التي لا تليق بعامة الناس فضلا عن عقلائهم وعلمائهم ومفكريهم، وحين ترى تهافتا على الدنيا محموما، وحب الزعامة أو الاستبداد بالرأي وتجاهل مخرجات الشورى، أو التصلب والجمود على التقدير البين خطؤه، وحين تجد إهمالا للجانب التعبدي في الإسلام وعزوفا عن التهمّم بمقامات الإحسان، فانتظر عندئذ الكوارث بمختلف الصور، وهذا سواء في زمن الانكماش الدعوي الذي قد يكون ابتلاء إلهيا لحكمة يعلمها ولا نعلمها، أو جزاء وفاقا بما كسبت أيدي العاملين في الحركة الإسلامية أنفسهم، أو في زمن الامتداد والتوسع. وليس زمن الامتداد وكثرة المنتمين دليلا على متانة البعد الروحي والتربوي لديهم. فالأمر دقيق ويحتاج إلى فحص متبصر لمعرفة الخلل حين يكون، ومن أين جاء، وكيف يمكن تجاوزه لتجاوز آثاره، سواء تجلت في ضمور دعوي، كما أسميته في سؤالك، أو في غير ذلك من السلبيات أو الإخفاقات.

طالع أيضا  ذ. العربي النجار: كيف تسمح الدولة المغربية لنفسها بمنع وقفات سلمية إرضاء لكيان غاصب

لا شك أن الإمام عبد السلام ياسين قدم لهذه الحركات، ولعموم العاملين للإسلام، مشروعا عاما يخاطب الإنسان فردًا ويقترح على الأمة خلاصها السياسي والاجتماعي والحضاري جماعةً. هل لكم سيدي أن تضعونا عند المفاصل الكبرى لهذا المشروع؟ وهل من خارطة عملية اقترحها الرجل، أو تقترحها الجماعة، ليصبح هذا المشروع واقعا حيّا في حياة الناس والأمة؟

ثمة سؤال مهم يطرح على مشاريع الإصلاح والتغيير التي تستند، بدرجة أو أخرى، تصريحا أو ضمنا إلى المرجعية الإسلامية. إنه سؤال الكيف. كيف يسترجع الإنسان المسلم وَهَجه الروحي ويقينه في الله عز وجل، وعزمه وعزيمته وتصميمه على تحرير وطنه من الفاسدين المفسدين؟ هذا على المستوى الفردي؛ أما على المستوى الجماعي كيف يكون الانتقال من حالة التعاسة المهيمنة بسبب السياسات المفلسة إلى حياة الكرامة والحكم الرشيد؟ كثير من الأدبيات الإسلامية تركز على وصف الحالة المزرية التي تعيشها الأمة وتبدع في ذلك، وتبدع أيضا فيما ينبغي أن يكون، ولكن تجد ضمورا في تناول كيفية العبور من الوضع الراهن إلى الوضع المأمول. الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله اهتم بهذا السؤال، سؤال الكيف، اهتماما كبيرا في مشروعه الكبير الموسوم بالمنهاج النبوي، ولا أحيل هنا على الكتاب فقط الذي يحمل هذا العنوان، وإنما على مشروعه كلّه الذي تتضافر كل مكتوباته في تبيانه ورسم معالمه. فعند الحديث عن الهم التربوي وأهميته ولتجاوز ما صار يعرف بين أبناء الحركة الإسلامية بالخواء الروحي، لم يكتف الإمام بالخطب والمحاضرات، أو الدلالة على قراءة الكتب والمصنفات، لقصور هذه الوسائل على أهميتها عن الوفاء بالمطلوب، وإنما دلّ بحاله قبل أي شيء ومقاله على مقترح عملي، ودعا كل متهمم بالموضوع أن يخوض التجربة ثم يحكم بعد ذلك بنفسه فيتقدم أو يحجم على بصيرة. إذن فكلامه لم يكن فضفاضا ولا سبحا في التجريد، وإنما تحدث عن خطوات عملية تتقيّد بصرامة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم خوض تجربة شخصية يبقى الحكم النهائي فيها لمن دخلها صادقا. هذا فيما يتعلق بالمسألة التربوية باعتبارها شرطا أساسيا لبناء شخصية الإنسان المسلم.

أما فيما يتعلق بمسألة التغيير السياسي، فإنه أيضا طرح خارطة طريق قد يكون فيها ما يحتاج إلى نقاش وإغناء، لا ضير في ذلك، لكنها واقعية وعملية تأخذ في الاعتبار ثلاثة أمور:

– الأول ضرورة صون القرار الوطني من التدخل الأجنبي،

– والثاني ضرورة استيعاب كافة الخلفيات الفكرية داخل البلد،

– والثالث العمل المشترك والتلاقي على أرضية مشتركة تركز على الأولويات والمتفق عليه.

وبناء على هذا، طرح مشروعا يمكن إجماله في خمس نقط:

1) حوار وطني يفضي إلى ميثاق جامع.

2) جمعية تأسيسية لوضع دستور ديمقراطي يعبر عن إرادة المغاربة.

3) انتخابات حرة ونزيهة.

4) مرحلة انتقالية وحكومة وحدة وطنية، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات لضمان الاستقرار اللازم لحساسية المرحلة.

5) إعلام عمومي مسؤول وغير متحيز يعكس كافة التوجهات المجتمعية.

لا يتسع المقام للتفصيل في هذه الأمور، ولكن اردت فقط أن أبين بالمثال الجانب العملي الإجرائي في مشروع الإمام رحمه الله.

سؤال أخير. كيف تلقيتم نبأ توقيع الدولة المغربية على التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني؟

كما تلقاه عامة المغاربة والمسلمون الأحرار في كل أنحاء العالم. حزن بالغ وتأثر شديد انتابنا. وشعور بالحسرة على درك الهوان الذي أوصلنا إليه حكامنا ومن لف لفهم ويسير في ركابهم. وسيبقى هذا اليوم، يوم الثلاثاء 22 دجنبر 2020 الذي تم فيه التوقيع على تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الإسرائيلي موشوما في ذاكرة المغاربة لما جلب على المغرب وأهله وتاريخه من عار. إنه توقيع على الخراب، توقيع على الذلة والهوان. لقد باعوهم الوهم، ووعدوهم السراب. ويا للعجب كيف نسي حكامنا تاريخ الصهاينة القريب قبل البعيد وجرائمهم وقتلهم الأبرياء في فلسطين وإخراج أهلها منها، وكيف أنه مما يميز سلوكم السياسي أنهم يعدون ولا يوفون، ويبحثون عن الصفقات والاتفاقيات ولا يرضون منها إلا ما كانوا فيه الرابح الأكبر إن لم أقل الأوحد. وستبدي الأيام للمغفلين ما في هذا الطعم من سم ناقع. ويحز في النفس أن من تولى التوقيع من الجانب المغربي مسؤول بارز من حركة إسلامية كانت تؤكد في كل تصريحاتها أن فلسطين أمانة والتطبيع خيانة وخذلان للفلسطينيين وللأقصى والقدس الشريف. ويزداد المرء حزنا وأسفا حين يسمع تبريرات من يبرر ما لا يبرر. اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان. ندين التطبيع مع كيان الاحتلال بكل قوة، ونرفضه رفضا باتا، ونبرأ إلى الله ممن يرضي به أو يلتمس العذر له.