يتحدث العلماء في أبحاثهم العلمية والفكرية عن الأبعاد الكونية. ففي بداية أبحاثهم اكتشفوا ثلاثة منها، وهي: الطول والعرض والارتفاع. ثم ما لبثوا أن اكتشفوا بعدا رابعا وهو: بعد المكان. بعد ذلك اكتشفوا بعدا خامسا وهو: بعد الزمان. ومع تطور الأبحاث اكتشفوا بُعدا سادسا وهو: بعد الحياة: أما آخر هذه الأبعاد اكتشافا فهو بعد الإنسان. لأن كل الأبعاد الأخرى بدون هذا البعد الإنساني (la dimension humaine) لا معنى لها. وبهذا أصبح الإنسان يحظى باهتمام كبير عبر التاريخ دراسة وتحليلا وبحثا. وذلك لأنه يمثل مركز الكون الرئيسي ومحوره الأساسي، أما باقي الأبعاد فتبعا له بالتسخير تدور حوله ومن خلاله ومن أجله.

تخليدا للذكرى الثامنة من وفاة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، أحببت أن أشارك بما فتح الله لي من أفكار في هذا الموضوع. فأقول وبالله التوفيق:

إن الفكر المنهاجي يتضمن هو أيضا الحديث عن هذه الأبعاد، لكنه يركز بالدرجة الأولى على البعد الإنساني. ويربط به أبعادا أخرى تجعل منه بعدا إنسانيا أكثر قيمة وأجلّ معنى. منها: البعد التربوي، والدعوي، والتنظيمي، والحركي، والتعليمي، واللغوي، والفني. إذ نجد مجمل ما جاء في فكر الإمام رحمه الله تعالى من أفكار وتصورات إما تتحدث عن الإنسان، عن معناه في الوجود كمخلوق مكرم له مبتدأ في الماضي، وله وجود في الحاضر، وله مصير في المستقبل. وإما تتحدث مع الإنسان في خطاب مباشر وغير مباشر باعتباره مسؤولا له كرامة وحرية يحمل رسالة يراد منه تبليغها، وباعتباره فاعلا في التاريخ له إرادة وعزم يبني أمة ويصنع حضارة. وإما مدافعا عنه باعتباره مظلوما ومحروما ومقهورا.

 ففي الوقت الذي نجد فيه الأفكار والتصورات والاتجاهات الأخرى تهتم بحقيقة الأشياء وبتاريخ الحضارات وصناعتها، وبقيامها وزوالها، نجد الفكر المنهاجي أعظم من ذلك فهو يهتم بحقيقة الإنسان ذاته المالك لهذه الأشياء والمتحكم فيها، والصانع لهذه الحضارات والفاعل فيها. وفرق شاسع بين من يهتم بالفاعل وبين من يهتم بالمفعول، بين من يهتم بالمركز وبين من يهتم بما يدور حوله. يقول رحمه الله تعالى: “إن شريعة الله التي يحاول تكديرها دخلاء الفكر لقطاء العقيدة هُجناء التكوين تركز على الإنسان ورخاء الإنسان في الدنيا رخاء يسهل عليه الرحلة السعيدة إلى الآخرة” 1.

الاهتمام بالبعد الإنساني

 وهذا الاهتمام بالبعد الإنساني الذي بات حاضرا بقوة في فكر الإمام رحمه الله تعالى اعتمد منحنيين:

– المنحى الأول له بعد إنساني فردي، يهدف إلى خلاص الإنسان في ذاته الفردية من الأنانية وطغيانها. وقد حاول الإمام رحمه الله تعالى في هذا المنحى أن يرسم له برنامجا يتوخى إعادة الإنسان إلى فطرته السليمة. وذلك من خلال إعادة ترتيب تركيبته القلبية والعقلية والنفسية. ولإعادة هذا الترتيب الفطري الذي يحتل فيه القلب الصدارة والعقل الوزارة والنفس التبعية الكاملة ركز كثيرا في هذا البرنامج على البعد التربوي الذي أُفقه ومطمحه الإحسان، الذي هو أعلى درجات الدين ومراتبه، فوق الإسلام والإيمان.

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (5)

– المنحى الثاني له بعد إنساني جماعي يهدف الى خلاص الإنسان في ذاته الجماعية (الإنسانية) من الاستبداد والطغيان. وقد حاول الإمام رحمه الله تعالى في هذا المنحى أن يرسم كذلك برنامجا يهدف إلى تغيير الحياة الإنسانية من الفوضى العارمة والعنف المتفشي إلى العدل الشامل والسلام العالمي. ولتغيير هذه الحياة الإنسانية لا بد من البدء من تغيير هذا الإنسان وبنائه وتحريره، وربط مصيره الفردي بمصيره الإنساني الجماعي.

مظاهر البعد الإنساني

أما إذا بحثنا في أهم مظاهر هذا الاهتمام بالبعد الإنساني في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى فنجد:

1– حديثه عن الإنسان، ويتمثل في كونه:

–       تحدث عن الإنسان لبيان أصله الحقيقي أنه مخلوق مكرم خلقه الله تعالى وليست الطبيعة التي خلقته، وأن له قلبا غير القلب الصنوبري، وظيفته أن يُلقي السمع وهو شهيد، وله عقل غير العقل المعاشي وظيفته أن يخضع لهذا القلب ويجلس إلى منبر الوحي ليتتلمذ ويتعلم. ثم رتّب فيه عناصر فطرته المكونة من القلب والعقل والنفس حتى تكون فطرة سليمة.

–       تحدث عن الإنسان في سياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي، كيف كان فاعلا إيجابيا، وهو نبي ورسول من عند الله تعالى، وهو داعية إلى الله وإلى دينه القويم، وهو شاهد بالقسط ومجاهد في سبيل الله تعالى. كما تحدث عنه أيضا كيف كان فاعلا سلبيا، وهو فرعون وهامان وقارون يحاربون الله ورسوله ويصدون عن سبيل الله تعالى.

–       تحدث عن الإنسان وهو يستعمل جميع المصطلحات والمفاهيم المرتبطة به، والتي تخدم قضيته وتعلي من شأنه. مصطلحات ومفاهيم جعل منها جسرا متينا يلتقي عليه رواد وأصحاب الفكر الإنساني قصد التواصل والتعاون والحوار. يقول رحمه الله تعالى: “نمدّ لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم” 2. من هذه المصطلحات نجد: الضمير الإنساني، التراحم الإنساني، الأخوة الإنسانية، المجتمع الإنساني، الكياني الإنساني، النوع الإنساني، الميثاق الإنساني…

2– خطابه للإنسان: ويتمثل في كونه:

–       خاطب الإنسان من حيث كونه إنسانا، بغض النظر عن دينه أو لغته، أو وطنه أو جنسه أو لونه. خاطبه ليعرفه بالغاية من وجوده في هذه الدنيا، وبمصيره الذي ينتظره بعد الموت. وذلك حتى يغير فيه أنانيته، ويحرره من عبوديته لغير الله تعالى، وليرتقي به من الدوابية إلى الإنسانية، ومن ثم إلى معانقته للكمال الإنساني. يقول رحمه الله تعالى: “الدعوة إلى الله تخاطب الإنسان من حيث كونه إنسانا في كبد، تستحثه للنهوض من الجهل بالله والقعود عن الجهاد في سبيل الله” 3.

طالع أيضا  تلاميذ المغرب يخرجون إلى الاحتجاج ويصرخون: لا لإهانة أساتذتنا

–       خاطبه ليكون المنطلق في كل تغيير للمجتمع الإنساني نحو السلام، وفي كل بناء للعمران البشري على التراحم، وفي كل تحرير للبشرية من الظلم إلى العدل والكرامة والحرية. كما خاطبه أيضا ليكون المنتهى من كل عملية تغيير أو بناء أو تحرير حتى تكون خاتمته هنا في الدنيا السعادة، وهناك في الآخرة الحسنى وزيادة.

–       خاطبه من كونه مسلما مؤمنا بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، ليذكره بالآخرة، وبما ينتظره بعد الموت من بعث ونشور وحساب، وبلقاء الله تعالى. خاطب أعظم ما فيه وهو قلبه، ليستنهض فيه همته حتى يسمع نداء الله تعالى المتكرر في القرآن الكريم بــــــ “يا أيها الذين آمنوا”، فينبري للاستجابة. يقول رحمه الله تعالى: “التربية الإسلامية تخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله. ثم ترفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة” 4.

–       خاطبه ليذكره بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، وبالأمانة العظيمة المكلف بتبليغها. خاطبه حتى ينقلع من أرض القعود والخمول لينزرع في أرض الإيمان والهجرة والنصرة والجهاد. وذلك بالكينونة مع المؤمنين الصادقين. وبالصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد. وبالجمع بين خلاصه الفردي وخلاصه الجماعي، وبالربط بين سلوكه الإيماني الإحساني وسلوكه الجهادي الحركي. بهذا سينجمع همّه بهمّ أمته، وصلاحه بصلاح أمته. ويصبح لبنة وسط اللبنات التي ستشد الصرح، وتعضد الصف، وتقوي البناء.

–       خاطب هذا الإنسان من حيث كونه رجلا له وظيفته، ومن حيث كونه امرأة لها وظيفتها، ومن حيث كونهما أبا وأما يحتضنان وسط الأسرة الأبناء والبنات يرجى منهما حفظ الفطرة السليمة من المسخ والتشويه، ويُعهد إليهما تربية الأجيال التي تكون في الموعد مع التاريخ.

3– دفاعه عن الإنسان: ويتجلى في كونه:

–       دافع عن الإنسان المظلوم والمقهور والمحروم والمكلوم، رجاء أن يَنعم بالأمن والحرية وينال حقوقه الإنسانية الكاملة، وعلى رأسها وأسماها وأعظمها حقّه في معرفة ربه. ودافع عن الإنسانية المعذبة بالمجاعة والأمراض والحروب، وذلك بالدعوة إلى سيادة القيم الأخلاقية والإنسانية، وببسط روح التعايش السلمي. مؤكدا على مشروع حلف إنساني عالمي وذلك من خلال وضع “ميثاق إنساني” بعدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، وعلى حرية الإنسان. يقول رحمه الله تعالى: “إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان” 5.

طالع أيضا  احتجاجات وفيضانات.. عندما يلتقي الواقع والقدر لفضح فسادٍ مستشرٍ (تقرير)

–       دافع عن قضايا الإنسان في تحرير أرضه وتقرير مصيره، وصناعة مستقبله، محليا ودوليا وعالميا. كما ندد بموازاة ذلك بكل الاعتداءات التي وقعت ومازالت تقع على الإنسان وعلى فكره وحياته وبيئته ومجاله الحيوي. يقول رحمه الله تعالى: “إننا لا نرضى بهيمنة الدول العظمى على العالم، ولا باستعباد الإنسان وهضم كرامته وحقوقه الآدمية، ولا بطحن جسم الإنسان ووقته بين عجلات الإنتاج والاستهلاك، ولا بتشويه نفس الإنسان وحياته الفكرية والعاطفية بالثقافة المنحلة المخدرة العنيفة” 6.

–       دافع عن الإنسان من منطلق تحرير مقدساته، وعلى رأسها القدس الشريف وكافة أراضي فلسطين. فكما جعل رحمه الله تعالى قضية الإنسان مركزية في فكره، فكذلك جعل قضية فلسطين قضية مركزية لأنها مرتبطة بهذا الإنسان ارتباطا وثيقا، إذ لا يتمّ تحريره الكامل إلا بتحريرها. يقول رحمه الله تعالى: ” تحرير الإنسان من ظلم الطبقية، وتحرير أرض المسلمين من العدو الصهيوني الجاثم على أعز بقعة من بلادنا يعنيان عندنا مصير العزة أو مصير الهوان، مصير كل واحد منا عند الله، ومصير هذه الأمة في التاريخ” 7.

خاتمة

     لم يكن من الغرابة أبدا، إن وجدنا هذا البعد الإنساني حاضرا بقوة في فكر الإمام رحمه الله تعالى، فإنه يكفي لهذا الاستغراب أن يختفي بمجرد أن نعلم أنه كان رحمه الله إنسانا بلغ من الكمال الإنساني ما بلغ. فقد عاش إنسانا ومن أجل قضايا الإنسان العادلة. ويمكن أن نلخص هذه القضايا الجوهرية في حق حرية الإنسان وكرامته. قال رحمه الله تعالى: “إن الدفاع عن حرية الإنسان وكرامته مشروع المستقبل وقضية مقدسة” 8.

   نعم فقد عاش بأن يكون لهذا الإنسان دين يحدد به هويته، وبأن تكون له أسرة مستقرة يحيى فيها حياة طيبة، وبأن يكون له وطن آمن يحيى فيه حياة كريمة، وبأن تكون له أمة عزيزة يعبر بها عن انتمائه، وبأن يكون له عالم يعيش فيه إنسانيته بسلام. ومات رحمه الله تعالى إنسانا دون أن يتنازل عن إنسانيته ومبادئها العظيمة. رحم الله الإمام رحمة واسعة ورحم الله جميع من سبقه ومن مات بعده وهو إنسان وعاش من أجل قضية الإنسان العادلة.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج1، ص:108.
[2] عبد السلام ياسين، الإسلام والحداثة، ص:22.
[3] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص:33.
[4] نفس المرجع والصفحة.
[5] الإسلام والحداثة، ص:22.
[6] المنهاج النبوي، ص:26.
[7] المنهاج النبوي، ص:25-26.
[8] الإسلام والحداثة، ص:23.