تخلد جماعة العدل والإحسان هاته الأيام الذكرى الثامنة لرحيل المرشد والإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، ومن بين فقراتها تنظيم المؤتمر العلمي الثالث تحت إشراف مؤسسة الإمام حول موضوع: “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، حيث جسد المؤتمر محطة تربوية وعلمية وفكرية وإنسانية جد معبرة ومؤثرة.

ولعل المتتبع لأجواء هذا المؤتمر وسياقه ومجرياته ومحاوره وفقراته ومضامينه ومخرجاته يستشعر مجموعة من اللطائف ويستشفّ العديد من الرسائل، فمن حيث السياق انعقد المؤتمر في ظل انتشار فيروس كورونا وتداعياته الاقتصادية والسياسية على الأمة والإنسانية. حيث تفاقمت الأزمات، وكشف ذلك عن استفحال الأنانيات وفضح تعالي الاستكبار العالمي، مما يؤكد حاجة البشرية الملحّة لأخلاق الإنسانية وتفعيل المشترك الإنساني، وهذا من أهم الأهداف والمعاني التي سعت محاور المؤتمر إلى التداول فيها. ومن جهة أخرى يؤكد انعقاد المؤتمر في هذه الظروف على تجديد العهد والوفاء للإمام المجاهد رحمه الله الذي سيظل حيا في قلوب أجيال من هذه الأمة باعتباره رمزا من رموز التجديد والتربية والدعوة الرحيمة الرفيقة بالإنسان.

وقد حرص فضيلة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام للجماعة في الكلمة التي ألقاها على هذا المعنى عندما أكد أن من مقاصد هذا المؤتمر الترحم على الإمام الذي كان سببا فيما نحن فيه من خير، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بمكافأة من يسدي المعروف للناس، قائلا: “من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتموه”، وأشار إلى أن الإنسان قد يكافئ إنسانا آخر أسدى إليه معروفا ما “ولكن كيف تكافئ مَن دلَّك على الله، مَن غرس الإيمان في قلبك؟ مهما بذلنا ومهما حاولنا أن نكافئه فلا نستطيع، نسأل الله سبحانه وتعالى عز وجل أن يجازيه عنا وعن دعوته خيرا”.

أما بخصوص مجريات المؤتمر فرغم قلة ذات اليد والحصار المضروب على الجماعة، فلا يملك المقصر مثلي إلا أن يحمد الله عز وجل على ما أنعم به وتفضل من توفيق وتسديد وبركة في الجهد والعمل والهندسة التقنية والإعلامية التي كانت بفضل الله تعالى في أجمل حلة وأبهى صورة، والحمد لله رب العالمين.

طالع أيضا  منظمة دولية: وضعية حقوق الإنسان بالمغرب ازدادت تدهوراً في 2020

وقد تابع المؤتمر آلاف من المشاهدين من داخل المغرب وخارجه. ومما يسجله المتتبع للمؤتمر، الحرص على الانضباط للإجراءات والتدابير الاحتياطية المقررة لمواجهة فيروس كورونا، من تباعد وارتداء للكمامات وتوفير مستلزمات التعقيم، وهذا يحسب للجماعة قيادة وأعضاء.

أما بخصوص محاور المؤتمر وفقراته، فقد كانت فرصة لاجتماع العديد من الأكاديميين والعلماء والمفكرين من عدة بلدان وبلغات متعددة لمدارسة مشروع الإمام في بعده الإنساني، وقد تابعنا كيف يقدر الآخر هذا الرجل، الذي ليس ملكا للجماعة فقط، بل كان رحمه الله كما قال السيد الأمين العام في كلمته “مِلك للمسلمين ومِلك للأمة جمعاء، علينا أن ننشر دعوته في الآفاق، فمشروعنا مشروع دعوة، ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي رحمة وعطف وشفقة وتدرج وإحسان إلى خلق الله سبحانه وتعالى عز وجل. هذه المعاني كان الحبيب المرشد يعيشها، الشيء الذي دفعه إلى أن يخاطب البشرية جمعاء من خلال ما كتب، يدعوها إلى الله سبحانه وتعالى عز وجل، يدعوها إلى إقامة العدل، ويدعوها إلى التعاون على ما فيه صلاح الدنيا والآخرة”.

أما فيما يتعلق بمضامين المؤتمر ومخرجاته، فالملاحظ أن المداخلات والتعقيبات سلطت الضوء على مشروع الإمام المجدد من خلال أوراق وبحوث علمية محكمة ودقيقة تخاطب العقل والقلب، وتناظر الآخر من زاوية تخصّصية أكاديمية بحثية، مما يؤشر على تحول نوعي مهم في التعاطي مع مشروع الإمام وفكره، الذي أصبح اليوم يتجاوز حدود الجلسات التربوية والتعليمية واللقاءات الداخلية والمقالات والتدوينات، لينطلق في آفاق البحث العلمي الرحبة، وأصبح يكتسي اعتبارا أكاديميا علميا دوليا. وقد أصبغ التركيز على مضمون البعد الإنساني في فكر الإمام في سياق ما تعيشه الإنسانية من أنانيات مستعلية وصراعات متأججة على المؤتمر تميزا آخر في ظل هذه الظرفية، لا سيما وأن مخرجات المؤتمر التي تمثلت في كلمته الختامية وفي التوصيات الصادرة عنه ركزت بشكل كبير على ضرورة التداعي إلى ميثاق إنساني يكرس العدل الدولي ويعزز التراحم الإنساني.

طالع أيضا  هكذا حبَّبنا الإمام ياسين في رسولنا الكريم (7)