إن المجتمع الذي ينشده الأستاذ ياسين هو مجتمع العمران الأخوي، الذي يبنى على المحبة والأخوة والتعاون، وينبذ الأنانية المستعلية والذاتية المقيتة، يقول الأستاذ ياسين في كتابه إمامة الأمة إن “دخول دولة القرآن في الساحة لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدولية، فليس من صالح الدعوة الإسلامية، وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن، أن يزداد العنف، وغمط الحقوق، وظلمُ العباد. بل يصلحها أن يسود الاستقرارُ والسَّلمُ ورعاية المصالح المشروعة لكل الدول، بإدخال الدولِ الكبرى التي يجب أن نساهم في الضغط عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال، لينشأ جوُّ الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان” 1.

إن مرد تخلف الإنسانية عند المفكر عبد السلام ياسين هو راجع إلى تخلف في الروح والقيم، وليس تخلفا في الماديات والأدوات، فحين تتحكم المصالح والأغراض الحزبية أو الشخصية فقط في السياسة، تصبح السياسة تراجيديا مقرفة جدا وسيئة للغاية، وهكذا دحض كتاب (ما وراء السياسة) لمؤلفه الدكتور إدريس مقبول، من خلال حفرياته المعرفية في الفلسفة السياسية للأستاذ عبد السلام ياسين، مزاعم وزيف أفكار الحرية والمساواة الإنسانية بكشف هيمنة الليبيرالية، ومركزية الماركسية، ووحشية النازية… إذ ظل الإنسان غارقا وسط منظور انشطاري، وتجربة تخلو من سمو المعنى ليسقط في العدمية والعبثية وموت الضمير.

هكذا يقترح الأستاذ عبد السلام ياسين مشروع العمران الأخوي الذي يحفظ للإنسان كرامته الآدمية، ويسعد فيه باكتشاف معنى وجوده، وينال فيه حقه الأسمى في معرفة خالقه المحرر له من عبودية الخلق وهذا ما أكده البيان النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم: “لن يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” 2.

وفي الاتجاه نفسه يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه حوار مع الفضلاء الديموقراطيين: “اقترحنا على أنفسنا وعلى الانسان الرخاء في الأرزاق والعدل في القسمة ومعهما الإحسان والأخوة الإنسانية” 3.

طالع أيضا  رسالة الأدب.. رسالة القرآن نحو رؤية أدبية تجديدية.. قراءة في كتاب المنظومة الوعظية (3)

ونظرا لمحورية الرحمة والرفق وحسن الخلق مع الخلق في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وفي منهجه الدعوي، خصص لهما في كتابه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، شعبة عنونها باسم شعبة الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق، حيث دعا من خلالها إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه وأناته وصبره وشفقته على الخلق، حيث قال: “يكون من صلب التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأناته، وصبره، وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى. فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير. وفي السيرة المطهرة أمثلة رفيعة لرفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس دينهم، وتدرجه بهم، وحلمه على ذوي الطباع الخشنة وقليلي الفقه” 4.

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين أيضا في مجلة الجماعة في الشعبة الحادية والثلاثين: سلامة القلب “حظ المرء من الله تعالى يتوقف على مدى استعداده القلبي لتلقي الرحمة والهدى. هناك استعداد وهبي عام قدره الله وفطر عليه، وهناك استعداد كسبي والكل من الله الكريم الوهاب ومن الاستعداد الكسبي استشفاء القلب وتطهيره، وتعريضه لنفحات الرحمة الإلهية… من كان همه الله، وضابطه الشرع، ومنهاجه الاتباع، لا يحسد ولا يعادي المسلمين ولا يهجر ذوي صحبته وقرابته، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه” 5.

كما جعل الإمام رحمه الله الخصلة الثامنة من خصال المنهاج التؤدةً، ويعني بها من بين ما يعنيه الرفق والتريث والتثبت وعدم استعجال قطف النتائج، والعفو وحقن الدماء، وأورد فيها كلاما نفيسا جدا عن الدولة الإسلامية بعد التمكن، وكيف يجب معاملة المخالف بمقتضيات الرحمة والرفق والشفقة والعفو والتسامح حيث قال: “والتؤدة أساساً وبالمعنى الأوسع هي الرفق في مقابل العنف. وإن القائد المجاهد في غد الإسلام إن لم يسلك سبيل التدرج البطيء بما فيه الكفاية، والرفق بالناس ريثما تتم التعبئة ويحمل كل مسلم نصيبه من الحِمْل العامِّ الوشيك أن يتخبط ويتعرض للأخطاء الكثيرة التي تذهب الثقة من الأمة وتقتل روح المبادرات. إن صعوبة تغيير العادات، ومشاكل الاقتصاد، ومشاكل المظالم، ومشاكل البناء بدت لنا في تخبطات الملك وتردداته وأساطير دعايته. فإن تاب غداً وبايعنا بعهد مجدد فلن نطلب إليه أن يحقق المعجزات بين عشية وضحاها، بل نطلب إليه التريث والتثبت ومتانة البناء وملك النفس. فمن لم يملك نفسه لا يملك أن يبني أمة” 6.

طالع أيضا  برومو الذكرى الثامنة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

فبناء أمة قوية متينة، يقتضي منا بناء رجال ونساء دعاة لا قضاة، يقتضي منا بناء رجال ونساء ينشدون الزين ولا يريدون الشين، قدوة وأسوة بمعلمنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه” 7.

الرفق زين والعنف شين، دعوة شريفة إلى الرفق مع الأهل والولد والمجتمع والجيران والناس أجمعين، سواء كانوا أصدقاء أو خصوما، دعوة إلى التراحم والتلاحم واللين، دعوة هي إلى التأسي بأخلاق الإسلام الذي من معانيه الكبرى الرفق والرحمة والمحبة والسلام، فمهما كانت ضغوطات الحياة وصعوباتها، ومهما كانت درجة الاختلاف في وجهات النظر والرؤى والتصورات، فعلى الإنسان أن يعيش معاني المحبة والسلام والإخاء والرحمة في نفسه، فمن لا يتمثل تلك المعاني في سلوكه ومعاملاته وأخلاقه لا يمكن أن يكون قدوة للناس ولا يمكن أن تجتمع عليه قلوب وأفئدة الخلق ولن يكون له الخالق نصيرا.


[1] كتاب إمامة الأمة.
[2] رواه البخاري ومسلم.
[3] حوار الفضلاء والديموقراطيين.
[4] المنهاج النبوي.
[5] مجلة الجماعة الشعبة الحادية والثلاثون.
[6] المنهاج النبوي.
[7] رواه مسلم.