توطئة
قصيدةٌ نَظَمْتُها إحياءً للذّكرى الثامنة لرحيل الخليل الأصيل الجليل، وعلى شَرَفِ حُضور فعاليات المؤتمر الثالث حول مائدة: “البُعْد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: عبد السلام ياسين نموذجا” تحت إشراف مؤسسة الإمام المجدد رحمه الله، وأجزل له المثوبة والعطاء، وجعلَنا مَعَهُ على عهد الوفاء والفِداء إلى أن نلقى الله في دار الجزاء في رفقة النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وجوار سيد الأولين والآخرين والحمد لله رب العالمين.

إِذا ما ذَكَرْتَ حَبيباً خَليلا ** أَعِرْني مِنَ الصَّبْرِ رَحْباً جَميلا
فَدَمْعي على الخَدّ يَهْمي سُيولا ** ونَبْضُ فُؤادي يُحاكي الطُّبول
أَتَذْكُرُ شَهْماً شَريفاً عَفيفاً ** ولا يَحْزَنُ القَلْبُ حُزْناً وَبيلا 1
أَتَذْكُرُ طَوْداً بِرِقَّةِ وَرْدٍ ** وأَنْسى جَليلاً وجِسْماً نَحيلا
عَزيزاً على الكافرين شديداً ** حَريصاً على المؤمنين ذَليلا
أَتَذْكُرُ عِلْماً وفَهْماً وعَزْماً ** ومَن كان أَتْقى وأَرْقى مُيولا
ولا أَحْتَسي كَأْسَ يُتْمٍ وهَمٍّ ** ولم اُلْفِ بَعْدَ خَليلي مَثيلا
أَتَذْكُرُ سَمْحَ السَّجايا فأَسْلو ** جَميلَ العَطايا فأَنْسى الجَميل
أَتَذْكُرُ نَجْلاً لِخَيْرِ البَرايا ** أَباً لِرَواحِلَ زانَتْ خُيولا
وزَوْجاً كَريماً رحيماً وَدوداً ** وصِهْراً عَطوفاً حَنوناً وَصولا
وَجَدّاً لِكُلِّ الصَّبايا قَريباً ** مِن النّاسِ حازَ الرِّضى والقَبول
وتَرجو مِنَ الصَبِّ إخمادَ نارٍ ** وهل أَدْمُعُ العَيْنِ تَشْفي الغَليل؟!
أَتَذْكُرُ ما يَذْكُرُ الحِبُّ وَجْداً ** وتَأْبى عَلَيَّ البُكاءَ عَويلا
وتَعْذِلُ مَن هاجَ حالاً فَأَنَّ ** وحَنَّ إلى ما غَدا مُستحيلا
وتَسْمَعُ خُطْبَةَ ناثِرِ دَقْلٍ ** وتَقْرَأُ ما يُخْجِلُ العَيْنَ قيلا
وتَرْضى بِما ليسَ يُرْضي شَغوفاً ** بِضادٍ شَكَتْ خِسَّةً وذُبولا
وقَدْ كُنْتَ تَسْمَعُ مِنْهُ رَفيعاً ** وتَقْرَأُ عِلْماً يُداوي العَليل
وكيفَ تَرى الشَّذَراتِ قَريضاً ** كَماءٍ مَعينٍ جَرى سَلْسَبيلا
وَقَطْفاً مِن الشِّعْرِ سِحْرَ بَيانٍ ** وحِكْمَةَ فَحْلٍ يَبُذُّ الفُحول
ولا تُلْجِمِ الفَمَ عَن نَظْمِ رَثٍّ ** أَتَرثي بِهَشٍّ مَثيلاً أَصيلا
أَتَذْكُرُ تَطْبيعَ صُمٍّ وعُمْيٍ ** عَنِ الحَقِّ حادوا وضَلّوا السَّبيل
وتَنْسى هُماماً بِمِنهاجِ طَهَ ** غَدا مُرشِداً قائِماً ودَليلا
بِوَعْدِ الخِلافَةِ كانَ وَفِيّاً ** وبـ”العَدْلِ” 2 وافى وأعطى حُلولا
وأَحْسَنَ لم يَنْتَصِبْ لانْتِقامٍ ** وظَلَّ العَفُوَّ الرَّفيقَ النَّبيل
إلى أَن قَضى نَحْبَهُ ذاتَ يَومٍ ** فَطابَ مُقاماً وطابَ رَحيلا
أَتَمْدَحُ مَنْ يَظْلِمونَ الرَّعايا ** ومَنْ قَهَروا الشَّعْبَ دَهْراً طَويلا
وتُثْني عَلى مَنْ تَوَلّى الأَعادي ** وكانَ لِمَسْرى النَبِيِّ خَذولا
فَدَعْني فلَن يَخْرِقَ الأَرْضَ وَطْءاً ** ولَنْ يَبْلُغَ الطَّوْدَ هَيْهاتَ طُولا
وتَنْسى رِسالةَ بَرٍّ أَمينٍ ** ولَوْلا العِنايَةُ أَمْسى قَتيلا
دَعا بِاحْتِرامٍ لِتَوْبَةِ مَلْكٍ ** فَلَمْ يُلْفِ إلاّ النَّكالَ قَبيلا
وأوذِيَ في الله سِجناً وحَصْراً ** فَما كَلَّ سَعْياً ولا الصَّبْرُ عِيل
أَتَذْكُرُ مَنْ خانَ أو هانَ سُحْقاً ** ومَن صارَ للرَّكْبِ ظَهْراً ذلولا
يقولُ متى النَّصْرُ طالَ انتِظاري ** وكانَ ابنُ آدَمَ غِرّاً 3 عَجولا
وتَنسى قِياماً رُكوعا سُجوداً ** لِرَبِّ الوَرى بُكْرَةً وأَصيلا
أَلا فَاصْبِرِ النَّفْسَ مَعْ خَيْرِ صَحْبٍ ** ولا تَلْتَفِتْ عَن هُداهُم قَليلا
فَما عِنْدَ رَبِّكَ خَيْرٌ وأَبْقى ** ورَبُّكَ خَيْرٌ وأَبْقى بَديلا
جَزى اللهُ مَن ذَكَّرونا بِفَحْلٍ ** فَواسَوْا قُلوباً وزَكَّوْا عُقولا
بِمُشْتَرَكٍ آدَمِيٍّ أَشادوا ** بِناءً يُحيلُ الشُّعوبَ قَبيلا
ولِلمُتَّقي حُظْوَةٌ وامْتِيازٌ ** عَنِ النّاسِ نُورا وأَجْراً جَزيلا
صَلاتي سَلامي عَلَيْكَ حَبيبي ** بُعِثْتَ أَميناً نَبِيّاً رَسولا
فَكُنْتَ رَحيماً عَلَيْنا حَريصاً ** وَخَلَّفْتَ فِينا الرَّشيدَ سَليلا
فلَيْسَ لَنا مِنْ جَزاءٍ كِفاءٌ ** فهل يُجْزِئُ العُذْرُ عَنّا فَتيلا
بِأَوْفى صَلاةٍ وأَزْكى سَلامٍ ** وإِلاّ فَحَسْبي إِلَهي وَكيلا

طالع أيضا  من دلالات البعد الإنساني في فكر الإمام.. مطلب الكرامة الآدمية هو الحق الخالد

ذ. منير ركراكي
ذكرى الوفاء الثامنة
فاس السبت 4 جمادى الأولى 1442ه/ الموافق لـ 19 دجنبر 2020م


[1] الوَبيل: الشَّديد.
[2] أي كتاب العدل للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.
[3] الغِرّ: الغافِل، قليل التجربة.