في ظروف استثنائية جراء تداعيات جائحة كورونا على مختلف المجالات الحياتية للبشرية جمعاء؛ ظروف تزداد حدة استثنائيتها في ظل أنظمة استبدادية كشف الوباء سوءات تدبيرها غير الراشد، وانفضح زيف الشعارات، وتبخر وهم الوعود التنموية، فلا صحة، ولا تعليم، ولا مناعة لاقتصاد ريعي لمقاومة تداعيات الجائحة؛ في هذه الظروف ينضاف إليها استمرار الاستهداف المخزني الممنهج للقوى الحية في المجتمع تكميما للأفواه، ومصادرة للحق في إبداء الرأي والتعبير السلمي، فصدر النظام أضيق من أن يتحمل خروج مئات من المواطنين احتجاجا على مقايضة الوحدة الترابية بالتطبيع مع الكيان الصهيوني؛ في هذه الظروف الاستثنائية تأبى جماعة العدل والإحسان إلا أن تخلد عن بعد الذكرى الثامنة لرحيل مؤسسها ومرشدها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بتنظيم مؤتمر علمي هو الثالث لبسط مشروع الإمام التغييري تحت عنوان: “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، من خلال جلسة افتتاحية وختامية وأربع جلسات علمية تناولت القضايا الآتية:

1.    الأصول والمفاهيم المؤسسة لرسالة الرحمة في العالمين.

2.    بناء الإنسان وحوار المشاريع الفكرية والحضارية.

3.    المشترك الإنساني في فكر الإمام عبد السلام.

4.    البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: نماذج ومقاربات.

وإذ نترك لتقارير الجلسات العلمية عرض المضامين والتوصيات، يرصد المقال بعض الدلالات والإشارات عن الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المرشد، ومنها:

حرص الجماعة على تخليد الذكرى الثامنة في هذه الظروف الاستثنائية عنوان للوفاء والعرفان لمؤسسها ومرشدها جدد الله عليه الرحمات، وتجديد للعهد وشحذ للهمم على المضي قدما في تنزيل المشروع التجديدي الذي ندب الإمام المرشد حياته للتقعيد له ورعايته وبلورته. ومن مقاصد الذكرى يقول الأمين العام للجماعة الأستاذ محمد عبادي في الكلمة الافتتاحية: “تجديد النية والعزم على المضي قدما لتحقيق هذا المشروع؛ مشروع العدل والإحسان”.

تخليد الذكرى فرصة لتعريف الأجيال الشابة بالإمام المرشد وما أسداه من خِدمات جليلة لدين الله ودعوته، وهو فرصة لتعريف الناس في المغرب كما في خارجه بمشروع الرجل التربوي أساسا. فـ“الإمام المرشد رحمه الله ليس مِلكا للجماعة فهو مِلكٌ للمسلمين ومِلكٌ للأمة جمعاء، علينا أن ننشر دعوته في الآفاق”.

تخليد الذكرى في صيغة مؤتمر علمي للمرة الثالثة يؤكد الانتقال من رجل المشروع إلى مشروع الرجل، وهو ما يؤشر على تجاوز الجماعة لخطاب العواطف والمشاعر إلى خطاب العقول وفسح المجال لأهل الاختصاص لتناول مشروع الإمام المرشد بالبحث والتدقيق، فقوة مشروعه التغييري في تأسيسه على قواعد ومرتكزات علمية أصيلة.

طالع أيضا  صناعة الحرية.. كتاب ماتع يقرأ فيه الدكتور الفراك التجربة السجنية للأستاذ عبد السلام ياسين

تنوع المتدخلين جنسية ولغة وثقافة مؤشر على تجاوز مشروع الإمام المرشد رحمه الله حدود المحلية والقطرية وبلوغ مستوى طيب من العالمية على الرغم من مسلسلات الحصار والتضييق والمصادرة.

إن المتتبع لفعاليات الذكرى وما عرض فيها من أوراق اعتمدت في انتقائها معايير علمية معتبرة تدل على أن جهود الإمام المرشد في التحفيز على طلب العلم وصناعة الأطر العلمية المؤهلة لحمل المشروع وتطويره والمنافحة عليه في المحافل العلمية أتت ثمارها الطيبة، فبالأمس القريب كانت العدل والإحسان “تتهم” بكونها جماعة الدراويش. وبالأمس القريب أسس رحمه الله منتدى لكتبة وتعهده حتى استوى مؤسسة علمية فكرية وأثمر أطرا علمية مشهودا لها بالكفاءة والأهلية العلمية.

تخليد الذكرى وتصريف فعاليتها عن بعد وبهذا التحكم في ناصية تقنيات الإعلام التقني وبإمكانيات متواضعة، أمّنت النقل والتفاعل المباشر مع فقرات المؤتمر من كل القارات -فليس أبعد من الهند- دليل نجاح آخر للجماعة في هذا المجال الحيوي، وحضور معتبر لها في العالم الرقمي لا يمكن تجاهله.

الالتزام بالتدابير الوقائية من الوباء الكوفيدي لأعضاء الجماعة الذين تابعوا فعاليات الذكرى من مختلف ربوع المغرب رسالة معبرة على انضباط الجماعة وانخراطها الإيجابي في التدابير ذات المصلحة العامة، وقد سُجل هذا الالتزام والانضباط في جميع أنشطة الجماعة وبرامجها التربوية والتكوينية.

موافقة لطيفة وتوفيق إلهي تمثل في اختيار “البعد الإنساني في فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين” موضوعا للمؤتمر؛ اختيار وافق هذا الشعور العام للإنسانية تحت وطأة الجائحة وفاتورتها الثقيلة من الأرواح للتضامن والتعاون الهادف المثمر استقرارا ورخاء وتآخيا تأسيسا لعمران أخوي اجتهد الإمام المرشد لوضع لبناته ومطالبه.

هذه إشارات سريعة عن فعاليات الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين جدد الله عليه الرحمات وجزاه الله خيرا على ما بذل وضحى، وصبر وربى، وقعّد وأصّل، وتعهد وتفقد، وجاهد وصدع بالحق واحتسب، فقد كان همه ومنتهى بغيته رحمه أن يوفقه الله ليكون للناس دليلا على التوبة وطلب وجه الله الكريم. يقول رحمه في كتاب الإحسان: “أنا أسعد الناس إن كان لشهادتي سامعون واعون هبوا من سبات الغفلة لصرختي هذه الهادئة، وتيقظوا يقظة القلب، وتجافوا عن الحياة الدنيا، وفزعوا إلى من يدلهم على الله حتى يعرفوا الله. أنا أسعد الناس إذاً إن حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتا يقول: من هنا الطريق، من هنا البداية”.