في الجلسة الرابعة من جلسات المؤتمر العلمي الدولي الثالث في فكر الإمام عبد السلام ياسين، الذي ينعقد بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيله رحمه الله، كان موعد المشاهدين والحضور مع جلسة غنية عرفت مداخلات بلغات أجنبية عدة، تحت عنوان: “البعد الإنساني عند الإمام عبد السلام ياسين بلغات مختلفة”، سيّر أشغالها الأستاذ مصطفى شقرون.

د. العناني: نحو نموذج قيادةٍ محورها الإنسان

في المداخلة الأولى تحدث الأستاذ حسن العناني باللغة الإنجليزية عن إشكالية “القيادة الأخلاقية في علام موّار”، محاولاً فهم تفاعل العالم تجاه الأزمة الأخلاقية الراهنة، وكذا اقتراح نموذج أخلاقي إحيائي يضع الإنسانية في مركز الكون، وفي طريق يؤهل سكان الأرض لبلوغ أعلى درجات الإحسان. ومزج المتحدث بين ثلاث مقاربات في عرضه للموضوع؛ مقاربة دولية من خلال إعلان الأمم المتّحدة العالمي لحقوق الإنسان، ومقاربة غير حكومية من خلال إعلان “نحو قيم عالمية”، ومقاربة فردية من خلال نموذج مركزية الإنسان الذي اقترحه الإمام عبد السّلام ياسين رحمه الله.

وتحدث الأستاذ بجامعة ويسكونسن بالولايات المتحدة الأمريكية عن أن جهود المنتصرين في الحرب العالمية من أجل تعميم نموذج أخلاقي على باقي العالم أدّت إلى صياغة إعلان عالميّ لحقوق الإنسان، مرجعيته الأخلاقية تدور حول فكرة أساسية، وهي أن قيمة الحياة الإنسانية تُنال فقط بالعمل الإرادي والهادف. وهدف الدول الموقعة كان الاتفاق على أن عالم ما بعد الحرب سيكون إنسانيًا، وأن التجاهل الصارخ لحقوق الإنسان سيكون شيئا من الماضي. ولكن يُظهر تاريخ النزاعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قليلا من الاهتمام بهذا الإعلان والاتفاقيات التي تلته، والأمثلة في ذلك لا تعد ولا تحصى. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الأمم المتحدة لا تقدم إطارًا أخلاقيًا للإنسانية التي تكابد ويلات الفساد والرأسمالية الوحشية، والانحلال الخلقي واليأس.

ويضيف الباحث أنه في الوقت الذي كان رد فعل الأمم المتحدة على النزاعات والحروب الكبرى خجولاً، اجتمع سنة 1993 الآلاف من ممثلي الديانات العالمية للمصادقة على إعلان “نحو أخلاق عالمية”، بدعوة من “برلمان أديان العالم”، وهو تجمع غير حكومي، وأعلن التزام أعضائه بالصدق واللاعنف والعدالة والمساواة في الحقوق والاهتمام بالبيئة. وقد قدم مفهوم “الأخلاق العالمية” لأول مرة من قبل الباحث الألماني هانز كونغ، للإشارة إلى بعض القيم والمعايير الأخلاقية التي تشترك فيها الأديان والثقافات المختلفة في جميع أنحاء العالم.

ويؤكد أنصار “الأخلاق العالمية” بأنها ليست ديانة جديدة، معتقدين أن “القاعدة الذهبية”: “عامل الآخرين كما تحب أن تعامل” موجودة في كل نظام عقائدي وفلسفة إنسانية، ويجب أن تكون أساس السلام والأخلاق في العالم. وتم اعتبار استجابة “الأخلاق العالمية” للمأزق الأخلاقي المعاصر بديلاً عن الأديان والمذاهب والعقائد، التي تم اعتبارها عقبات أمام حركة موحدة وفعالة لتشكيل مستقبل أخلاقي للعالم. ولكن اللغة “العلمانية” للإعلان واضحة للعيان، من خلال اختزالها الدين في جانب ضيق من الأخلاق المشتركة بين جميع المعتقدات.

وقد أعيقت جهود نشر “الأخلاقيات العالمية” من طرف نفس القوى التي عملت على التخفيف من حدّة تنزيل إعلانات ومواثيق للأمم المتحدة العالمية، يقول العناني.

دة. جغاليف: الرحمة للخلق أجمعين

أما المداخلة الثانية فقد اختارت “الرحمة” موضوعاً لها، حيث تحدثت الأستاذة سلمى جغاليف باللغة الإنجليزية في أربعة محاور عن معاني الرحمة أولا، ثم عن كيفية إرساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لنموذجها الكامل، وبعد ذلك تحليل من أين تنبعث هذه الرحمة وختمت بنصائح عملية لكيف نكون رحماء.

المتحدثة قالت أن الرحمة تُفهم أحياناً بأن تكون مغفلا أو غير واع، وأحيانا أخرى ضعفاً وانعداماً للثقة في النفس. ولكن الرحمة، بالعكس من ذلك، إشارة للقوة، للثقة، والقرب من الله عز وجل، وحب رسوله صلى الله عليه وسلم. الرحمة تعني العمل بحب، وعطف ومراعاة للآخرين. وتعني كذلك أن تكون مستمعا نشطا وكريما، وبكل بساطة شخصا عدلاً، مراعيا في خدمة خلق الله. ولهذا فمن الواجب إحياء معاني الرحمة.

وأشارت جغاليف إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسى النموذج المثالي للرحمة لكل شيء خلقه الله، مسلم وغير مسلم، للجميع بغض النظر عن اللون، أو العرق، أو الجنس. وأوردت العديد من الأمثلة التي تكشف رحمته صلى الله عليه وسلم. فكل قارئ صادق يقرأ سيرته سيكتشف أن شخصيته الشريفة تجلِ للقرآن، تجل للإحسان، تجل للعفو العالمي والرحمة التي يُخفق الكثيرون في فهمها.

وعن كيفية اكتساب الرحمة، أوضحت المتحدثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتسب قلباً رحيما من عبادته المتواصلة لله عز وجل ليلا ونهارا. فوصول الفرد لرحمة الله تتطلب قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يتحقق بعبادة الله وبصحبة في جماعة. والصحبة والجماعة هي أولى الخصال العشر للمنهاج النبوي التي جمعها الإمام عبد السلام ياسين لإحياء وتجديد الإسلام رحمة وهدى للإنسانية.

وختمت المتحدثة بتقديم بعض النصائح العملية التي يمكن اتباعها لترسيخ القيم والمعتقدات كي يكون الإنسان متسامحاً ورحمةً في وقت الكراهية والظلم. أولها: قو إيمانك بأن الرحمة من الله، وتوجه متقربا لرحمته بذكره الكثير. وثانيا، استحضر روح رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك مهم جدا في حياتك اليومية، باتباع سنته لزيادة القرب منه والزيادة في حب الله عز وجل. وثالثا، أحط نفسك بالمحسنين المستقيمين، وجاهد لتكون واحدا منهم. فقد قال الله عز وجل: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ.

 حمادي نايت الشريف: إعادة تعريف دور المسلمين بالغرب

أكد الدكتور حمادي نايت الشريف الأستاذ بجامعة بورنموث  ببريطانيا على أن هناك حاجة ضرورية لإعادة تعريف دور المسلمين بالغرب، وذلك من خلال بحثه في تاريخ وجود المسلمين في دول الغرب والمشاكل التي اعترضتهم في ذلك، معرجاً على إشكالية إدماجهم في هذه المجتمعات الجديدة عليهم، خاصة فيما يتعلق بعلاقة دينهم بالقيم الثقافية الغربية، خاتما مداخلته بالحديث عن أسس أخلاقية في الدين الإسلامي يذكرها الإمام عبد السلام ياسين من أجل تعزيز المشترك الإنساني، تعزيزا للسمو فوق اختلافنا الإيديولوجي أو الديني، والعمل معا لوضع وتعزيز قيم مشتركة.

طالع أيضا  نِعْمَ الواعظ.. هل من متعظ؟

بدأ المتحدث مداخلته بالتذكير بهجرة المسلمين إلى أوروبا التي تزايدت بعد الحرب العالمية الثانية بشكل ملحوظ ما جعل الدول الأوروبية تتعاطى معها بشكل مختلف؛ فألحت بعضها على ضرورة استيعاب المهاجرين لمجموعة من القيم المشتركة للدولة المضيفة كشرط للاندماج، بينما اختارت دول أخرى نوعا من الإدماج وتعدد وتسامح الثقافات. ويمكن تفهم تشكيك وحيرة المجتمعات المضيفة تجاه الطرق الفعالة لإدماج الدين الجديد نسبيا، فالعديد من المشاكل التي واجهها المسلمون في الغرب ذاتية.

فالعديد من الأكاديميين، والعلماء المسلمين أيضاً ، في نظر الباحث، يقترحون إسلاما يتوافق مع القيم الأساسية للإنسانية المعاصرة كحرية الإرادة، العقلانية، حرية التعبير، الديموقراطية الليبرالية، العالمية، التعاطف ونبذ العنف. في هذا الصدد، يعاد صياغة الإنسانية في حوار أخلاقي فلسفي غالب. مع العلم أن أسس أخلاقيات الإسلام تدعو كل إنسان لأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل مجالات الحياة.

ويضيف حمادي بأن العلاقة بين الإنسانية والدين في نقاش مستمر، فهناك توجه في أوروبا للتوفيق بين الإنسانية وقيم النصرانية، واستدل المتحدث هنا بالتعديل الدستوري في دولة النرويج سنة 2012 كمثال، حيث نص في مادته الثانية أن “قيمنا ستبقى ميراثنا النصراني والإنساني”. وفي هذا تقاطع مع الإسلام الذي يعد إعلانا معنويا (أخلاقيا) قويا متجذرا في قداسة (حرمة) الفرد والروابط التي توحد المجتمعات.

ويدعو الباحث المسلمين إلى العدول عن ثنائية التصنيف لدار الإسلام ودار الحرب، فالإمام عبد السلام ياسين في كتابه “العدل” يدعو المسلمين إلى التحرر من مثل هذه الاجتهادات ضيقة الأفق واتباع منهج حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انخرط مع طوائف مختلفة في مكة والمدينة، ويقدم الإمام قواعد أساسية لا بد منها، جاءت في فعل رسول الله أو قوله أو فعل صحابته وخلفائه من بعده.

الأولى، من وجهة نظر الدكتور حمادي، وهي قاعدة ذهبية هي مبدأ معاملة الآخرين، كل الآخرين، بما تحب أن يعاملوك به، وهاذان المفهومان المهمان يندرجان في روايتان لحديث يشير إلى واجبات الفرد الأخلاقية تجاه أخيه وجاره على التوالي، ففي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. وفي صحيح مسلم ما يشبه هذا الحديث، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه”. الرواية التي تشير إلى الجار أكثر عالمية من رواية “الأخ” في الحديث الأول. إلا أنه من المهم، بحسبه دائما، معرفة أن الترجمة المعتادة للحديث إلى الإنجليزية زادت الجملة المعترضة أو بين القوسين التي تؤكد المعنى المجتمعي فبدل “لأخيك” كتب “لأخيك المسلم”.

القاعدة الثانية هي نصيحة الإمام علي رضي الله عنه لواليه على مصر، ليتذكر أن رعاياه نوعان لكنهما في الأساس متساويان؛ “إما أخ لك في الدين أو نظيرك لك في الخلق” (تترجم غالبا في الإنسانية). أما القاعدة الثالثة، يضيف الدكتور نايت الشريف فهي حلف الفضول، الذي يمكن أن يشكل الأساس لجهود مجتمعة متعددة، بغض النظر عن الدين، للعمل سويا لضمان وحماية وتعزيز القيم الإنسانية. وقد حاول الباحث تلخيص أنواع الوحدة في مستويات متعددة من محلي لجهوي فوطني، ثم عالمي. وحلف الفضول بين كيف أن الوحدة من ديانات وقناعات فكرية مختلفة لتعمل مجتمعة للصالح العام للإنسانية، وفي هذا مناقشة للدكتور لبعض الأفكار والمعتقدات التي لا تستوعب فكرة أن المسلم وغير المسلم يمكن أن يتعاون لصالح المصير المشترك.

وفي نهاية مداخلته تحدث الباحث عن دستور المدينة، أو ما يعرف بميثاق المدينة الذي صاغه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وشكل اتفاقا رسميا بين محمد الرسول صلى الله عليه وسلم وكل القبائل والعائلات بيثرب بما فيهم المسلمون واليهود والوثنيون، وأسست لعدد من الحقوق والواجبات لكل القبائل والطوائف بالمدينة، تحت لواء مجتمع واحد.

د. فرانسيسك شابييه: الأستاذ ياسين عمل على إحياء الدين وتجديد الحياة الاجتماعية وتقريبها من شرع الله

متخذاً كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” منطلقاً، عرض الدكتور فرانسيسك شابييه مارين باللغة الإسبانية مساهمته لفهم بعض المسارات التي يقترحها الأستاذ عبد السلام ياسين لتجديد الطبيعة الإنسانية.

أستاذ الفلسفة في جامعة رامون يوي ببرشلونة أضاف أن فكر عبد السلام ياسين لا يكتفي باقتراح نظرة للعالم، بل يطمح إلى تغييره. حيث يسمح له تصوره الروحي العميق بالحفاظ على مفارقة واضحة، من جهة أن الإنسان جزء من هذا العالم، ولكن في نفس الوقت عليه واجب تغيير ظروف وجوده.

واقترح المتحدث في ورقته قراءةً تأخذ في الاعتبار جانبين: الأول أن الواقع الذي يعيشه المسلمون لا يتوافق مع شرع الله، كما يرى الأستاذ ياسين، حيث أفضت عدة ظروف تاريخية بالحكام إلى عدم مراعاة شرع الله في قراراتهم، كما أدى انقسام المجتمع الإسلامي إلى تسهيل تدخل القوى الأجنبية في شؤون الأمة. لذلك فإن القطيعة مطلوبة من أجل التجديد. ويجب أن يكون فهمنا للتاريخ والفقه المجالات ذات الأولوية لتغيير الواقع.

في الجانب الثاني، ولتحقيق الهدف المرجو، يقترح عبد السلام ياسين استخدام منهج “الطريق النبوي” أو “المنهاج النبوي”، مشددا على أن لكل قضية منهجها في التحليل لتفسير التاريخ وصياغة مشروعها المستقبلي كخارطة الطريق.

ويضيف فرانسيسك شابييه أنه انطلاقا من تحليل مساهمات ياسين في إعطاء معاني جديدة للمفاهيم الإسلامية التقليدية، يتم فهم القطيعة التي يجب القيام بها من خلال: إحياء الدين، وتجديد الحياة الاجتماعية لتقريبها من شرع الله.
وهكذا، ومن خلال إعادة قراءة الفقه والتاريخ، تمكن ياسين من اكتشاف الركائز التي يجب أن يقوم عليها كل فعل: من جهة التربية ومن جهة التنظيم الاجتماعي. سيكون “المنهاج النبوي” من سيساعدنا على فهم كيف انحط الفقه ولماذا انهارت الأمة تاريخيا، لتُخلي الطريق للاستعمار والأنظمة الاستبدادية.

طالع أيضا  عبودية القلب (2).. أنواع القلوب السليمة في القرآن

يعتقد ياسين أن الإسلام لا يزال آلية قوية لتغيير الناس والمجتمعات. حيث توجد في الإسلام إمكانية للقطع مع الجمود الذي يشلنا، وأيضاً نظرة إلى الواقع تسمح لنا برصد ما إذا كنا نسير في طريق الله أو على العكس من ذلك.
القومة أو النهضة، أي من الانتفاضة والصحوة والحراك، هي التي ستجعل العودة إلى المصادر الإسلامية حقيقة، يقول الباحث. القومة التي ستتخلى عن ظل التقليد الذي يؤدي إلى التعصب والانصياع، القومة هي التي تسمح لنا باستعادة إرث أسلافنا المنعمين، ولتنزيل الاجتهاد الذي سيعيد توحيد الأمة. ولبدء الثورة التي يكون القرآن هو القاضي الأعلى فيها.

لهذا يقول ياسين، بحسب المحاضر دائما، أنه لا يكفي معرفة أسباب تدهورنا، على الرغم من أن التشخيص هو خطوة سابقة أساسية للعلاج. لا يكفي أن ندرك ثقل التاريخ وعواقبه. بالإحسان والإيمان سنستفيد من خبرات التاريخ. سوف نتجنب أخطائهم ونستخلص دروسًا إيجابية.

لهذا السبب، يقول فرانسيسك شابييه بأن الأستاذ ياسين يؤكد في هذا الكتاب على ضرورة الالتزام الاجتماعي والسياسي ليس فقط على المستوى الشخصي والفردي فحسب، بل يؤكد أنه فقط الحركة التي تجمع بين الدعوة إلى الله ومشروع المجتمع الإسلامي هي وحدها القادرة على إقامة دين الله في الأرض.

د. حميمصة: إنسانية ذات آفاق رحبة

اختار الدكتور عز الدين حميمصة عرض مساهمة الإمام عبد السلام ياسين في المذاهب الإنسانوية Humanism عرضاً ونقداً، حيث لا مناص لأي مشروع فكري أو مجتمعي من صبغة إنسانوية واضحة، لكن السؤال المطروح هو أي موقع لهذا الإنسان وأي دور له؟

الباحث المشارك في جامعة كونكورديا بكندا أضاف أن مكتوبات الامام عبد السلام ياسين، باعتباره أحد أبرز المفكرين الإسلاميين والمُربّين المعاصرين، تساءلت عن مغزى ومنهجية حركة إنسانوية أمثل، مقترحةً مشروعا ذاتيا جديدا بالنسبة للفكر الإسلامي المعاصر يمتاز بملامح تحررت من القيود المذهبية وانفتحت على طموحات إنسانية تجتاز التعارض المعتاد بين الديني و”الزمني”.

وحاولت ورقة المتدخل أن تجمل الحديث عن الرؤى المختلفة المتباينة التي تقدم شرحاً لمفهوم الإنسانوية وكذا رهانات عديد من التيارات الفكرية على نوع معين من تلك التعريفات، وذلك راجع بالأساس إلى وجود العديد من التيارات الفكرية المختلفة في نظرتها إلى العالم ودور الكائن البشري فيه.

كما ساهمت ادعاءات مختلف التيارات في هذا المسار، بحيث حاول كل تيار احتكار هذا الانتماء الحصري للإنسانوية، مع انتقاد التيارات الأخرى وتشويهها، إلى تركز الانتقادات الموجهة إلى الإنسانوية في مختلف نسخها على المخاطر التي رافقت الدعوات الموجهة للاستحواذ على مركز الكون. وأولها تلك الإيديولوجيات التي تبين أنها موجهة ضد الكائن البشري مثل النازية والفاشية والامبريالية، لكن انتقاد الانزلاق نحو الفاشية والامبريالية لا يدخل فقط ضمن النقد التاريخي للتوجهات الإنسانوية، بل يندرج في إطار المخاطر المستقبلة التي تتربص بالبشرية.

والإمام ياسين لم يكن فقط مُدركا لتعدد الإنسانويات، بل اعترف أيضا بحق هذه التصورات المتعددة في التعايش عندما اعتبر أن الإسلام “رحِماً ماسة بجميع الدعوات الإنسانية الى العدل والمساواة بين البشر وتحرير الناس”، و إذا كان الاعتراف بالإسهامات التي قدمتها نسخ الإنسانوية المختلفة ذا أهمية في مكتوبات الإمام، فإن حماسته لهذه الإنسانويات ليس أعمى، فهو يدرك جيدا نقائص المناهج المادية التي تحتكرها عندما يصبح “معنى وجود الإنسان وغايته لا يتعديان كونه علبة تملأ بالطعام و تفرغ منه، أداة للاستهلاك، وحينما تختصر السعادة في التسلية والفن و الاستجمام والتكاثر “.

ويدين الإمام تقزيم الكائنات البشرية وحصره في وظيفة التناسل والاستهلاك مع حرمانه من حقه في التزكية الروحية، هذا دون اعتبار للانتماء الجغرافي أو الاجتماعي لهذا الكائن، فمن حق الجميع التمتع بالخير والعدل.

وتشمل القراءة النقدية لهذا المفهوم عند الامام ياسين ثلاثة محاور يغطي كل واحد منها مظاهر مستجدة. فالأول يعنى بعدم حصر حقوق الإنسان في الأبعاد المادية وجعلها تهتم أساسا بحقه في معرفة ربه والارتقاء بروحه، أما المحور الثاني فيركز على ضرورة الخروج من دائرة المذهبية أو الطائفية بالنسبة للكائن البشري. وبذا لا يكون الانتماء الديني شرطا لازما بل تجسيدا للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. ويتلخص المحور الثالث في تمكين الإنسان أثناء سعيه للارتقاء من التحرر من قبضة رأس المال والطبقة الاجتماعية ومختلف أشكال الانتماء الجماعي.

ومن خلال المحاور الثلاث السابقة، يمكننا إحصاء العناصر الحاملة لبذور المنهج الانسانوي عند الإمام ياسين المتمثلة في تحرير الإنسان من مختلف اشكال الإقبار والكبح التي تولدها الألة الرأسمالية بصفة خاصة والمادية عموما، والعدل باعتباره عاملا محررا، ثم أخيرا، الكرامة الإنسانية التي تفتح آفاق الإنسانوية على اللامحدود في إطار المقاربات الانسانوية المقبولة من طرف أنظمة الإنتاج والاستهلاك.

فرنسوا كلارنفال: راهنية ورحابة النظرية الإنسانوية للإمام عبد السلام ياسين

افتتح الدكتور “فرنسوا كلارنفال” حديثه بالقول إنه من الصعب على من يحاول فهم الأسباب الكامنة وراء أزمة حضارتنا المعاصرة ألا يكتشف معالم “أزمة المعنى”، والفزع العميق من مغزى الوجود البشري، ولهذا تعالت العديد من النداءات من طرف مفكرين وسياسيين إلى المزيد من الحس الإنساني، وإلى بناء إنسانوية جديدة. لكن الملاحظة الجديرة بالذكر هي أن الإسلام، مثل غيره من الديانات، يتم تهميشه من هذه الدينامية اعتبارا لكون الكثيرين يجعلونه متعارضا مع الإنسانوية. وهو ما سعى الإمام عبد السلام ياسين على امتداد مؤلفاته أن يدحضه.

وبعد تعريفه لمصطلح الإنسانوية في مداخلته، قام بعرض المقترح الإنسانوي للإسلام. وانتهي في الختام إلى أن فكر الإمام ياسين، المستقى كليا من القرآن والسنة، قد طور تصورا إنسانويا وهو ما حاول عرض أبعاده في هذا السياق.
كلارنفال الذي كان يتحدث في الجلسة الرابعة من مؤتمر البعد الإنساني في فكر الإمام هذا المساء عاد بالإنسانوية إلى أصول نشأتها كتيار فكري منذ عصر النهضة، والتطورات التي لحقتها فيما بعد، ووقف مع الإنسانوية الكلاسيكية مع بيكون وديكارت، وفلسفة الأنوار التي اكتسحت كل أوربا، وخلص إلى أن كل إنسانوية تتأسس على تصور معين للطبيعة البشرية، وأن هناك أربعة شروط مطلوبة في أي تصور ليستحق وصف الإنسانوية، الأولى هي التأكيد على وحدة الإنسانية وأن البشر وحدة واحدة، والثانية منح تعريف لهذه الإنسانية عبر الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ أما الثالثة فهي الإجابة عن سؤال موقع الإنسان في الكون، والأخيرة هي الإجابة عن سؤال مصير الإنسان والموت والألم، معنى الحياة وعرضية الوجود.

طالع أيضا  رمضان شهر الاستجابة لله

وسجل المتحدث أن إمكانية وجود إنسانوية إسلامية يبدو غريبا بالنظر للتاريخ الغربي لهذا المفهوم وللسياق الحالي الذي نعيشه. ولرفع الحرج الذي يمكن أن يثيره الربط بين مصطلحي الإنسانوية والإسلام، حاول الباحث البرهنة على أن مصادر الإسلام تؤسس رؤية حول الإنسان وموقعه في الكون يمكن نعتها بالإنسانوية. وقام بتطبيق المعايير الأربعة التي اقترحها سلفاً على الإسلام، ليخلص إلى أن القرآن يحقق الشروط الأربعة التي تنبني عليها كل إنسانوية، فيمكننا بالتالي التأكيد بأن الإسلام يقدم خطابا دينيا وروحيا وأخلاقيا وتشريعيا ذا جوهر إنسانوي حسب التعريف الفلسفي.

وبما أن مركزية القرآن في نظرية المنهاج النبوي للإمام عبد السلام ياسين كما خلصت إلى ذلك أشغال مؤتمر استنبول لم تعد بحاجة إلى إثبات، فإن تصوره للإنسان في سائر مكتوباته المؤلفة طيلة حياته يصطبغ بصبغة إنسانوية واضحة. ويتعلق الأمر طبعا بإنسانوية روحية تجعل الإنسان على اتصال دائم بإلهه في سعيه للتسامي.

في هذا السياق، يؤكد المتحدث، ينبغي التذكير بأن الغرب حاليا ومعه قسم واسع من العالم الذي يتبعه اقتصاديا وثقافيا؛ يعيش أزمة معرفية عميقة تتجلى أساسا في العنف الممارس على الأمم المستضعفة، إذ لم يسبق من قبل أن تم الإضرار بمثل هذا الضراوة بالبيئة والكرامة الإنسانية. مما جعل الإمام ياسين يعلن أن الحداثة لم تحمل معها ثمرات التطور فقط بل ولدت عددا لا متناهيا من الكوارث، فرغم أن الحداثة تقرن عادة بالتقدم التقني والعلمي والإنساني، إلا أن ميزاتها التي كانت تغمر نقائصها من قبل أصبحت الآن تنسحب أمام فرقعة التصدعات الكبرى التي تهز كيانها.

لقد أخبرنا الإمام ياسين في عدة مواضع من كتبه وفق ما ذهب إليه الباحث أن لهذا المشروع الدوابي الطاغي الذي تقوده الحداثة تاريخا؛ يستمد أصوله من رؤية معينة للإنسان وليس من نظام اقتصادي أو سياسي غربي. فالحداثة تحبس الإنسان داخل جسده وذاتيته وغرائزه ومخاوفه. ومع زعمها أنها تحرره فهي تعمق استلابه وانغلاقه وتعاسته. لذلك ما فتئ الإمام يدعو إلى الوعي بذلك، وإدراك أن العلل الحالية للعالم ليست سوى أعراض لمرض عضال يجب علاجه من الجذور.

يؤكد الإمام على امتداد مشروعه التربوي في نظر كارنافال، أن المخرج الوحيد من هذه الأزمة الحضارية الطاغية التي تعيشها البشرية والتي تتحمل الحداثة مسؤوليتها، لا يمكن إلا أن يمر عبر التذكير بتعريف الإنسان وفقا لطبيعته الحقيقية، ويدعو إلى العمل على استرجاع النسق الوجودي للإنسان المتمثل في الفطرة. أي أننا ملزمون بإحياء الإنسانية داخل الإنسان، كشرط أولي لتأسيس حضارة عادلة وأخوية.

يتعلق الأمر إذن بإعادة ربط الكائنات البشرية بفطرتها، وهو ما يشكل الأساس للتصور الإنسانوي الذي يحتويه فكر الإمام، ويثبت راهنيته ورحابته، فهو يؤكد أن: “القضية قضية الإنسان، وستنتصر عندما يصمد حملتها أمام أضواء الفكر الجاهلي الذي يتنكر للإنسان، وعندما لا يظلهم نموذج الفعل الجاهلي الذي يعنف على الإنسان، فالله عز وجل يأمر باحترام الإنسان وحفظ كرامته كيفما كانت قناعاته”.

دة. نسليهان إير تطرق موضوعي الدولة والإنسان

وقدمت الدكتورة نسليهان إر أستاذة العلوم الإسلامية بجامعة يالوفا في جمهورية تركيا في مداخلتها المعنونة بـ”المسؤوليات تجاه الدولة المثالية والإنسان في الفكر الإسلامي المعاصر.. مثال الإمام عبد السلام ياسين” معالم نظرية لمشروع الدولة المثالية على طريق المنهاج النبوي.

وبيّنت الدكتورة نسليهان أن الإمام عبد السلام ياسين يؤكد: “أن المسلمين بحاجة إلى اكتشاف الطريقة النبوية اليوم. وبالتالي، يمكنهم اتباع طريق الإيمان والجهاد للوصول إلى أقصى درجات القرب من الله، والتي تتعلق بمصيرهم الفردي بالإضافة إلى ذلك، عندما يتبعون الطريقة ويستوفون الشروط، فإنهم سيصلون إلى هدف التعيين في الخلافة على الأرض، وهو ما وُعدوا به”.

وأشارت في مداخلتها إلى مرحلة الإعداد حيث تعطى الأولوية إلى تربية المؤمنين، إذ يحتاج كل مؤمن إلى معرفة مقاييس التربية الإيمانية وطرق تجديد الإيمان في القلب. وهكذا تستيقظ الديناميكية الجهادية في النفوس، ويستنير العقل المؤمن بنور العلم الذي ينظم الجهاد.

وخلصت نسليهان في مداخلتها إلى عدة نتائج أهمها أن هناك ثلاثة معوقات رئيسية أمام هدف الدولة المثالية حسب فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: العقبة الأولى نفسية وعقلية واجتماعية وسياسية. ذلك لأن الناس لم يصلوا بعد إلى مستوى يمكنهم فيه إدراك أن مصيرهم مرهون بدينهم وعودتهم إلى حكم ربهم. والثانية هي خلايا الفساد في العالم الإسلامي التي لا تسمح بتحسين العقول والأرواح، والثالثة هي الصعوبات الاقتصادية.