أكد أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بجامعة عبد الملك السعدي الدكتور أحمد الفراك، على ضرورة انفتاح الفكر الإسلامي على القضايا ذات البعد الإنساني متخذا نموذجا للتحليل في المشروع الفكري للإمام عبد السلام ياسين، وذلك خلال المحاضرة الافتتاحية في الجلسة الأولى لمؤتمر الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المجدد رحمه الله، والذي ينعقد اليوم وغدا الأحد 19 و20 دجنبر 2020 حول موضوع “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”.

واعتبر الفراك، في محاضرته التي حملت عنوان “البعد الانساني في النظر المنهاجي: قول في الأصول والبواعث والمطالب”، أن النظر المنهاجي للبعد الإنساني عند الإمام عبد السلام ياسين مستند في بعده التأصيلي إلى أصلين مرجعيين هما القرآن المجيد والنبوة الخاتمة، باعتبار “القرآن هو الأصل الأول والمطلق الذي يستمد منه المنهاج المنهج والمعرفة والغاية وبه يقوّم ثقافة التاريخ وتراث البشرية… ومن خلاله يستشرف آفاق الانسانية”، وباعتبار السنة هي “المصدر الثاني من مصادر المعرفة والسلوك والأخلاق، ووحي من الوحي”.

وعن وظيفة العقل إزاء الأصلين المرجعيين، لفت المتحدث إلى أن العقل في الفكر المنهاجي مقسم لثلاث مراتب، عقل المعاش المشترك في حده الأدنى بين الناس والدواب والأنعام، والعقل المكلف المصدق للوحي، والعقل الملهم وهو عقل الكمّل من الأولياء والأنبياء. معتبرا العقل فعل يحتاج إلى هداية من القرآن والسنة ليرتقي بين هذه المراتب.

وبخصوص البواعث، ذكر الأستاذ الباحث في المشترك الإنساني أن تزكية الإنسان وتحريره هي أهم البواعث التي تحرك النظر المنهاجي للبعد الإنساني، مؤكدا أن التزكية التي ينشدها المنهاج هي تربية الفرد والجموع تربية إحسانية تنويرية متكاملة بـ“الانتقال من بهيمية الإنسان إلى أنسنة الإنسان ثم أيمنة الإنسان ليصير بعد ذلك باحثا عن الأحسن والإحسان بلا توقف”.

طالع أيضا  قطاع الجماعات الترابية للعدل والإحسان يندد بابتلاع آلة عصر النفايات لعامل نظافة بالدار البيضاء

كما فصل المتحدث في رسالة التحرير التي يحملها المنهاج التي تشمل تحرير الرقاب الفردية بتحرير إرادة الفرد إلى إرادة سوية فاعلة، وتحرير العقل البشري ليكون عقلا حرا راشدا، وتحرير الفرد من ثقافة الاستهلاك ليكون واعيا بما يحاك ضده من مؤامرات، وكذا تحرير رقاب الإنسانية بتخليصها من صنوف المعاناة التي تسبب فيها الجهل والظلم والعنف والتي كانت سببا في اضمحلال إنسانية الإنسان.

وفي سياق المطالب التي ينشدها المنهاج للإنسان، فصل الفراك في مفهومي العدل والإحسان معتبرا أن الجمع بينهما كمطلبين مرتبطين ارتباطا كليا جوهريا هو قيمة القيم عند الإمام ياسين رحمه الله. فالعدل في النظر المنهاجي هو مطلب إنساني كوني وأمر إلهي من أجله أرسلت الرسل و أنزلت الكتب. واعتبر في هذا السياق أن مركز قوة الأمم هو نظام حكمها، مشيرا إلى أن “الأمم القوية اليوم انتهت من خلال تجاربها إلى أن الحكم القوي يقوم على آلية الديموقراطية التي وصفها الإمام بـ”نظام حكم قوي” العقول فيه قوية تصنع وتُصنع وتبدع”، وفي المقابل اعتبر نظام الحكم في الأمة الاسلامية اليوم مركزا لضعفها، مؤكدا على ضرورة “إقامة نظام عالمي عادل يتجاوز مظاهر التطفيف والتحيز التي تملأ مؤسسات النظام الدولي الحالي”.

أما مطلب الإحسان في النظر المنهاجي فوصفه المتحدث بالخلق الجامع لأمهات الفضائل، وهو أحسن ما يمكن أن يعامل به الغير بعد العدل. مفصّلا في ما يحمله المفهوم من معاني المحبة للغير والاحترام وأدب الحوار وحسن الجوار والمساعدة في تحرير النفس، ومؤكدا على كونه القيمة الأساس التي ننشدها وتنشدها جميع القيم الأخلاقية الأخرى.

وختم الباحث مداخلته بالتأكيد على أن الإمام عبد السلام ياسين قد تنبّه مبكرا إلى ضرورة انفتاح الفكر الإسلامي المعاصر على القضايا الإنسانية وتركيز النظر على القضايا ذات الاهتمام والتهمم المشترك بين جميع بني آدم.

طالع أيضا  قبسات نورانية