تسليطا للضوء على فعاليات وأشغال المؤتمر العلمي الفكري الذي تنظمه مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين يومي السبت والأحد 19 و20 دجنبر 2020، بمناسبة الذكرى الثامنة لرحيله، حول موضوع “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر.. الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الدكتور عبد الصمد الرضى، منسق أعمال المؤتمر وعضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان..

لماذا موضوع “البعد الإنساني”؟ وطبيعة المؤتمر، ونوعوية المشاركين، ومعايير تحكيم الأوراق، ودور المؤتمر في التعريف بمشروع الأمام، وحقيقة تمثل هذا المشروع لهموم الإنسانية واقتراحاته للبشرية… وغيرها كثير من القضايا الهامة المرتبطة بالمؤتمر سواء في شقه الإعدادي أو المضموني، تجدونها في هذا الحوار مع الدكتور عبد الصمد الرضى.

ما هي القضية المركزية التي يعالجها المؤتمر بمناسبة إحياء الذكرى الثامنة لرحيل الإمام؟ ولماذا هذه القضية بالذات؟

بسم الله الرحمن الرحيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

القضية المركزية التي يعالجها المؤتمر هي تناول الجوانب الأساسية في مشروع الإمام والتي لها علاقة بالمسار الإنساني حالا ومستقبلا، فمن التحديات الكبرى أمام الفكر الإسلامي المعاصر قدرته على اقتراح حلول ناجعة لمشاكل البشرية اليوم، ذلك الاقتراح الذي يستند إلى الأصول الأساسية للمنظومة الإسلامية، ويستفيد من كل ما راكمه العقل الإنساني خلال مسيرته التاريخية الطويلة.

ومما لا شك فيه أن المشاريع الحضارية المعاصرة تستهدف أساسا الإنسان من حيث هو إنسان، وتعم البشرية جميعا، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التطور التكنولوجي الهائل في ميادين التربية والعلم والتوجيه والتكوين، وتحديد مسارات المستقبل البشري، فالعالم صار قرية صغيرة، كما يقال، تتفاعل فيه كل المشاريع الفكرية والتربوية والحضارية.

وإذا كان المؤتمر الأول قد قارب “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج” النبوي عند الإمام رحمه الله تعالى، من خلال أبحاث ذات الصلة بالبعد ىالإنساني من قبل “المرتكزات القرآنية لمذهب الأنسنة في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين” للدكتور عز الدين معيميش من جامعة الجزائر – الجزائر.

وإذ ركز المؤتمر الثاني على “نظرية التغيير في نظرية المنهاج” الذي حاول الإجابة على عدة أسئلة من أهمها: ما موقع الإنسان الفرد في مشروع التغيير لنظرية المنهاج النبوي؟ وما موقع المرأة في هذا المشروع؟ بل وخصص الجلسة العلمية الخامسة لموضوع “مركزية الإنسان في التغيير في نظرية المنهاج النبوي” شارك فيه ثلة من العلمية في تحليل علاقة الإنسان بالتغيير عند الإمام من قبيل:

  • “الإنسان وفلسفة التربية في نظرية المنهاج النبوي” للدكتور حسن حسني عبد االله عياش الأستاذ المساعد في كلية الآداب، جامعة فلسطني الأهلية بفلسطين.
  • “مركزية الإنسان في التغيير” للدكتور رشيد عموري الباحث بمركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات بالمغرب.
  • “نظرية التربية الإنسانية عند الإمام عبد السلام ياسين” للدكتور عبد التواب مصطفى خالد معوض الأستاذ مساعد بكلية الشريعة والقانون، جامعة الإنسانية بماليزيا.
  • “صناعة الإنسان في مشروع التغيير” للدكتور الشيخ التجاني الأحمدي الأستاذ بجامعة نواكشوط – موريتانيا.

إذا كان الأمر كذلك، فإن المؤتمر الثالث، الذي وافق الذكرى الثامنة لرحيل الإمام رحمه الله تعالى من جهة، وابتلاء البشرية جميعها بجائحة كورونا التي استدعت أكثر من أي وقت مضى اتحاد الجهود من أجل المشترك الإنساني والمصلحة العليا للإنسان، يروم المضي في خطوة أخرى في التعريف بالمشروع الشامل للرجل رحمة الله عليه، وهي: “البعد الإنساني في مشروع الإمام رحمه الله تعالى” لأن الإنسان في نظره منادى بالنداء القرآني الخالد في سورة الانفطار يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم.

والملاحظ الذي لا مراء فيه أن لمشروع الإمام ياسين رحمه الله تعالى تأثيرا جليا عمليا في الفعل التربوي، ونظريا بما ألفه من كتب واقترح من أفكار؛ على المستوى العملي من خلال الممارسة العملية للفعل التربوي في صفوف شتى أنواع الناس الرجال والنساء، من المثقفين وغيرهم، من داخل المغرب وخارجه؛ وعلى المستوى الفكري من خلال غزارة مؤلفاته في شتى القضايا الفكرية الكثيرة.

هل هناك تنوع في النسيج المشارك في أشغال المؤتمر؟ وما هي طبيعة الأوراق المطروحة فيه؟

يتميز الاشتغال في هذا المؤتمر بتنوع القضايا التي يتناولها الباحثون والدارسون من شتى البلدان بالدرس والتحليل،

أما القضايا التي ستتناولها الجلسات العلمية بالنقاش فهي:

1.      البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: نماذج ومقاربات.

2.      الأصول والمفاهيم المؤسسة لرسالة الرحمة في العالمين.

3.      بناء الإنسان وحوار المشاريع الفكرية والحضارية.

4.      الأخلاق الكوكبية والمشترك الإنساني في فكر الإمام عبد السلام رحمة الله تعالى

طالع أيضا  ميثاق النصرة.. هيئات شبابية وطلابية مغاربية توقعه وتتعاهد على تنزيله

5.      العلاقات الدولية المعاصرة ومشروع ميثاق السلم الأممي.

أما الأوراق المطروحة في أشغال المؤتمر، فمتنوعة ومنبثقة من المحاور السالفة.

ففيما يتعلق بمسألة الرحمة في العالمين، نجد موضوع “رحمة النبي بالمسلمين وبغير المسلمين” و”التسَامُح وقَبُولُ الآخَر في الفِكر الإسلَامِي” و”الإنسان في المشروع الفكري للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، أسس ومنطلقات” و”ثنائيات بانيات لخطاب الرحمة عند الإمام عبد السلام ياسين” و”البعد الإنساني في مقاربة قضية المرأة عند الاستاذ عبد السلام ياسين” و”البعد الإنساني في التربية الروحية بين الذاتية والكونية” و”البعد الإنساني بين مطلب الحفظ ومطلب الكمال” و”البعد الإنساني في فكر  الإمام ياسين تحرير المرأة نموذجا”.

وفي البعد الدولي، سيعرض موضوع “نحو ميثاق إنساني عالمي من خلال مشروع الإمام” و”العلاقات الدولية في فكر الإمام رحمه الله ” و”عالمية الدعوة القرآنية للسلام: قراءة في التفسير المنهاجي”.

وأما الشخصيات العلمية المشاركة في هذا المؤتمر فمن مشارب مختلفة، ومن تخصصات متنوعة؛ من الفلسفة والفكر الإنساني، ومن والدراسات الإسلامية والاجتهادات المعاصرة، ومن العلوم السياسي والعلاقات الدولية، ومن الدراسات القانونية.

كما ستلقى العروض بلغات متعددة، باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية، على أن الأوراق العلمية باللغات العربية فيها مقاربة للقضايا العامة ذات الصلة بأشغال المؤتمر. 

ما هي معايير اختيار المشاركات في هذا المؤتمر؟

يتولى الإشراف على السير العلمي لأشغال المؤتمر لجنة علمية متعددة الاختصاصات والاهتمامات العلمية، وذات تجارب هامة وخبرة عالية في الأنشطة العلمية والندوات الفكرية عالية القيمة، وسلكت في ذلك منهج التحكيم العلمي والتدقيق المنهجي من العلماء والدارسين المتخصصين.

 على العموم، تخضع جميع الأبحاث للتحكيم العلمية من طرف لجنة متخصصة، وتسجل التعديلات الضرورية على البحوث المحترمة لضوابط البحث والأمانة العلميتين، حتى يتم قبوله للعرض في أشغال المؤتمر.

تنشر الملخصات في “دفتر الملخصات” وتوزع أثناء انعقاد المؤتمر، على أساس أن تنشر الأبحاث المحكمة كاملة في كتاب المؤتمر في تاريخ لاحق.

هل هناك توقعات لنجاح أشغال المؤتمر خاصة في ظروف الوباء المنتشرة الآن؟

سبق وأن ذكرت أن من الموافقات أن تأتي فعاليات هذا المؤتمر في ظروف ابتلاء البشرية بجائحة “كورونا كوفيد 19”. ولعل مما أبرزته هذه الجائحة للناس جميعا التواصل الافتراضي بين كافة أرجاء المعمور. لذلك ستجري هذه الفعاليات عن بعد في العالم الافتراضي. ومن المؤكد أن التطبيقات الإلكترونية المتوفرة اليوم ستسهم في نجاح المؤتمر، بل إن هذه الظروف ستوفر جمهورا أوسع لمتابعة أشغال المؤتمر، وتفاعلا أكثر حماسة وإيجابية في مناقشة قضاياه ومطارحة أفكاره، خاصة وأنه سيلامس المشترك الإنساني، إذ صار عقلاء الأمم وفضلاء المعمور أكثر وعيا بوحدة المشكلات المطروحة، وأكثر اقتناعا بضرورة البحث عن نقاط الالتقاء بين المشاريع الفكرية والحضارية المتوفرة.

أتوقع نجاحا كبيرا للمؤتمر بالنظر لطبيعة الموضوع، وتقارب الظرف، وتعدد المشاركين، وتنوع اللغات المتخاطب بها في جلساته.     

كيف يمكن لهذا المؤتمر أن يسهم في التعريف بالمشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله؟ وكيف له أن يجلّي الأبعاد الإنسانية فيه؟

لقد جعل الإمام، رحمه الله تعالى، المسألة الإنسانية في مشروعه التجديدي نداء دائما في مكتوباته منذ الوهلة الأولى إلى آخر ما كتب رحمه الله تعالى، يقول في كتابه” الإسلام غدا” وهو من أول مكتوباته الفكرية التي عرفت تطورات تجديدية بحسب ما عرف العالم من تغيرات: “ينبغي لرجال الدعوة إخواننا أن يوسعوا الدائرة وأن ينظروا بعيدا، وينظروا واسعا، وينظروا رحيما، ويرفعوا الرأس عاليا والهمة شامخة في تواضع الحامدين لنعمة الله علينا إذ ندعو لدينه في زمن الغربة والكفر والردة. وإنهم جميعا سيرجعون إلينا فارين من رهق الحضارة المادية المنقطعة عن الله، فارين من العنف الطاحن، ومن الدماء المراقة والذمم الخوانة. إن هذا العالم أصبح جحيما لا يطاق، وكل إنسان يملك حظا من التمييز على ظهرها يئن ويحن ويقلب وجهه وقلبه لومضة إشراق تنيره من ظلمة، أو لمسة رحمة تسقيه من جفاف.” 1.

الفكرة المركزية في هذا النص والتي صاحبت الإمام في مسيرته التجديدية هي الرغبة الملحة في إنقاذ الإنسان، أي إنسان مما أرهقه من المشاريع الفكرية والحضارية التي تتجاوز الحياة الدنيا ومطالبها وصراعاتها، خاصة العنف والعنف المضاد التي يعصف بقيم الرفق والتعايش والسلم بين البشر.

هذا، ويستحضر الإمام أمانة عالمية رسالة الإسلام الملقاة على عاتق الأمة، رسالة الرحمة والمحبة والسلام، كما يمد اليد لكل ذوي المروءات من أمم الأرض وأحراره أفرادا ومنظمات، يقول في كتابه “الإسلام والحداثة” وهو من آخر مكتوباته التي تروم خطابا مباشرا للناس كافة، وهو مكتوب باللغة الفرنسية وترجم إلى العربية، يقول فيه: «نمد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية، مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم. إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان” 2.

طالع أيضا  صلةُ الرّحم.. عملية بمدخلات ومخرجات

وفي آخر مكتوباته المودعة للناس من هذه الدنيا إلى سعة الآخرة، يستحضر دائما النداء الرباني للإنسان، قال في وصيته: “ثم أوصي من وقف على كلماتي هذه قراءة أو استماعا بما أوصى الله عز وجل به الإنسان، وصى الله عز وجل خالق الإنسان بوالديه حسنا بما حملت الأم وأرضعت الأم وحنت الأم وبما كفلت وكفل الأب جنينا لا حول له ولا قوة ثم وليدا في المهد ودارجا في مراحل الحياة، وصى الله عز وجل بالوالدين إحسانا وحسنا لاسيما عند الكبر في سن الضعف والحاجة والافتقار إلى اليد الحانية والقلب العاطف والمعاملة الجميلة الوفية المتحببة”.

كيف استطاع الإمام عبد السلام ياسين الجمع في مشروعه التغييري بين الاستمداد من الوحي والاستفادة من التجارب الإنسانية المتنوعة؟

من الحقائق الثابتة في مشروع الإمام اعتباره “الإنسان ” المدخل الأساس لكل تغيير ذي بال، وإلا فسيكون الأمر بناء في عباء، ونفخا في خواء، لذلك يذكر في مكتوباته الحوارية مثل “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” و”حوار مع صديق أمازيغي” و”حوار الماضي والمستقبل” وغيرها. يقول في كتاب العدل وهو من الكتب التي تستشرف المستقبل باقتراحات على المسلمين وغيرهم من أجل مستقبل إنساني زاهر: “لا مناص لنا ولكم معشر الديمقراطيين من تمريض هذه المرحلة الانتقالية بحكمة. والمستقبل لإسلام صادق العنوان والبنيان. المستقبل لتغيير عميق شامل. تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان. التغيير أجيال، التغيير أمهات صالحات، التغيير مدرسة صالحة، التغيير مَنَعةٌ ضد الامتداد السـرطاني للثقافة الدوابية، التغيير إعادة بناء الأمة على أصولها، التغيير تعبئة أمة، قومة أمة” 3.

وبما أن العقل الإنساني اليوم قد راكم من النظريات، والتجارب في التدافع والتواصل والحوار  حينا والصراع أحيانا، يخرج من كل الركام التفاعلي حكم بشرية هامة تنظر إلى مستقبل الإنسان بنوع من الرشد والسداد، فإن الإمام رحمه الله تعالى يمد اليد لكل ما من شأنه يسعد الإنساني حالا ومآلا، فيستثمر ثقافة حقوق الإنسان العابرة للحضارات في الحد المشترك بينها، ويرفع من شأن ذوي الفضل والمروءات ممن ليس على دين الإسلام، ويقر بالإيجابيات التي تقدمها مختلف الحضارات شرقا وغربا لكرامة الإنسان وحرية الإنسان وهداية الإنسان.

وهو بذلك يضع ميزانا متميزا للتعامل مع العقل البشري وفضائله، يقول في هذا الشأن: “إن هذه الجوهرة الثمينة التي أودعها الله سبحانه في الإنسان وسميت العقل كائن لا يخضع لمراقبة من خارج. يمكن إخماد أنفاسه بقهر الناس وإماتتهم، لكن مراقبته وتحديد حريته تفضي به إما إلى تمرد وثورة أو إلى سكون وذبول فموت. فما يبقى إلاَّ مُراوَدَتُهُ بالإقناع حتى يتجاوز العتبة التي في أسفلها يكون خادما للهوى المتجدد والنزعات المتلونة، ومن فوقها يتنفس نسيم الإيمان ويصبح عبداً للرحمن…. معنى هذا بلغة العصر أن العقل بلا غاية تتجاوز الإنسان، وبالتالي تتجاوز العقل الإنساني المعاشي والمصلحة المباشرة والكون المنظور، يبقى فراشة تحترق حول ينابيع المعارف الكونية محجوبا عن مصدر الكون ومعارفه. وهو الله الخالق جل جلاله.” 4

  ومن أخوف ما يخافه الإمام على العقل الإنسان أن يبقى متحجرا في ماديته، فيتساءل ويجيب: “من يزعزع العقل المتحجر على ماديته من هذه المواقع المحصنة؟”

الجواب أن دعوة الرسل وخطاب الله عز وجل عباده في القرآن يعتمدان على إثارة كوامن الإنسان التي خلقها سبحانه قبل العقل ومن وراء العقل وفوق العقل في طيات الكائن البشري حتى يميل المعنى الإنساني المسمى قلبا إلى «سماع» الحق. وكلمة «سمع» في القرآن أساسية. فهي في القرآن مفتاح القلب ومدخل الإيمان 5.

تمتاز الدعوة الإسلامية، بما أثله منهاج الرسول الأكرم عليه الصلاة السلام، بأنها رحمة للعالمين، هل استطاع الإمام في نظركم أن يبلور هذا التميز في مشروعه التغييري؟

طالع أيضا  شعبان "مِنحَةٌ مَن قبِلَها غَنِمَ"

من أهم المداخل التي يعتمدها الإمام في ندائه للإنسان مدخل الرحمة بما هي قيمة مشتركة بين الجميع، وبما أنها صفة لله تعالى الرحمن الرحيم، ولنبيه صلى الله عليه وسلم  الرحمة المهداة، فإن الرحم الآدمية وما يتطلبه ذلك من رفق وحنو يجعل مشروع الإمام التجديدي، يقول رحمه الله تعالى: “رحِمٌ واحدة هي رحِم الإنسانية، وحقوق الإنسان، في مقدمتها حقه الأسمى، يُمليها على المؤمنين الأمر الإلهي العَليُّ إن كانت تُمليها على النظراء الفضلاء الخلُقيين ما فيهم من مروءة. قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.

تَسَّاءلون: تُسْألون عن الرحِمِ الآدمية هل أديتم حقها. في مقدمة حقها البلاغ والبيان والشهادة بالسلوك النموذجي والإحسان، والجهاد الدائم لكشف عوائق الظلم حتَّى يسمَع الناس جميعا كلام الله. تعالى الله.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بهذه الشهادة يقول: «اللهم ربَّنا ورَبَّ كلِّ شيء ومليكَه، أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك. اللهم ربنا، ورب كل شيء ومليكَه، أنا شهيد أن محمدا عبدُك ورسولُك. اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العبادَ كلُّهم إخوة». رواه الإمامان أحمد وأبو داود.

كيف ينظر الإمام إلى موضوع المشترك الإنساني بين الأمم والشعوب، وما هي مقاربته لتدبير هذا المشترك؟

يرى الإمام أن مسؤولية الأمة الإسلامية إزاء الأمم الأخرى مسؤولية عظيمة، بما حملها الله تعالى من أمانة التبليغ، وأن من أهم ما يحقق ذلك كل مشترك بين الناس، ذلك أن القرآن الكريم خطاب الناس خطابا قويا بليغا. قال له من بين ما قال: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً.

وحذره من الاغترار بالدنيا ونسيان مخلوقيته. فتح له بذلك بابا للاطلاع على سر وجوده ومآله بعد الموت. يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.

آيات قوية تحرك الإنسان ليستيقظ من غفلته، ولينزح عن السلوك العبثي اللاهي، وعن التظالم والتقاتل بالباطل، وعن العدوان على حقوق الغير.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

مثل هذه الآية ترسم لذلك الأمّي ولهذا الإنسان في كل زمان ومكان المسار الأمثل الذي يخطو به من مخلوقيته ومقهوريته إلى تتويج وجوده باختيار العمل الصالح الذي ينال به الكرامة عند الله في الدار الآخرة.

ذكر وأنثى ما اختار أحد جنسه، ولا استشاره أحد متى وأين وكيف يبرز من العدم إلى الوجود. شعوب وقبائل، ألوان ولغات وتاريخ. وجد الإنسان نفسه مظروفا مذهوبا به. وله الاختيار في أن يسخر ما منح من قدرات لفعل الخير، والتعارف مع الأقوام والشعوب، وإسداء المعروف. وشكر نعمة الإيمان بتبليغ الشعوب والقبائل رحمة الإسلام وبشارة أن الإنسان ما خلق عبثا.

ولقد خصّص المؤتمر جزءا هاما من أشغاله للموضوع، فلا مستقبل للإنسانية دون التعاون في المشترك واحترام الآخر فيما يريد، مع التعهد بميثاق تراعى فيه قواعد العيش المشترك والمصالح العليا للإنسان.


[1] ياسين عبد السلام، الإسلام غدا، ص 940، 941.
[2] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص 22.
[3] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص 691، 692.
[4] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة، ص 22، 23.
[5] نفسه، ص 24.