أنعم الله تعالى على الإمام المجدد عبد السلام ياسين بالعديد من النعم والمزايا قلما تجتمع لشخص واحد، فلم يكن مربيا لأجيال من الرجال والنساء، تربية شيخ منزو في ركن العبادة فقط، أو داعية وخطيبا مفوها في الملتقيات والمجالس. ولم يكن فقط رجلا مجاهدا وسياسيا محنكا عرف بمواقفه الصلبة، أو رجل دولة وإطارا إداريا خبيرا في شؤون الإدارة والتنظيم، أو أديبا وشاعرا بارعا يأخذ بالألباب والعقول إلى حيث يريد… فقد كان كل ذلك وتميز فضلا عن كل هذه المزايا بكونه منظرا لمشروع تجديدي تغييري، وكاتبا له منظما إياه على منهاج النبوة، على غير منوال من سبقوه من المفكرين والمنظرين للعمل الإسلامي في كثير من تفاصيله.

1-      أسلوبه في الكتابة

يكاد يجمع من كتب عن الإمام أو قرأ له على تفرده بأسلوبه الخاص في الكتابة، فلا يجد من يقرأ له صعوبة في الفهم، حيث عرف بالعبارة السهلة الفصيحة، البعيدة عن الغريب، المتعالية في الوقت نفسه عن الرديء الخاطئ المتداول في لغة الكتابة الثقافية والإعلامية.

أحسن ما توصف به كتابته؛ البساطة. بساطة تجمع بين متاعة الأسلوب، وسلاسة الصياغة، وعمق المعاني، وترابط الأفكار. أسلوب لا يقع في نفس القارئ وقلبه وعقله، إلا ووقع فيه من صدق الفكرة وسهولة الفهم والاستيعاب ما يقع.

وأنت تقرأ ما كتبه رحمه الله، فلا تجد أمامك إلا أثر الصدق والربانية والإخلاص في مخاطبة العامة والخاصة، والقريب والبعيد والخصم، هو رجل يكتب من دواة قلبه وروحه، وبمداد همه ودمه، هو صاحب قضية ورسالة يذوب معها، فلا تفرق بين أسلوبه في الكتابة وأسلوبه في الحياة، هو ذاته أسلوبه، كما وصفه الأستاذ الداعية الأديب منير ركراكي في حوار سابق مع موقع الجماعة قائلا: “إنني أجد أصدق وصف وسمة نسم بها أسلوب الرجل أنه مرآة تعكسُ ذاته كما يقول الإنجليز (الأسلوب هو الرجل). أسلوبه هو ذاته في نظافته ونضارته، هو هو في عمقه ودقته، هو هو في سَعته وقوته، هو هو في يقظته وفطنته، هو هو في رحمته وحكمته، هو هو في جلاله وهيبته، هو هو في خُلُقه وذوقه، هو هو في سلاسته وطلاقته، هو هو في حلاوته وطراوته، هو هو في نباهته ونزاهته، هو هو في طيبته وخيريته، هو هو في شرفه وسمو فكرته، هو هو في شفافيته ورقة حاشيته، هو هو في رقة جسده وعظَم رسالته”. 1

2-      استمداد من نور الوحي

أسهمت التجربة الروحية التي عاشها الإمام رحمه الله في صحبة شيخه العباس القادري رحمه الله بالزاوية البوتشيشية؛ في رسم معالم شخصيته وطموحه وبناء مشروعه، حيث خرج من التيه وارتبط بالله وبسنة نبيه، فبالإضافة إلى تجربته الروحية تلك، فقد كان منذ صباه ناشئا في بيئة قرآنية وحفظ القرآن الكريم منذ صغره، وتلقى العلوم الإسلامية من نخبة من العلماء الأجلاء بسوس.

فظل القرآن الكريم النبع الذي استقى منه أصول بناء شخصيته إرادةً وقلباً وعقلاً، وبعدها بناء مشروع يحمل آمال بناء الأمة علماً وعملاً.

طالع أيضا  سلسلة عبودية القلب | الحلقة 9 | سلامة القلب مقدمة النصر والتمكين

ومما يحكيه عنه من صحبوه عن قرب من مجلس الإرشاد أنه لا يكتب بالنهار إلا قليلا، بل يتفرغ للكتابة بالليل في الثلث الأخير، فتكون كتاباته بذلك قياما وعبادة وتقربا إلى الله في الأوقات التي ينزل فيها جل جلاله إلى السماء الدنيا، يعطي من دعاه ويلهم الصواب لمن يطلبه، فكيف لا يكون ما يكتبه دواء وشفاء لما في القلوب والنفوس والعقول وما بالأمة من أدواء وعلل.

فكانت تأملاته كلها في كتاب الله تعالى فهما وتدبرا، وفي سننه ونواميسه في الكون، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد عكف على كتب الحديث بصحاحها وسننها ومستدركاتها فهضمها هضما، وانتقى منها فأعاد تنظيمها في مشروع منهاجي تجديدي على شكل شعب الإيمان في خصال عشر.

فمن تكون حاله تلك، كيف لا يكون من الموفقين الملهمين المسددين، يقول الأستاذ منير ركراكي في حوار سابق مع موقع الجماعة “إنها كتابات ذاكرة مذكرة من ذاكر مذكر، قائمة شاهدة من قائم شاهد، مراحلها إلهام نابعٌ من قلب خاشع، نجمَ عنه علمٌ لدنيٌ نافع، نتج عنه فهم رباني لامع، تمخَّضَ عنه همٌّ جامع، تولد عنه إبداع مُقنع ماتع… إنها كتابات إمام مجدد رائد مُؤيد، لا كتابات بوق مُقلد، ولا مفكر منظر حلسَ أوراق ومداد، لا مُلْهَم رشاد وسداد”.

3-      أصالة الأفكار ونصاعة البيان

مما تميز به رحمه الله غزارة علمه كتابة ومشافهة، ورجاحة أفكاره وسيولة قلمه ونصاعة رؤيته، ذلك أنه ليس كاتبا عاديا كباقي الكتاب الذين يكتبون من أجل الترف الفكري، أو الكتابة من أجل الكتابة، أو لإثبات اسمه كاتبا ومحاضرا في ميدان العلوم والمعارف، بل هو أكبر وأجل من ذلك بكثير، فقد وفق توفيقا ربانيا في اختيار مواضيعه التي تستحق الكتابة، تربية لأجيال من الرجال والنساء حملة المشروع وإفهاما للعقول، وإسماعا للفطرة.

يختار من الأفكار ما له داعٍ وجدوى، وما هو إجرائي قابل للتنزيل بعيدا عن الأوهام، وما هو واقعي بعيدا عن الخيال، فجمع بها بين التنظير والتطبيق على أرض الواقع، ووضع تصورا، اجتهد في صياغته نثرا، وأبدع في نظمه شعرا، وبثه فيما خطته أنامله من كتب تنضح بالأصالة والبيان.

ومما يزيد لأفكاره أصالة؛ جرأتها وقوتها في مواجهة ما لم يستطع الكثير من العلماء مواجهته لاعتبارات سياسية، فيقول الحق ويذم الظلم، ويدافع عن المستضعفين، بلغة واضحة لا التواء فيها ولا مراوغة، بقوة الخطاب بعيدا عن العنف والغلظة.

4-      منهجه في الكتابة والتأليف

يحرص الإمام رحمه الله، بل من صميم منهجه، ألا يكتب في أي موضوع، إلاّ بعد قراءة واطلاع واسعين على ما كتب في الموضوع من الأقدمين والمحدثين، فتسبق التأملات وتلي؛ فيما قال الله تعالى وقال نبيه وقال السلف والخلف وغيرهم ممن له رأي في الموضوع عند الأقوام الأخرى، لتأتي كتابته في أي موضوع لتختزل ما قيل وما كتب في المسألة ذاتها، فيشكل رأيا خاصا به وفق ما يناسب المشروع الإسلامي الذي ينظر له، دون أن ينجر وراء رأي أو يتأثر به، يساعده في ذلك رؤيته الثاقبة للأمور.

طالع أيضا  تعرف على الإمام عبد السلام ياسين (كبسولة)

فتراه رحمه الله ينسب الأفكار لأصحابها والأقوال لقائليها، ولا ينسب لنفسه ما ليس له، وحينما يتناول مسألة معينة مثلا، “يستدعي ويستحضر كل ما للموضوع من ضروريات وأساسيات وأصول وفروعيات وتراكمات وشروحات تراثية ومعاصرة مع انزياح معرفي ثاقب وناقد لكل المرويات، واستفاقات واعية لما غفل عنه الخطاب التراثي، أو ما تجاوزه الخطاب الحديث أو المعاصر، وبهذه الوجهة تكون المسألة حاضرة لديه من حيث المستحضرات والمكونات، وتنطلق عبقرية الشيخ الربانية المشبعة بالتقوى لترسم الوجه الصحيح في المسألة وفي طريقة عرضها. فأنت أمام مكتبة مقروءة قراءة نقدية، ومعروضة عليك عرضا صافيا سليما خاليا من الشوائب 2

هذا إن كان الأمر يتعلق بموضوع عام أو خاص ليس له علاقة بكاتب معين، أما إذا أراد الكتابة عن موضوع معين عند كاتب محدد، فلا يقول ولا يكتب حتى يطلع على كتبه، وكل آرائه، لتتشكل عنده الصورة الكاملة عن الشخص وعن مكتوباته، فلا يتحدث عن السيد قطب، حتى يقرأ له ما كتب، ولا يكتب عن سعيد النورسي حتى يطالع ما كتب الرجل..

ومما يميز طريقته في تناول الموضوعات، حضور الأفكار المختلفة من كل المدارس والتوجهات حول الموضوع المتناول، مع فحصه لهذه التوجهات وإخضاعها للتدقيق، مستحضرا في ذلك كل العراقيل والإكراهات الواقعية والعملية، ليخرج للمسألة بوجه يكون لها به قبول من كيان المسلمين المثقلين بالهموم والمشكلات، “فيشعر القارئ لفكره بالمتعة والراحة ونشدان الضالة الفكرية الواعية في خلد موروثات عصور الضعف والحواشي والشروح على المتون والمنظومات، فيتبادر إليك وأنت تقرأ كأنما تقرأ شيئا جديدا وطرحا مغايرا ومتميزا، فيهزك من الأعماق” 3.

ومما حرص عليه الإمام قبل دخول عوالم الكتابة والتأليف، اختيار مصطلحاته التي يرى أصالتها ووجاهة استعمالها. فيضع مع القارئ اتفاقا منذ البداية وتذكيرا بين الفينة والأخرى عن دواعي استعمل لفظة، أو مصطلح دون آخر، وكأنه يحرص على تزويد قرائه بأدوات للفهم والإفهام، ليضع ما يكتبه في سياقاته التجديدية.

5-      نسج على غير منوال

لم يكن الإمام رحمه الله مقلدا لمن سبقه، أو متأثرا بمن عاصره، أو مستلهما من فيلسوف أو مفكر فقط، بل إن جانب التوفيق الإلهي الذي ألهمه فهما غير موروث عن عصور ما بعد الانكسار التاريخي، يجعله متفردا فيما كتب ونظر له في كتبه.

فقد جعل رحمه الله نصب عينيه مدرسة القرآن والنبوة بنصوصهما، وجيل الصحابة، أمام عينيه، ينظر فيهم ويكتب، يقرأ من خلالهم ويخطب، فألهمه الله تعالى بصيرة يستنبط بها وينأى بها عن التأثر بما شاب التراث الهائل من شوائب التعصب للآراء أو الركون للسلطة أو الاستكانة للبلاط.

فكتب ما كتب منظرا به لمشروع منهاجي، “ويكتفي في كل مجال على حدة بذكر الضوابط الشرعية، والحوافز الإيمانية، مع استحضار ما يمكن استحضاره، وما ينبغي استحضاره من المعلوم من كل مجال بالضرورة دون الدخول في التفاصيل التي هي من اشتغالات المتخصصين” 4.

6-      غزارة في التأليف وتنوع مجالات الكتابة

طالع أيضا  الحكم والسلطة والسياسة.. مقاربة ظاهراتية

كتب رحمه الله في مجالات كثيرة تعددت بقدر تعدد تجاربه ومداركه، فهو لم يتخصص فقط في مجال التربية والتعليم ليكتب فيه أول ما كتب في موضوعات بيداغوجية وتعليمية، في بداية سنوات الستينات، حين كان موظفا ساميا في وزارة التعليم، ومنها “كيف أكتب إنشاء بيداغوجياً”، و”مذكرات في التربية”، و”النصوص التربوية” قبل أن يلج عوالم أخرى بعد يقظته الروحية.

وفي بداية سنوات السبعينات بدأ الكتابة والتأليف في المشروع الإسلامي الذي دعا إليه بتنوع مجالاته وفي كل ما يرتبط بالإنسان، بداية من كتابي “الإسلام بين الدعوة والدولة” و”الإسلام غدا”.

وبعد سجنه الأول سنة 1979 بدأ في الكتابة في اتجاه يجمع بين الفكر والتنظير وتنظيم العمل الإسلامي، استهله بكتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، فكتب رحمه الله عن التربية والتزكية، وكتب عن السياسة والاقتصاد، كما كتب في الفقه الإسلامي وفي مختلف تجارب الفكر الإنساني وفلاسفة الغرب، فاطلع على أفكارهم وتجاربهم وحاورها من منظور التوجه الإسلامي السوي الذي يخاطب الفطرة السوية ويدعوها إلى خدمة الإنسان ومصالحه في الدنيا والآخرة.

ولم يغفل الكتابة عن مسار التاريخ الإسلامي على امتداد من النبوة مرورا بالانكسار التاريخي وصولا إلى الاستعمار، وما فعله في الأمة من خلال صناعة نخب على المقاس حتى إذا خرج ترك نخبا مغربة تسير على منواله وتحفظ مصالحه.

من المجالات التي كتب فيها الإمام رحمه الله، مجال التقارب بين النخب والحوار بين الفرقاء في ميداني الدعوة والسياسة، فحاول جاهدا أن يجمع العاملين للدعوة، كما جاهد في فتح قنوات الحوار -من خلال الكتب الحوارية التي ألفها- مع الفضلاء الديموقراطيين والنخبة المغربة والأمازيغ.

لم يكن الإمام كاتبا واصفا أو ساردا لما مضى أو محللا فقط لما يجري؛ بل كتب منظرا بمشروعه لغد الإسلام، مستشرفا مستقبل الخلافة الثانية على منهاج النبوة، مسترشدا بنصوص الوحي.

ومما تميز به أيضا رحمه الله في الكتابة، أنه ناصح الملوك وناصح ولاة الأمور وأئمة المسلمين وعامتهم، وقائل كلمة الحق، مهما كلفه الثمن، وخلف في ذلك رسائل تُحدّث عن نفسها وتتحدث بفخار عن مؤلفها رحمه الله.


[1] حوار سابق لموقع الجماعة مع الأستاذ منير ركراكي 6  يناير، 2014، https://www.aljamaa.net/ar/2014/01/06/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%a8%d8%a7-%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%b0-%d9%85%d9%86%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%83/.
[2] حوار سابق في موقع الجماعة، مع الدكتور أحمد محمود عيساوي 20 دجنبر، 2017، https://www.aljamaa.net/ar/2017/12/20/%d8%af-%d8%b9%d9%8a%d8%b3%d8%a7%d9%88%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%af%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a/”.
[3] نفسه.
[4] حوار مع الأستاذ منير ركراكي، مرجع سابق.