انخرط المغرب الرسمي في مسلسل التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، الذي ترعاه بكل وسائل الترغيب والترهيب الإدارة الأمريكية المتصهينة، تحت قيادة وإشراف الرئيس الأمريكي ترامب. في حين تم تغييب رأي الشعب المغربي ولم تتم استشارته في قرار مصيري مثل هذا، لا هو ولا قواه الحية السياسية والحقوقية والنقابية والشبابية.

وهكذا واصل المخزن مساره في اتخاذ القرارات الانفرادية والتدبير الأحادي، ليشمل هذه المرة هذا الموضوع الحساس، الذي يعني المغاربة قاطبة، لكونه يتعلق بمقدساتهم وأوقافهم التاريخية، التي لا يحق لأحد مهما كان وضعه أو منصبه أن يقرر فيها لوحده.

الخطير في الأمر أن قرار التطبيع هذا لم يجد له واضعوه وأصحابه من مبرر أو مسوغ سوى ربطه بقضية الصحراء في خطوة فجة لا اعتبار لها سياسيا ولا قانونيا ولا على الأرض. ذلك أن قرارات البيت الأبيض بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، أو فتح قنصلية بمدينة الداخلة ليست بالقوة والوزن الذي يتم التسويق له، ليس فقط للمعارضة الدولية التي جابهتها من طرف الكثير من الأطراف الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة التي أسرعت إلى التأكيد على أن القرار الأمريكي لا يغير من الوضع القانوني لوضع الصحراء. ليس فقط لهذا الاعتبار الدولي، وإنما كذلك لأن السياسة الخارجية الأمريكية متقلبة مع المصالح ولا يثبت لها قرار، وتتبدل مع كل موسم انتخابي وما يستتبعه من تغيير في زعامة البيت الأبيض أو توزيع نسب مقاعد الكونغرس.

المهم أن قرار التطبيع أصبح واقعا لدى متخذيه من ساسة المغرب الرسمي، الذين يحثون الخطى لتنزيل مقتضياته ومضامينه قسرا في واقع الناس. أما المغرب الشعبي الذي تمثله الغالبية المغلوبة على أمرها من المغاربة فلا رأي لها ولا مشورة، على عكس الاستشارات والاستفتاءات الاستعراضية التي شهدها المغرب في أحداث ومواقف أقل شأنا من التطبيع مع الكيان الغاصب.

طالع أيضا  بوقفة مركزية أمام البرلمان واحتجاجات في باقي المدن.. الجبهة المغربية تعلن تخليد اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

في 31 غشت 1984 دعي المغاربة إلى استفتاء شعبي على اتفاقية الاتحاد العربي الإفريقي الموقعة بين الملك الحسن الثاني ومعمر القذافي بمدينة وجدة المغربية في 13 غشت 1984.

قرار الاستفتاء جاء من خلال ظهير وقعه الحسن الثاني لاستطلاع رأي الشعب المغربي، وإن كان شكليا، حول إعادة ربط العلاقات بين المغرب وليبيا، وهما دولتان عربيتان مسلمتان شقيقتان، يجمع شعبيهما الكثير من الروابط التاريخية والدينية واللغوية.

أليس حري بالمخزن ودهاقنته، أن يستفتى المغاربة في قرار التطبيع مع الصهاينة، الذي يهم سيادة المغرب داخليا وخارجيا، ويتعلق بأحد أقدس البقاع لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حتى وإن كان ذلك صوريا لا أثر له في الواقع؟

بل أليس من الغباء أن يدوس حكام البلد مشاعر آلاف بل عشرات الآلاف من ذوي الجنود المغاربة الذين استشهدوا في القنيطرة السورية دفاعا عن الأراضي في حرب 1973 والذين قتلهم الصهاينة، ولا يراعون حرمة لذلك؟

أم إن الشعب لا يجب أن يكون له رأي في مثل هذه القضايا، بل من المفروض عليه أن يلزم الصمت والطاعة، وألا ينبس ببنت شفة، حتى لا يعكر جو “الإجماع الوطني”.

إن حجم التجييش الذي عرفته العاصمة الرباط يوم الإثنين 10 دجنبر، لمنع وقفة احتجاجية سلمية رافضة لقرار التطبيع مع الصهاينة، والتي دعت إليها العديد من الفعاليات المدنية المغربية، والتي تمثل معظم مكونات الطيف السياسية والحقوقية المغربية، المعروفة والمشهود لها بسلميتها وانضباطها، يكذب شعارات أن السيادة والسلطة للشعب، ويفضح زيف الديمقراطية والمشاركة في اتخاذ القرار، التي طالما ملأت أجواء ومدن وأزقة المغرب صداعا عند كل جلبة انتخابية.

إن إرادة الشعوب لا تقهر، ومهما حاول الحاكمون تهميش الشعب والاستفراد بالقرارات المصيرية للبلد، فإن ذلك لن يزيد سوى من توسيع وتقوية موجة الغضب العامة من طريقة تدبير شؤون المغرب والقائمين عليها، كما سيؤدي إلى فقدان الثقة في العملية الانتخابية ومخرجاتها، وهي التي باتت على الأبواب.

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين وضد التطبيع تنادي بجعل الأحد 16 ماي يوماً تضامنياً وطنياً مع فلسطين