تعد الإحاطة التاريخية بقضية ما، منطلقا مهما نحو تحصين الحقيقة المعرفية من كل أشكال التزييف والتحريف، فتحصين الحقيقة المرتبطة بالذات يعني تحصين الذات نفسها، والسيطرة على الشيء يعني معرفته بالأساس.

 لهذا لما كانت الحركة الصهيونية تعتزم التأسيس لأكبر مشروع استيطاني عرفه التاريخ، وقبل أن تحشد كل قوى العالم خلفها لتغتصب الحق الفلسطيني، انطلقت من مزيج من الادعاءات الأسطورية التاريخية واللاهوتية، واستهدفت أولا الذاكرة الجماعية للأمة، وعمدت إلى كي الوعي الإنساني عبر تفريغ فلسطين من تاريخها وحضارتها وشعبها، وقلب الحقائق وتصوير الضحية إرهابي، والإرهابي ضحية، لتتجاوز بأطماعها الصهيونية حدود الأرض، وأبعاد الحاضر والمستقبل، وتحتكر لنفسها تاريخ فلسطين بدءا من أعماق التاريخ القديم، في محاولة لإيجاد جذور مفقودة لكيان استيطاني مصطنع لا يتجاوز عمره 72 سنة.

صحيح أن فلسطين بسبب موقعها الجيوستراتيجي ومكانتها الحضارية والدينية تعرضت للغزو والاجتياح الخارجي عدة مرات، لكن تاريخيا، لم يكن الغزو بهدف طرد السكان الأصليين أو إبادتهم من أجل إحلال حضارة محل حضارة، وإحلال شعب محل شعب، كما خططت ونفذت الحركة الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني. فالانتداب البريطاني لفلسطين وزرع الكيان الصهيوني فيها، لم يكن أبدا كما تدعي الأسطورة الصهيونية صلة ربط بين مملكة سليمان قبل الميلاد ومملكة “الميعاد” المسماة “إسرائيل” في القرن 20، فالتاريخ كما الجغرافيا، يتسمان دائما بالاستمرارية لا بالقطيعة، وفلسطين من أقدم البقاع التي عمرها الإنسان، وأسس عليها حضارات كبرى مثل الحضارة الكنعانية القديمة، وجلب أنظار حضارات أخرى مجاورة عديدة تفاعل معها وأثر فيها وتأثر بها، مثل الحضارة الفارسية واليونانية والرومانية. كما كانت أيضا موطنا لكثير من الرسالات السماوية.

لذلك من الواجب علينا، نحن ورثة الحقيقة الفلسطينية الساطعة والممتدة في أعماق التاريخ، والحاملين لمشروع تحرير جغرافيا فلسطين من الاحتلال الصهيوني، أن نزيل الستار عن الحقيقة، كل الحقيقة المرتبطة بهذه القضية، ليتأتى لنا فهم مكنوناتها ومعرفة أسرارها، عبر إعادة دراسة الحقيقة الفلسطينية الضائعة، حقيقة قضيتها وتاريخها وإنسانها وأرضها ودينها، وكذا التعرف على حقيقة العدو الصهيوني وتاريخه وأيديولوجيته وارتباطاته وتحالفاته وطموحاته، بما يحقق الوعي الضروري بمقتضيات الصمود والانتصار.

طالع أيضا  الأمم المتحدة تحذر من قانون «القدس الموحدة» الصهيوني

من هنا أهمية رفع حجب الأسطورة واللاهوت والأيديولوجية عن الحقيقة الفلسطينية، من خلال دراسة تاريخية علمية تشمل التاريخ والسياسة والدين والاجتماع والثقافة، من أجل فضح الادعاءات الصهيونية التي بدأت تنطلي على بعض بني جلدتنا؛ فما حقيقة الادعاءات الصهيونية التاريخية والدينية بخصوص حق اليهود في فلسطين؟ كيف استطاعت الحركة الصهيونية إحداث كل هذا الانقلاب في التاريخ والواقع الفلسطيني فهجّرت وقتلت شعبا بأكمله، كيف استطاعت أن تتغلب على جيوش الدول العربية متفرقة وموحدة أيضا؟ ثم كيف كانت ردة الفعل الفلسطيني أمام هذا التعدي الغاشم؟ وماهي المسارات الممكنة لاسترجاع الحق الفلسطيني الضائع؟

الإجابة على هذه الأسئلة كانت ستكون بديهية، لو كنا أمام سياق عادي، لكن والوضع غير ذلك، أمام حجم التغيير والتزوير والتهجير الذي طال الحقيقة الفلسطينية في تاريخها وحاضرها وحضارتها وشعبها، فإن أهمية تتبع خيوط هذه الحقائق معرفيا تتضاعف من أجل تحصين الحقيقة، ووضع الأجيال الصاعدة على سكة التحرير التي لا سكة غيرها ممكنة في العلاقة مع الصهيونية.

يتبع…