أجرى موقع “بديل أنفو” حوارا مع الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، حول قرار المغرب تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال الصهيوني، وما رافقه من قرار الر ئيس ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. ننشره تعميما للفائدة.

بداية.. كيف ترى الاعتراف الرسمي لأمريكا بمغربية الصحراء إذا ما تم استحضار سياقه الزمني؟ أي هل تعتقد أن الإدارة الأمريكية المقبلة ستلتزم به؟

هذا الأمر دار حوله نقاش كبير، لكن المشكل ليس في هذه التفاصيل القانونية المتعلقة بالالتزام أو عدم الالتزام. فبديهي أن الإدارات الأمريكية يمكنها أن تُغيّر أي قرار كيفما كانت طبيعته، سواء كان رئاسيا أو حتى قانونا صادرا عن الكونغرس. فالرئيس له آليات ومساطر لمراجعة الأمور. الأمر يتعلق بالمصالح، ولا يمكن لأحد الآن تقدير ما ستكون عليه مصالح الإدارة القادمة.

ليس المشكل هنا، المشكل يتعلق بنا نحن، يتعلق بهذه المقايضة لقضية صحرائنا بشرعنة الاحتلال الصهيوني لفلسطين. هذا هو الموضوع.

المشكلة في اعتقادنا في أمرين، وسبق أن أوضحناها في بيان الجماعة؛ أولا: مقايضة قضية الصحراء، التي هي قضية مشروعة بالنسبة لنا، ولا يجادل فيها أحد ولا يزايد فيها أحد، بشرعنة التطبيع أي شرعنة احتلال فلسطين.. والأمر الثاني: هو انفراد النظام المغربي بتدبير موضوع الصحراء تاريخيا. وبالتالي، ففي تقديرنا أن كل المشاكل الناتجة عن هذا الملف طيلة هذه العقود، سببها الرئيسي، بل منشأها أصلا، هو الأسلوب الخاطئ في التدبير.. النظام يُدبّر بانفرادية، لا يشاور أحدا، ولا يشرك معه مؤسسات المجتمع بما فيها حتى المنتخبة.

وبهذا الأسلوب، لا يُمكنه إلا أن يراكم الأخطاء والمشاكل. والآن، الكل يُعلّق، ويقول كيف يُمكن أن تراهن على إدارة في آخر أيامها؟ كيف يمكن أن تراهن عليها، وهي في الدقائق الأخيرة أو في الوقت الميت؟

بخصوص ما عبّرت عنه بـ”المقايضة”، ما تعليقك على أن ذلك طرأ في ظل حكومة يقودها “حزب العدالة والتنمية” الذي أشاد بهذا التطور في بيانه الأخير؟

كما سبق وأن قلت لك: هذا تدبير انفرادي للنظام. وكل من رضي لنفسه أن يكون مصفقا للنظام بدون أي تحفظ، وبدون أي اعتراض، أو من توهم أنه يمكن أن يُصلح من الداخل، أو يفرض شروطه من داخل اللعبة فهو مخطئ. كل من يعمل داخل منظومة المخزن سواء كان فردا أو حزبا، سواء كان في موقع حكومي أو في موقع مجتمعي، لا يمكن أن تنتظر منه إلا أن يُصفق لكل القرارات أو على الأقل يجد نفسه تابعا، وفي حرج شديد، ولا يستطيع معه حتى أن ينبس بكلمة أو ببنت شفة في الموضوع.

طالع أيضا  تعنيف واعتقال "أساتذة التعاقد".. والحكومة الجديدة تخفق في أول امتحاناتها

وهذا ما كان يريده النظام بالتجييش منذ بداية موضوع الكركرات، وبالحشد الإعلامي لفتح القنصليات في الصحراء. كل ذلك كان دليلا واضحا على أنها مقدمات لموضوع آخر، هو موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني.

بالنسبة لي الكل يتحمل مسؤوليته، وليس من الضروري أن أعلق على هذا أو ذاك، إنما أرصد جوهر المشكل؛ وجوهر المشكل هو انفراد النظام، انفراد المخزن بتدبير هذه القرارات.

أيعني هذا، أن الحزب لا يتحمل أية مسؤولية؟

الذي يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى هو النظام. ومن قَبِل أن يكون تابعا للنظام وخادما له، فهو طبيعي يتحمل المسؤولية بالتبعية، وأقصد الجميع ممن يشتغلون مع المخزن، فمن هو الحزب الذي اعترض على التطبيع من الأحزاب الرسمية؟ لا أحد.

أحزاب فيدرالية اليسار؟

أنا أتكلم عن الأحزاب المشاركة من داخل الحكومة، لأن هناك مواقفا مشرفة لعدد كبير من الهيئات والمنظمات والجمعيات. فقرار التطبيع بالنسبة لي يبقى قرارا معزولا، قرارا لا يحظى بالإجماع الشعبي.. وكثير من القوى في المجتمع من أحزاب، ومنظمات، وجمعيات، رافضة لهذا القرار، بل حتى بعض الأحزاب الرسمية تلمح إلى الرفض، ولو من طرف خفي، وهذا مهم.

طيب، أصدر مجلس إرشاد الجماعة بيانا في هذا الموضوع، واستعمل فيه عبارة “دولة إسرائيل”.. وانطلاقا من هذا، قد يتساءل البعض ويقول: مادامت “إسرائيل” دولة، وأن العلاقات الدولية قائمة على أساس المصالح، فلماذا الاستمرار في رفض التعامل معها؟

لا، لا. البيان تكلم أكثر من مرة عن الكيان الصهيوني الغاصب ويتكلم عن الاحتلال. فهذه دولة غاصبة، بغض النظر عن العبارة، التي نضعها دائما بين مزدوجتين. هذا كيان غاصب. هذا كيان محتل. وبالتالي هناك رفض، ليس في المغرب فقط، بل في كل أوساط الأمة، لأي شكل من أشكال التطبيع مع هذا الكيان. هذا مبدأ، لا يمكن أن يُقايض لا بمصالح مادية، ولا جغرافية، ولا بأي شيء.

طالع أيضا  التعاقد في قطاع التعليم بالمغرب.. أزمة رؤية ومأزق تدبير

طرحُ البعض يقول إنها دولة قائمة الذات، يعني أنها فرضت نفسها في الوجود، فلماذا نرفض التعامل معها في إطار المصلحة؟

هذا كيان احتلال. لا يُمكن أن يكون أمرا واقعا. يُمكن أن يكون مفروضا بالحديد والنار، ولكن في الطرف المقابل، نحن نقاوم بكل الأشكال لرفض هذا الواقع.

لو جاز هذا المنطق، لاستمرت فرنسا في احتلال المغرب إلى اليوم.. أو لاستمرت في احتلال الجزائر أو لاستمر الاحتلال في جميع الدول. لا يمكن أن نقبل واقعا مفروضا بالحديد والنار ولا أن يصبح مشروعا. هناك فرق بين أن يكون واقعا، وبين أن ينال المشروعية.

الاحتلال لا يتقادم كما لا تتقادم تبعاته، فالدول المستقلة إلى حدود اليوم، لازالت تطالب بحقوقها التي لم تتقادم بشأن ما خلفه الاحتلال من جرائم فيها. وهذا، طبعا بدرجة أكبر، وبدرجة أقوى، ينطبق على ما يرتكبه الكيان الصهيوني في فلسطين.

ثم إن قضية فلسطين أكبر من قضية جغرافية. الصراع في فلسطين هو صراع عقدي أولا وقبل كل شيء. صراع عقدي قبل أن يكون مسألة جغرافية أو مسألةَ سياسة.

فيما يتعلق بأنها “كيان غاصب”، البعض يتفق مع ذلك، لكنه في الآن ذاته يقول أن ذلك ليس مبررا لتجاوز التعامل معها، لأن لا يُلغيها؟

هذا هو المسمى بالتطبيع، والتطبيع أجمعت الأمة على أنه غير مشروع. فنظرا لحساسية هذا الأمر ولأجل عدم إعطائه الشرعية، فحتى القدس الذي يُعتبر ثاني القبلتين لدى المسلمين، أجمع العلماء على عدم جواز السفر إليه، كيلا يتخذه الناس ذريعة من أجل الحج إلى القدس، وإعطاء الشرعية لذلك الكيان.

 طيب، هناك جملة تُقال هي: ”تازة قبل غزة”، وعلى خلفيتها يقول البعض: “قضايا الشعب المغربي أولى”، ويعتبر “التنظيمات التي ترفع شعارات التضامن مع فلسطين”، بأنها تُضلل وعي الناس، وتُبعدهم عن مشاكلهم المطروحة هنا، كيف ترد على هاته الأفكار؟

طالع أيضا  الأساس الأخلاقي عند العرب.. مع الإمام عبد السلام ياسين

إذا جاز هذا المنطق، وهو غير جائز، فلماذا يتم الربط ما بين موضوع الصحراء، أي تازة، وبين فلسطين؟ كيف يسعى أصحاب هذا الادعاء المتهافت إلى الانتفاع من هذه المقايضة؟ إذن هم متناقضون مع أنفسهم.

هذا غير جائز، وغير منطقي. فإذا جاز هذا المنطق، لماذا تتدخل أمريكا، الموجودة في أقصى العالم، في فلسطين، وفي الشرق الأوسط بكامله، وتتدخل في المغرب، في الصحراء؟ إذا جاز هذا المنطق فلماذا يهتم المغرب ويتدخل كوسيط في قضية ليبيا أو غيرها؟

هذا منطق متهافت، ومن يقول هذا فقط يريد أن يبرر ما لا يبرر. ومن يقوله منتفع، وكلامه مردود عليه، وهو استثنائي، والشاذ لا حكم له.

أريد أن أشير هنا إلى فكرة أخرى تريد تبرير التطبيع، وهي أن القضية كما يقولون تتعلق بجالية يهودية مغربية في فلسطين ولها الحق أن تعود للمغرب.  بالنسبة لي ليست هناك أي جالية مغربية في فلسطين. فكل من يوجد على أرض فلسطين، من أي ديانة كان، ويُساند الكيان الصهيوني، ويستوطن على أرض ليست من حقه، فهو محتل.

الأكثر من ذلك، إن جريمة الاحتلال لا يقع وزرها فقط، على أولئك المحتلين هناك، بل حتى على من قام بتهجيرهم. فعندما تتحدث اليوم عن آلاف اليهود المغاربة في فلسطين، يُطرح السؤال كيف وصلوا إلى هناك؟ كيف خرجوا من المغرب إلى هناك؟

إذن من قام بذلك هو شريك في جرم احتلال فلسطين، ومن يقيم هناك ويدعم الكيان الصهيوني هو أيضا محتل وجب التبرؤ منه ومحاكمته لا استضافته.