في إطار فعاليات الذكرى الثامنة لرحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله، يحاول المقال استكشاف البعد الإنساني في مشروعه وموقع الإنسان وليس المسلم فقط. إن وجاهة السؤال، بل وبداهته جاءت من كون البعد الإنساني هو لبُّ وأساس الرسالات السماوية رحمة بالإنسانية، ووقاية لها من الخسران المبين بالاستجابة لنداء الإيمان لتعيش سعادة الدارين. وحيث إن دعوات الإصلاح ومشاريع تجديد الإيمان إنما هي امتداد للرسالات تنهل من معينها، وحيث إن مشروع الإمام المرشد دعوي منطلقا وغاية، منشؤه الرأفة والرحمة وحب الخير للإنسان، فلا عجب أن يكون البعد الإنساني جوهره، يخاطب المسلمين باعتبارهم أهل استجابة لتجديد إيمانهم قصد الارتقاء في مدارج الإيمان، ويخاطب عامة الناس من كل الثقافات باعتبارهم أهل دعوة رجاء انتشالهم من براثن الكفر والجهل بالله والدخول في دين الله تعالى. و“أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه. أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور” 1.

إن البعد الإنساني في المشروع التجديدي للإمام المرشد تحصيل حاصل، انسجاما مع التكريم الإلهي للإنسان، بما هو إنسان بصرف النظر عن أي اعتبار أو محدد؛ تكريم على قاعدة حقوق الإنسان، وهي في نظر الإمام المرشد “غير قابلة للتقادم، لأنها تصدر عن أمر إلهي… أمر موجه إلى جهلنا لنعامل الرجال والنساء بالقسط، بل بكل التقدير الذي يستحقه كائن يستمد كرامته من أصله ووجوده” 2؛ تعامل بالقسط وبكل تقدير، بل وسعي حثيث وجهاد مستميت من أجل تحرير المستضعفين من عباد الله مما ينال من كرامتهم ويهضم حقوقهم. “وإن من كمال الإيمان وشرط الدعوة أن يُؤَرِّقنا هَمُّ المحرومين… وإن كان الهم بالمستضعفين أسبقَ فلا ينبغي أن يحجب عنا همّ الآخرين. فالعبادُ رَحِمٌ واحدة، وصِلَتُها بالشفقة والإحسان خصلة إيمانية إحسانية رفيعة. وأيُّ إحسان أحسنُ وأرفع من تنبيه الغافل وإعلام الجاهل وإنذار المستهين وتبشير السادِر بما ينتظر العباد بعد الموت. رحِمٌ واحدة هي رحِم الإنسانية، وحقوق الإنسان…” 3.

  رحم إنسانية واحدة توجب رأفة وشفقة بالناس، عموم الناس قدمت لنا السنة النبوية دروسا تطبيقية، “ففي زمن النبي صلى الله عليه وسلم مرت جنازة أحد يهود المدينة ـــ الذين دأبوا على خيانة العهود المبرمة مع المسلمين ـــ أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقام معلنا احترامه لها. تعجب أصحابه وسألوه عن سبب قيامه فأجابهم: “أليست نفسا؟” ليلقننا بهذا الدرس التطبيقي أن كرامة الإنسان تنبع من كونه إنسانا وليس من اعتبارات أخرى” 4؛ وعليه، فـــ “لليهود ـــ باعتبارهم بشرا ـــ الحق في شفقتنا مثلما لكل مستضعف في الأرض… فنحن ملزمون بألا نحقد على اليهودي باعتباره يهوديا، خاصة إذا كان معاديا صراحة وباقتناع للصهيونية، إذ للجمعيات المعادية للصهيونية وجود” 5.

لقد كرم الله تعالى الإنسان وشرفه على سائر خلقه، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا 6، تكريم مقرون بنعم ظاهرة وباطنة تُوج بتفضيل على كثير مما خلق الله تعالى، ولذلك، فكل دعوة إنما تستمدّ مشروعيتها وشرعيتها من موقع الإنسان فيها اهتماما وتهمما. موقع مركزي للبعد الإنساني في مشروع الإمام المرشد وقناعة جلت إصداراتُـه مكتوبة ومرئية ومسموعة حجم تهممه بالعقبات التي تحول دون مسارعة المسلمين لتلبية نداء تجديد الإيمان والانخراط في سلك الطالبين وجه الله تعالى، وكذا العوائق التي تحرم الإنسان من مختلف الثقافات والأصقاع من الاستجابة لنداء الهداية. يقول رحمه الله متحرقا: “نخاطب الإنسان والعالم بكل لغة يفهمها لندخل إلى فطرته المطموسة المخمورة المخدرة نوصل إليها رسالة الإسلام، وخبر الآخرة، وخبر الجزاء، وخبر الخلود في الجنة أو النار، وخبر النبوءة”. 7.

 لقد نذر الإمام المرشد حياته لبلورة مشروعه التجديدي، فأصّل وسائل التربية، وأنار دروب السلوك إلى الله تعالى إعدادا لأجيال تحمل لواء الدعوة، وتبلغ نور الهداية إلى خلق الله، وتسير فيهم بالسلوك القويم والنموذج النبوي في المعاملات والأخلاق والاقتصاد، “فيُقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا من تحت الأنظمة الطاغية في الأرض حتى تعمَّ القومةُ أرجاءها إن شاء الله”. 8 وبشكل مواز، لم يدخر رحمه الله جهدا لتخليص المغرر بهم من بني جلدتنا والبشرية جمعاء بثقافات وفكر مضلل صدهم عن الهداية. “سيكون هدفُنا الدَّعوِيُّ إبلاغَ الإنسان أينما كان بلاغَ التوحيد، وبلاغَ الأخُوَّةِ بين البشر، وبلاغَ السلام في العالم، وبلاغَ العدل والإحسان”. 9

بُعدٌ إنسانيٌّ يراه الإمام المرشد واجبا مقدسا يتجاوز المستوى الفلسفي لمفهوم “التكريم” ويترجم سلوكا وموقفا، بل وعبادة تعبدنا الله بها، فــــ “حقوقُ الإنسان مروءةٌ نحن أحق بحمل لوائها”. 10 حقوق تُفضي لكرامة حقيقية تضمن للإنسان الحق ليس في تقاسم اللغط المشوش على الفطرة، بل في سماع بلاغ الإنذار وبيان البشارة. “وإن ما أوجبه الله عز وجل على المؤمنين من القتال من أجل المستضعفين يهدف بالنية الواعية إلى إزالة عوائق الظلم عنهم لتتأتى لهم فرصة الاستماع لبلاغ الإنذار وبيان البِشارة “ 11.

طالع أيضا  أولادنا والعناد.. قواعد ذهبية في تربية الأبناء والبنات

وإذا كانت البعثة المحمدية رحمة للعالمين، فلا غرابة أن يتأسس المشروع التجديدي للإمام المرشد رحمه الله على قاعدة هذه الرحمة باعتبارها كنه الميراث النبوي. “مَنْ وَلِيُّ المستضعفين ونصيرُهم مِنْ ظلم جَبّاري القُرَى وطغاتِها إلاَّ نحنُ؟ من للأرملة والضعيف من الرجال والوِلدَان إلا نحن؟ كتابا من عند الله، والتزاما يُطلب إلينا الوفاءُ به بدمائنا وأرواحنا. لن نكون إن شاء الله إلا كما كان الأولون أهلَ وفاءٍ ونجدة وثقة… لاسيما الوفاء للمستضعفين في الأرض، والأمانُ للخائفين، والكَفالةُ لكل ذي عَيْلَةٍ” 12.

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش من مكتبة الإمام المرشد رحمه الله:


[1] الإسلام والحداثة ص: 238.
[2] الإسلام والحداثة ص: 237.
[3] العدل. ص: 369.
[4] الإسلام والحداثة ص: 237.
[5] الإسلام والحداثة ص: 235.
[6] سورة الإسراء. الآية: 70.
[7] سنة الله. ص: 328.
[8] إمامة الأمة. ص: 262.
[9] نفسه
[10] سنة الله. ص: 317.
[11] سنة الله. ص: 369.
[12] إمامة الأمة ص: 270.