من أصعب ما ابتلي به التحليل السياسي أنصاف أو أشباه محللين، وظيفتهم الأساسية التضليل وليس التنوير، يركزون في الآحداث والوقائع على ما يخدم مواقفهم وهواهم وموقعهم، والتغاضي والتجاهل لما لا يخدم ذلك.

من أول ما يتعمله المحلل أن ينطلق من رصد محددات الموضوع الذي يريد تحليله. وهنا يقع التحايل على الوقائع والقارئ وقبلهما الحقيقة.

في الموضوع المثار في الآونة الأخيرة، هناك محددان اثنان لا يمكن تجاهل أحدهما لأنهما مثل العملة التي لا تحمل حقيقة اسمها إلا إذا كان لها وجهان.

هناك المحدد الأول وهو اعتراف ترامب عبر إعلان رئاسي بمغربية الصحراء، والمحدد الثاني هو إقامة المغرب لعلاقات طبيعية مع “إسرائيل”.

هل يمكن التغاضي عن أحدهما؟ هل يمكن تقديم قراءة موضوعية بدون النظر فيهما معا؟ طبعا لا.

في الموضوع الأول، يمكن اعتبار الاعتراف الأمريكي مكسبا حقيقيا. وهو تحصيل حاصل بالنسبة للمغاربة، وتقوية لموقع المغرب دوليا في سعيه لإثبات سيادته على مناطق تشكل جزءا من وطنه. وهذا لا شك فيه. ولكن المحلل يلزمه، في مثل هذه المناسبات، ألا يكون سطحيا بدون أسئلة نقد. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: ما هو الثمن؟ وسؤال الكلفة مشروع وضروري في أي موقف استراتيجي، وخاصة إن تعلق الأمر بأمريكا التي تقوم سياستها على البراكماتية، وتتأكد الخصوصية إن تعلق الأمر بإدارة ترامب “البيزنسمان” الذي لا يعرف غير منطق الصفقات. ومصطلح صفقة القرن وابتزاز حكام السعودية بمليارات الدولارات خير مثال. الأولى لمن يتفاخر بهذا الانتصار أن يملك الشجاعة للإجابة عن سؤال الكلفة؟ ويتقدم في التحليل أكثر ليجيب عما يمكن للمغرب أن يقدمه كثمن أو يضغط به أو يغري به إدارة ترامب، أو بالأصح يجيب عن سؤال ما يجعل المغرب يستجيب لإدارة أمريكية في آخر مراحل ولايتها وهو يعلم ذلك.

ليس هناك في السياسة مواقف مجانية ولكن لكل شيء مقابل. ما هو المقابل الذي دفعه المغرب للإدارة الأمريكية؟!

طالع أيضا  طلاب هارفارد يقاطعون محاضرة قنصل الاحتلال الصهيوني بنيويورك.. رسالة محرجة لدعاة التطبيع

لا يحتاج السؤال عبقرية للجواب. تزامن الحدثين زمنا وموضوعا، ووحدة جهة إصدار القرارين تؤكد العلاقة والترابط والتكامل بينهما.

ماذا سيضيف الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء؟ الجواب الدقيق هو أن هذا الاعتراف قد يقوي موقع المغرب ولكنه لن يحسم الملف تأكيدا والفقرة الأولى من إعلان ترامب واضحة وتوجه الإدارة الجديدة للديمقراطيين واضح عبر التاريخ لإنهاء هذا الملف. الموضوع في أروقة الأمم المتحدة ويتحكم في مجرياته أكثر من فاعل في مجلس الأمن، ونظرة عدم الرضا عن القرار من طرف الروس والصين والاتحاد الأوروبي مؤشر يؤكد هذا المنحى.

أهم ما يقوي موقف المغرب في ملف الصحراء هو وحدة جبهته الداخلية والطريقة الديمقراطية والتشاركية لتدبير الملف، وهذا هو الغائب للأسف، حيث تنفرد جهة واحدة في التقرير وتريد من الجميع المصادقة وتحمل التبعات. هذا ليس منطق التدبير المواطن. كل ما سيحدث هو خضوع المغرب لابتزاز أمريكي بعدما كان خاضعا لابتزاز فرنسي.

يلزم بعض الباحثين كثير من الاستقلالية والحياد لفهم الفرق بين النظام/السلطة/الحكم وبين الدولة/التراب/الأمة. الاعتراض على النظام وعلى طريقة تدبير ملف أو مخرجات سياسة عمومية، لا تعني خروجا على الدولة إلا في ذهن من يتعمد الخلط لأهداف لا تخفى على القارئ، الذي صار يميز الخبيث من الطيب.

فيما يخص إعادة العلاقات مع “إسرائيل”. هناك دفع رسمي بأن المغرب لم يقم إلا بإحياء علاقات قديمة، وبأن للمغرب خصوصية بحكم أن يهود مغاربة كثر هناك، وبأن إعادة العلاقة لا تعني التخلي عن حقوق الفلسطينيين و…

التطبيع مصطلح متداول عالميا ومعناه جعل العلاقة طبيعية مع دولة أخرى. على هذا المستوى، لا يمكن وصف العلاقة الجديدة إلا بهذا الوصف. وعلى من يقول بغير هذا أن يثبت لنا وجه الاستثناء في هذه العلاقة الجديدة يجعلنا نقول بأن هناك تحفظا على هذا الكيان وعلى جرائمه ضد الإنسانية وعلى طابعه العنصري.

طالع أيضا  ساكنة مدينة تطوان تندد بالتطبيع في 4 وقفات مسجدية اليوم

من يدعي أن مكتب الاتصال كان منذ تسعينات القرن الماضي عليه أن يتذكر توقيت إغلاقه وسبب ذلك! وعليه أن يقنع المغاربة عما تغير في السياسة الإسرائيلية منذ ذلك الوقت ليعاد فتحه.

إن المتابع لما يحدث في فلسطين يلاحظ غطرسة صهيونية تمثلت في:

– نقل العاصمة إلى القدس بتواطؤ مع إدارة ترامب.

– الإعلان عن يهودية الدولة.

– توسع الاستيطان.

– وقف المساعدات عن الفلسطينيين…

ولذلك فادعاء مساندة الفلسطينيين غير صحيح، لأن واجب الوقت يقتضي مقاطعة هذا الكيان وعدم مد أركانه بطوق النجاة ومنحه مصداقية، وخاصة أن نتنياهو مهدد بالمحاكمة في أي وقت.

لا ننسى جرأة التصريحات الرسمية التي تتحدث عن إمكانية تطور العلاقات إلى ما هو أكبر من مكتب اتصال إلى علاقات دبلوماسية كاملة، والمقصود طبعا سفارة وتبادل سفراء. أليس هذا هو التطبيع بمعناه الذي قلنا سابقا؟ أي جعل العلاقة طبيعية. والترجمة خير معبر (normalisation) وتندرج في هذا الإطار كذلك تصريحات وزير الخارجية حول إمكانية زيارة إسرائيل. هل هذه نصرة للفلسطينيين أم طعنة في ظهرهم؟

من يدعي أن اليهود المغاربة متشبثون بمغربيتهم وبزيارة بلدهم الأصلي يخلط الأوراق ويربط بين ما لا يحق ربطه بسبب غياب الفارق. لا مشكلة لدى المغاربة مع اليهود المغاربة لأنهم جزء من النسيج المجتمعي المغربي المتنوع، ومنهم مناضلون ضد الصهيونية وجرائمها لا يمكن إلا الاعتزاز بمغربيتهم. ويشهد التاريخ ألا أحد تعرض منهم لاضطهاد أو تمييز وهذه نقطة تحسب للمغرب والمغاربة. ولكن الوقائع العملية تبرز أن مغاربة متجنسين بجنسية إسرائيلية، ويستوطنون أرضا مغتصبة ويصوتون لحكومة تجعل من التنكيل بالفلسطينيين برنامجها، يلزم إسقاط الجنسية المغربية عنهم وليس تكريمهم والاحتفاء بهم وفتح خط الطيران المباشر معهم.

لينتبه المغاربة إلى خطورة هذا التطبيع النفسي مع مجرمين ومحتلين، ولينتبهوا أكثر إلى خطورة الخط المباشر من الجهة الأخرى بمبرر السياحة الدينية وفتح الباب لزيارة المسجد الأقصى. لنتذكر فتاوي التحريم الإسلامية والمسيحية لهذه الزيارة والتي تزداد تأكيدا في هذا السياق. مات البابا شنودة ولم يخضع لضغوط السادات ومبارك بهذا الخصوص وترك فتواه التاريخية حول تحريم هذه الزيارة رغم أهميتها للمسيحيين.

طالع أيضا  "صفقة القرن" التي رفضتها مسيرة الرباط.. بطاقة تعريفية كاشفة للمساومة

كنا سنفرح أكثر لو كان الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء بعيدا عن منطق المقايضة والصفقة على حساب الفلسطينيين، لأن الإرث النضالي صنف القضية الفلسطينية كقضية وطنية أو كقضية مركزية. وحتما لا يسع كل مغربي إلا تثمين هذا القرار.

كنا نتمنى أن يسمع حكامنا لنبض الشعب والاصطفاف إنسانيا مع الحق الفلسطيني والمساهمة في الضغط على الحكومة الإسرائيلية والإبقاء على عزلتها في المنطقة لأنها سرطان قبل أن تكون جارا.

لم يكن من الحكمة الربط بين الملفين بتحقيق نصر في واحد على حساب الآخر طالما أنهما معا قضايا وطنية.

يمكن الآن فهم خلفيات تجميد مقترح القانون حول تجريم التطبيع الذي أقبر بدون تقديم مبررات ذلك، فالأمر كان مبرمجا وتم طبخه على نار هادئة ووقت طويل.

أكبر تحدي أمام من يدافع عن التضحية بالموقف من الحق الفلسطيني لصالح قضية الصحراء المغربية هو تنظيم استفتاء شعبي حول هذا الأمر. هذا هو الخيار الوحيد لمعرفة رأي المغاربة. هل يقبل أحد هذا التحدي؟! حينها يلتزم الكل لأن سيادة الشعب تعلو ولا يعلى عليها.