قبل تسع سنوات، وفي صبيحة يوم 28 محرم 1434 هـ الموافق لــ13 دجنبر 2012، أسلم الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الروح لبارئها سبحانه، بعد مسيرة موفقة غنية بطلب وجه الله، حية بالجهاد والعطاء العلمي والتربوي والدعوي، كان من ثمارها البارزة انتظام الآلاف من المؤمنين والمؤمنات في سلك جماعة ومدرسة العدل والإحسان.

يوم الوفاة

فور سماع خبر الوفاة، حج إلى بيته بالعاصمة الرباط الآلاف من محبيه ومن العلماء والدعاة والمفكرين والسياسيين، من المغرب وخارجه، لتقديم واجب التعزية والمواساة للعائلة الكريمة ولجماعة العدل والإحسان. وبعد صلاة الجمعة في مسجد السنة بمدينة الرباط أقيمت صلاة الجنازة على الإمام الفقيد، وانطلق مئات الآلاف في جنازة مهيبة اكتنفتها معاني السكينة والطمأنينة والصبر والاحتساب، ليُوارى الجسد الطاهر الثرى في مقبرة الشهداء.

ثم كانت مآتم التأبين في مدن المغرب وخارجه فرصةً للإفصاح عن شهادات المحبة والتقدير والإكبار لما ميز الإمام المجدد وأخلاقه ومواقفه من الحب المتعاظم للقرآن الكريم، والاستمساك المتين بالسنة الشريفة، وسعة الأفق، وعمق التحليل، والرفق بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكرى الرحيل

تسع سنوات مرت، صارت فيها ذكرى الرحيل محطّة سنوية تخلدها الجماعة، فجعلت منها “تقليدا” دوريا للنقاش والفكر والتحليل حول أرضية مشروع الإمام، فخصصت الجماعة الذكرى الأولى لموضوع التجديد، والثانية لقضية التغيير، أما الذكرى الثالثة فقد كانت عن التحولات الإقليمية الراهنة، والرابعة عن الحوار وضرورة البناء المشترك، والخامسة عن التحول السياسي، والسادسة عن التربية الإحسانية، والسابعة فكانت عن الأخلاق، أما الثامنة فخصصت للبعد الإنساني عند الإمام…

واستثمرت الجماعة هذه الذكرى أيضاً لمد جسور التواصل وتمتينها مع مختلف الأطياف والفضلاء داخل المغرب وخارجه، فحضرت إلى هذه المحطات تنظيمات وشخصيات سياسية ونقابية وحقوقية وفكرية وعلمية من مشارب مختلفة، شاهدةً على ما أثل الرجل وغرسه، ومتفاعلة مع أفكاره وطروحاته.

طالع أيضا  د. إحرشان: نحن أمام دخول سياسي ساخن

وبالتزامن مع هذا، استثمرت الجماعة هذه المحطات السنوية لترسيخ تصورها في جبهتها الداخلية، ورصّ صفوفها، وتطوير سبل اشتغالها، مع تثبيت عنوان رئيس في أعلى المشهد شعاره “الوفاء”، الوفاء لهذا الرجل الرباني المجاهد المؤسس، إذ لا تقطع الصلة برازخ الموت.

تربية رصينة ومشروع متواصل

ترجل الفارس، لكنه ترك خلفاً، مكتوباته ومشروعه إطاراً نظرياً، والجماعة التي أسسها “فاعلا” لتنزيل وتطبيق أفكاره. فـ“المنهاج النبوي” الذي يعد ثمرة الاجتهاد الفكري للإمام المجدد، تضمن أسساً واضحة، تقع التربية الإيمانية في مركزها، لذلك كان اهتمامه بها واضحاً في جميع مراحل البناء، عبر تثبيت الجلسات التربوية الأسبوعية، والرباطات الدورية المخصصة للعبادة والتزود بالعلم والتقوى. وبموازاة المحطات التربوية، أكد الإمام رحمه الله على ضرورة العناية بالعمل الدعوي والتواصلي، والفعل السياسي في الشأن العام، والتحصيل العلمي والتكوين الفكري، والانغراس في واقع الناس وحياتهم اليومية والانحياز إلى المستضعفين، وبالتطلع إلى الغد الموعود للأمة والإنسانية.