تحوز الحقوق السياسية والمدنية اهتماماً واسعاً من طرف النشطاء والمنظمات، وتعرف جدالاً مستمراً بين مشكك ومبرر، ولكنها لا تقع ضمن اهتمامات شريحة واسعة من المجتمعات، أو هذا ما يراد تسويقه على الأقل، تبعاً لمقولة الخبز قبل الحرية، أو تفضيلاً للاحتماء بالاستبداد والتنعم بالأمن بدل فوضى الحرية!

لكن هذا بالضبط هو ما يجعل من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مجالا للمبارزة، فتراهن أي سلطة حاكمة على إظهار نجاحها في هذا الباب، والتسويق له، حتى تكتسب مشروعية الإنجاز، ولو أثبت المحللون وأكدوا استبداد هذه الأنظمة وتسلطها. فتوفر هذه الحقوق هو ما يجعل الناس قادرين على تحمل تبعات الاستبداد الذي يوفر الخبز على الأقل.

لقد سلطت الجائحة التي عرفتها بلادنا هذه السنة أضواءً كاشفة على العديد من الثغرات التي تهدد بنية المجتمع، وحقوقه الأساسية في العيش الكريم، بل وكانت فاضحة لعمق المعاناة التي تعيشها فئات واسعة من المجتمع المغربي، المحرومة من حقها البسيط في السكن والصحة والشغل والتعليم.

الصحة: الحق الغائب

اكتوى الشعب بنار الميزانيات البخسة التي كانت تخصص لسنوات خلت لقطاع الصحة، وأيضاً بكارثة الخضوع لإملاءات المؤسسات الدولية المانحة، التي توصي برفع اليد عن القطاعات الاجتماعية المكلفة، وخاصة الصحة والتعليم، وفتح الباب مشرعا للقطاع الخاص.

فحسب تقرير سابق لمنظمة الصحة العالمية، يخصص المغرب 14.9 إطارا طبيا لكل مائة ألف مواطن مغربي محتلا بذلك المركز الـ16 عربيا، وهي نسبة ضئيلة جداً، كما يخصص من ميزانيته العامة حوالي %6 فقط لقطاع الصحة، وهي نسبة لا تصل حتى إلى %9 وهي النسبة المتوسطة المقررة من طرف منظمة الصحة العالمية.

وقد وثقت كاميرات المواطنين وشهاداتهم من داخل المستشفيات العمومية وخارجها خلال الجائحة، المعاناة المخيفة التي يعانيها بشكل خاص المصابون بكوفيد 19. وهذه الأوضاع الصحية المتردية، يعيشها على حد سواء المرضى وكذا الأطر الصحية من أطباء وممرضيين، الذين يشتكون من غياب الحد الأدنى من المقومات والأدوات المساعدة لهم على أداء مهامهم كما ينبغي. هذا فضلاً عن نهش مستشفيات خاصة عديدة لجيوب المغاربة، وتلاعبها بأرواحهم وأرزاقهم دون رقيب أو حسيب.

طالع أيضا  السلطات الأمنية في الرباط تمنع وقفة التضامن مع الريسوني والراضي

الحق في السكن “اللائق”

عندما تعالت الأصوات لإخلاء الشوارع، من غير المنضبطين لإجراءات الحجر الصحي، اكتشف الكثيرون، في المدن الكبرى قبل ضواحيها، معضلة السكن عند قطاعات واسعة من المغاربة، التي يزيدها التهميش والفقر والحرمان سوءاً ما بعده سوء، ويصير معها الحديث عن السكن اللائق ترفاً، عند وجود سقف وجدران تؤوي أسراً وعائلات بأكملها.

فالتقارير والدراسات تؤكد أن القاطنين بالمنازل المكتراة أو في العشوائيات هم غالبية سكان المدن، وهي أماكن غير مؤهلة أساساً للعيش الصحي الآمن، فكيف تطبق فيها إجراءات السلامة والتباعد. هذا دون الحديث عن قيام السلطات بشكل دائم ومتكرر لعمليات هدم دور الصفيح فوق رؤوس سكانها.

وقبيل انطلاق الجائحة، عممت السلطات الأمنية في المغرب نهجها السابق في التضييق على بيوت المواطنين الذين يعارضونها، حيث أبدعت في ابتكار حيلة “تشميع” بيوت من عدد من أعضاء جماعة العدل والإحسان، في مخالفة صريحة لكل القوانين الجاري بها العمل، وهو ما تواصل العام الجاري.

الحق في التعليم

مشكلة أخرى أبرزتها بشكل جلي جائحة كورونا، حيث ظهر التمايز واضحاً بين تلاميذ التعليم العمومي والتعليم الخاص، بل وظهر التمايز حتى بين مؤسسات التعليم الخصوصي نفسها.

من خلال غياب المساواة، بتفاوت القدرة على توفير الإمكانيات للتلاميذ، بين من استطاع توفير لوازم الدراسة عن بعد، وبين من انعدمت عنده كل الإمكانيات المادية والتقنية، فحُرم من حق أساسي ومصيري، أغلب تلاميذ القرى والبوادي، وكل من كان فقره أو هشاشة وضعه الاقتصادي سبباً في أن يُحرم من حقه في تعليم جيد ومستمر إسوة بأقرانه.

كل هذا، دون الحديث عن نسب الهدر المدرسي، ولا عن ضعف الولوج إلى التعليم، ولا عن نسب الأمية المرتفعة بشكل مهول، وتدني جودة التعليم ومخرجاته.

طالع أيضا  تنديدا بالواقع الحقوقي.. مبادرة الحراك الشعبي بالدار البيضاء تلتحق بدورها بوقفة الثلاثاء

الحق في الشغل

التوقف الاضطراي عن العمل كان أحد المخلفات الأساسية للجائحة، لكن هل حقاً كان المغاربة ينعمون بعمل لائق يحفظ العيش الكريم؟ وهل كانت نسبة البطالة بالمغرب أقل بالفعل من الدول الأوروبية؟

استمرار وتعمق واقع البطالة، وخاصة في صفوف حاملي الشهادات، لم يكن وحده المؤشر البارز في هذه السنة، بل هشاشة الشغل وتدهور جودة العمل، ففجأة اكتشفنا أن القطاع غير المهيكل هو الذي يحتضن النسبة العظمى من نسبة الشغيلة المغربية، والتوقف عن العمل كان سبباً في قطع أرزاق ملايين الأسر، والتعويض المرصود ضعيف جدا لا ينسجم مع الحقوق الاجتماعية المفروض توفرها للمواطن.

وكانت الفرصة سانحةً أيضا لتسريح العمال والتضييق على العمل النقابي، حيث استغلت الكثير من الشركات والمصانع ظروف الجائحة، للتخلص من أعباء العمال، وخاصة النقابيين منهم.

خلاصة القول، إن استمرار الدولة في التنصل من مسؤولياتها في مجال حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لن ينتج لنا إلا البؤس والهشاشة والحرمان، وسيكون سبباً في استمرار الفشل التنموي والتراجع الاقتصادي والتوتر الاجتماعي.