اعتبر الصحفي أبو بكر الجامعي أن سنة 2020 هي سنة سوداء لحقوق الإنسان بالمغرب، مشددا على أن هذه الانتهاكات ليست تجاوزات استثنائية، بل هي عضوية مرتبطة بالترسانة القانونية للبلاد؛ فما تقوم به الدولة هو قانوني تماما لأن قوانينها صيغت بنفحة انتقامية في غياب ضمانات حقيقية دستوريا ومؤسساتيا لصون حقوق وحريات المواطن المغربي، بل ذهب إلى حد وصف هذه الانتهاكات أنها تدخل ضمن “الحامض النووي” للنظام السياسي المغربي.

الجامعي، الذي كان يتحدث في ندوة “حقوق الإنسان والحريات بالمغرب في ظل الجائحة” التي نظمتها الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والاحسان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والتي بثتها قناة الشاهد الإلكترونية يوم الخميس 10 دجنبر 2020، فسر هذه النفحة الانتقامية بغطرسة الأجهزة الأمنية التي تتصرف بدون قيود رغم ادعائها العكس، من قبيل اختراقها لهواتف نشطاء وحقوقيين ببرامج تجسسية إسرائيلية، وكذا التشهير بالمعارضين، وتوظيف الفيديوهات الجنسية وغيرها من الوسائل الدنيئة لتكميم الأفواه والانتقام من الأصوات الحرة.

غير أن الحقوقي أبو بكر رجح طرحا آخر لتفسير هذه النفحة الانتقامية بسيادة نوع من الخوف وردود الفعل لدى النظام السياسي بالنظر إلى فشله في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فشل وصفه الجامعي بأنه “فشل وجداني”، وبالتالي اعتبر لجوء الدولة إلى خيار القمع في الريف هو ارتداد طبيعي لما وقع في 2011، والنظام السياسي يعي جيدا أن هناك ارتدادات أكبر قادمة، واستدل على مؤشر بسيط لكنه مخيف هو بطالة الشباب في المدن التي تتفاقم سنة بعد أخرى.

وقد وجدت الدولة المغربية، بحسب الصحفي ذاته، في التهديد الوجودي الذي جسده كوفييد 19 منشطا فعالا لسلطويتها لمزيد من الغطرسة ضد المواطنين، عوض أن تكون هذه الدولة حامية لذلك المواطن في ظل هذا التهديد الوجودي الذي واجه الوطن والمجتمع.

طالع أيضا  في اليوم العالمي لحقوق الإنسان: من ساحة ماريشال.. هيئات حقوقية تندد بالانتهاكات الجسيمة

كما كان هدف النظام السياسي من وراء الممارسات السلطوية في نظر الجامعي اقناع المجتمع، أمام الفشل الذريع للمنظومة الصحية والطبية في الصمود أمام الجائحة، بأن التدبير السلطوي والتقنوقراطي هو الكفيل لمواجهة هذا التهديد الوجودي.

وتجلى جزء من هذا التدبير السلطوي في غياب أي فضاء عمومي حر لتداول الأخبار بالحرية في ظل قمع حرية الرأي والتعبير والتضييق على الصحافة المستقلة، مما أدى إلى سيادة نوع من الشك والريبة لدى المواطنين تجاه كل الإجراءات التي أقدمت عليها الدولة منذ الإعلان عن إجبارية ارتداء الكمامة إلى التلقيح المجاني المعلن عنه مؤخرا، حيث تساءل الصحفي أبو بكر: من سيؤدي ثمن هذا اللقاح؟ وكيف سيؤدى ما دام أن المغرب لن يحصل عليه مجانا؟ ليعقب مستنكرا لا أحد يملك الجواب لغياب أي نقاش مجتمعي في هذا الشأن.

وعن سؤال: هل من مصلحة المغرب أن يبقى فيه صوت واحد وصحيفة واحدة وقناة واحدة؟ أجاب الجامعي أن التضييق على الصحافة هو تهديم للوساطات الطبيعية بين الدولة والمجتمع، وتعطيل لوظيفة مجتمعية مهمة تمكن من الرقابة على تدبير الدولة ونخبها للشأن العام، كما يسلب من المغاربة أداة سلمية للتواصل وحل مشاكلهم بالحوار، أما القمع فلن يؤدي في نظره إلا إلى مزيد من الكبت الذي سيفضي حتما إلى الانفجار ومتاهات وخيمة في ظل تزايد ذكاء المغاربة ووعيهم الذي لا يمكن مقايضته بدعاوي الأمن الخبزي، بل لا بد، بحسبه، من بناء أمن مجتمعي حقيقي يتجاوز المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلد.

وبخصوص المستقبل، أكد الحقوقي أبو بكر أنه متفائل ومطمئن ولا مجال لليأس من هذا المستقبل من زاويتين: أولهما أن الشعب المغرب أنجب ولا يزال وسيظل ينجب مناضلين يجاهدون من أجل حقوقهم، أما الثانية الذي اعتبرها في حينها مفاجأة له وهي درجة الرقي والتحضر والسلمية التي ميزت حراك الشعب المغربي في 2011 وتأكدت في الريف.

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية بالبيضاء تستنكر هدم 2000 "براكة" دون مراعاة الظروف الإنسانية لساكنيها

ليختم كلمته بدعوة فضلاء البلد بغض النظر عن اختلاف أطيافهم وإيديولوجياتهم وتصوراتهم للجلوس لصياغة ما سماه “دستورا فلسفيا” يحدد معالم مستقبل مغرب ممكن يخرج البلاد من هذا النفق.