1.      حالة الطوارئ بين ضرورات حفظ النظام العام وحماية الحريات والحقوق

عاش العالم بأسره خلال سنة 2020 تحت تأثير حالة استثنائية بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا (Covid-19)، فرض على الحكومات اتخاذ عدة تدابير وإجراءات لمنع تفشي العدوى وحفظ الصحة العامة التي تعد مقوما أساسيا من مقومات النظام العام، كان أهمها إعلان حالة الطوارئ وفرض الحجر الصحي وتقييد مجموعة من الحقوق والحريات.

وهنا برزت الإشكالية القديمة المتجددة المتعلقة بضرورة تحقيق التوزان بين حفظ النظام العام باعتباره الشرط الأساسي لممارسة الحقوق والحريات، وضمان هذه الأخيرة؛ فقد قيدت المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) حالات الطوارئ بعدم إخلال الدول بالتزاماتها تجاه القانون الدولي خاصة فيما يتعلق بالحريات والحقوق، وهو نفس ما أكدته الاتفاقية الأمريكية (1969) في مادتها 27، والمادة 15 من الاتفاقية الأوروبية الحقوق الإنسانية (1950).

وهكذا فإذا كانت الأنظمة الديمقراطية تحرص على حسن التأطير الدستوري والقانوني لحالات الطوارئ والاستثناء صيانة للحقوق والحريات بهدف العودة سريعا إلى الحالات العادية، فإن الأنظمة السلطوية تجد في تلك الظروف فرصة للتراجع عما سطرته اضطرارا في تشريعاتها تضييقا على الحريات الخاصة والعامة.

  فقد وجدت السلطات المغربية في إعلان حالة الطوارئ الصحية لمواجهة تفشي جائحة كوفيد فرصة لإخفاء حقوق الإنسان بتعبير شبكة الأورومتوسطية للحقوق[1]، فقد تم تسجيل انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان عامة والحريات السياسية خاصة، سنحاول الوقوف عند بعضها وليس كلها في الفقرات أدناه.

2.      الثقافة السلطوية عوض ثقافة المشاركة السياسية

تحرص الحكومات على استحضار الدعم الشعبي لسياساتها عن طريق تجسيد ثقافة المشاركة السياسية الواسعة من أجل تجديد أسس شرعيتها الديمقراطية، لكن وعلى العكس من ذلك برزت الثقافة السلطوية منذ القرار الأول لسن أحكام الطوارئ الصحية بالمغرب، ففي غياب أي تأطير دستوري وقانوني لهذه الوضعية الاستثنائية، قفز دور وزارة الداخلية إلى الواجهة وظهر أنها صاحبة الاختصاص العملي في المسألة وتضاءل موقع رئيس الحكومة وتجمد دور البرلمان إلا من التصديق البعدي على قرارات الداخلية.

وهكذا سبق قرار وزارة الداخلية سن أحكام الطوارئ مرسوم الحكومة، وأديرت الجائحة بجلسات العمل غير المؤطرة دستوريا والتي يرأسها الملك عوض مجالس الحكومة أو المجالس الوزارية، وتوارى الفاعل المنتخب وراء رجل السلطة في كل المستويات الترابية مركزيا وجهويا ومحليا.

طالع أيضا  جمعيات حقوقية تدين تَمنُّع ولاية الرباط عن منح الوصولات.. وتطلق مبادرة للدفاع عن الحق في التنظيم

وصاحب عمليات تنفيذ أحكام الطوارئ والحجر المنزلي استعراضات وانتهاكات لحقوق المواطنين من قبيل تصوير الحياة الخاصة للأفراد دون إذن منهم، ومنع الصحافة من أداء واجبها، إضافة إلى الصفع والركل والسب والشتم وإتلاف السلع بل وسرقتها أحيانا، في مشاهد تؤكد الطبع السلطوي للدولة المغربية الذي يغلب تطبّعها الديمقراطي.

وأدت هذه الحملات السلطوية إلى تضخم عدد المخالفين الذين تمت متابعتهم في إطار قانون حالة الطوارئ الصحية، حيث وصل عددهم في الأشهر الأولى، حسب وزير الدولة في حقوق الإنسان، إلى 162 ألفاً و444 شخصاً، معظمهم متابعون في حالة سراح، في حين أن عدد القضايا التي يتابع فيها أشخاص رهن الاعتقال وصل إلى 799 قضية.

كما تجسدت العقلية السلطوية في الغموض الكبير الذي رافق تدبير الجائحة في مختلف مستوياتها وقصر الحق في الوصول إلى المعلومة على دائرة ضيقة ربما قد يغيب عنها المسؤول المنتخب بالأحرى عامة المواطنات والمواطنين.

3.      التضييق على حريات التجمع والتظاهر السلمي

استمر التضييق، قبل وبعد الجائحة، على الحق في التجمع والتنظيم المكفول في القوانين المحلية والدولية، فوثقت التقارير تعسفات في حق منظمات سياسية وجمعوية ونقابية، حيث منع الوصل القانوني عن عدد من الجمعيات، وحرمت هيئات مختلفة من استعمال الفضاءات العمومية.

وتبقى قضية تشميع بيوت العدل والإحسان، التي تواصل إغلاقها هذا العام، من أكبر ملفات انتهاك حق التنظيم والتجمع التي ضربت فيها الدولة عرض الحائط كل المواثيق القانونية الدولية والوطنية، حيث اعتبرت مؤسسة الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان “تشميع البيوت إجراء يتعارض مع 24  من الدستور الذي يضمن حق الملكية، ومخالفا للفصل 35 مع مقتضيات الفصل من الدستور الذي ينص على الحق في حماية الحياة الخاصة، حيث لا وجود لنص قانوني يؤطر عملية تشميع البيوت، ولا وجود أيضا في ظهير الحريات العامة وقانون التجمعات لما يسمح بإغلاق المساكن بدعوى عقد تجمعات بها “غير مرخصة لها أو غير قانونية”، وليبقى تشميع البيوت وإغلاقها قرارا إداريا مشوبا بالشطط والتعسف في استعمال السلطة”.[2]

وقد استمرت أيضا المقاربة القمعية لكل أشكال التظاهر السلمي، ولم تراعي السلطة الظرفية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ولم تراعي إلا ولا ذمة خاصة فيمن كانوا في الصفوف الأمامية لمواجهة الجائحة والذين أبانوا عن حس وطني عال وتفان كبير، بل واسترخاص الحياة إنقاذا للحياة وضمانا لاستمرار الخدمات العمومية خاصة الطاقم الطبي والتمريضي ومختلف مهنيي الصحة، الذين ووجهت مطالبهم بالنكران وجوبهت مظاهراتهم بالتدخلات العنيفة، بل بالصفع والتنكيل أمام عدسات الكاميرات المحلية والدولية.

طالع أيضا  دعما للريسوني ونعيا للقضاء.. فاعلون يعتبرون الحكم الصادر "فضيحة بكل المقاييس"

رجال ونساء التعليم أيضا كانوا أوفر حظا من المقاربة القمعية، فقد عملت السلطة على ضمان التوزيع العادل للقمع في حق فئاتهم ومطالبهم خاصة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد الذين استهدفوا بسلسلة التدخلات القمعية في مختلف محطاتهم التي يطالبون فيها بحقهم في الإدماج في الوظيفة العمومية، إضافة إلى المتابعات القضائية في حق مناضليهم.

ولم تسلم تظاهرات التضامن سواء مع القضايا المحلية أو قضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين من خيارات المنع والقمع.

4.      قمع حرية الرأي والتعبير

لم تكن حرية الرأي والتعبير في عافية قبل سن حالة الطوارئ، لتشهد بعد سنها ارتفاع وتيرة الاستهداف والقمع بل التغييب وراء السجون خاصة في حق الصحفيين المستقلين عن أبواق السلطة، ففي عز حالة الطوارئ والحجر المنزلي أقدمت السلطات المغربية على اعتقال الصحفي سليمان الريسوني ليكون ثالث صحفي يستهدف في جريدة أخبار اليوم المستقلة، بعد الحكم القاسي على مديرها توفيق بوعشرين، ومتابعة الصحفية هاجر الريسوني بصكوك اتهام أضحت مبتذلة. وبنفس الصياغة سيتم اعتقال ومتابعة الصحفي عمر الراضي وأيضا الصحفي عماد استيتو.

كما وجدت السلطة في حالة الطوارئ فرصة لإحكام قبضتها على وسائل التواصل الاجتماعية التي باتت تشكل حبلا مجتمعيا ينشر فيه غسيل الدولة السلطوي وكاشفا لعوراتها الديمقراطية، حيث سعت إلى تمرير مشروع قانون 22ـ20 المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي وتجريم دعوات المقاطعة من خلالها، لكن اليقظة الشعبية دفعت الدولة إلى التراجع عن هذا المشروع بل أعلنت فقط عن تأجيل النظر فيه.

لكن رغم ذلك استمرت متابعة المدونين واعتقل عدد كبير منهم بدعاوي مختلفة يبقى أكثرها شيوعا نشر أخبار زائفة، في توظيف متطرف لحالة الطوارئ لتكميم الأفواه ليسمع صوت السلطة وحدها وروايتها للتدبير السيئ للجائحة.

وأمعنت السلطة أيضا في مصادرة حق الرأي والتعبير من خلال مسلسل قتل معنوي وتدمير نفسي لكل الغيورين على الوطن من فاعلين سياسيين وحقوقيين ومدنيين عبر آليات التشهير من خلال صحافة ملحقة بالأجهزة الأمنية مهمتها تعقب الحياة الخاصة للمواطنين والتلصص عليها، بل ونشرها على نطاق واسع دون مراعاة الحد الأدنى من ثقافة تقبل الاختلاف والنقد وحرية والتعبير، بل على الأقل احترام حرمة الحياة الخاصة والأخلاق المجتمعية.

طالع أيضا  بيان الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان في اليوم العالمي لحقوق الإنسان

ولم تراعي هذه الاستهدافات المتكررة جو الأزمة والمحنة التي يعيشها المواطنون جراء تفشي الوباء، حيث تتعمد الأجهزة الأمنية استدعاء المعنيين خارج دائرة إقامتهم معرضين إياهم لخطر الإصابة، كما وقع مع المؤرخ والحقوقي المعطي منجب الذي أعلن عن إصابته رفقة ابنته بالفيروس بعد سلسلة الاستدعاءات المتكررة له لمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء رغم استقراره بمدينة الرباط.

واستمر توظيف القضاء لتصفية الحسابات السياسية، حيث تواصلت المحاكمات الصورية على خلفيات قانونية لا علاقة لها بجوهر الاستهداف، ومن ذلكم معاناة الطلبة المطرودين من كلية العلوم بجامعة ابن زهر بأكادير بمتابعتهم على ذمة قضايا فارغة مثل إهانة موظفين عموميين وتعييب مصالح عامة، في الوقت الذي كان نشاطهم النقابي والحقوقي والعلمي داخل هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الدافع الحقيقي لطردهم ومتابعتهم.

وإلى جانب كل هذا تستمر معاناة معتقلي الريف وجرادة وغيرهم من ضحايا التعسف المخزني الذي لا يريد من المغاربة أن يروا ويقولوا إلا ما يراه ويقوله هو. وبذلك تمعن الدولة في تلطيخ أيديها في الوحل السلطوي في تدبير حريات وحقوق المواطنين، مُفوِّتة الفرصة تلوى الأخرى لتحقيق مصالحة مع شعبها كان آخرها فرصة الاجماع الشعبي والتعبئة المجتمعية لمواجهة الجائحة.

فهل تستيقظ السلطة من سكرتها أم تواصل عسفها كافة الحقوق وفي المقدمة منها الحقوق السياسية الأساسية للمجتمع المغربي؟!

هوامش
[1]  المغرب: حالة طوارئ صحية لإخفاء حقوق الإنسان؟، شبكة الأورومتوسطية للحقوق، على الرابط: https://cutt.us/tiw7G.
 
[2]  وضع الحريات والحقوق بالمغرب خلال سنة 2019، مؤسسة الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، الرباط، يونيو 2020، ص17.