بسم الله الرحمن الرحيم

جماعة العدل والإحسان

الهيئة الحقوقية

بيان

حقوق الإنسان في ظل جائحة كورونا

   بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يوافق 10 دجنبر من كل سنة

نهنئ كل المدافعين عن حقوق الإنسان وكرامته، ونحيي صمودهم في ظل الانتكاسة العامة التي شهدتها حقوق الإنسان في ظل حالة الطوارئ الناجمة عن جائحة كورونا، وما واكبها من تجاوزات عدة عبر العالم، كان للمسلمين منها نصيب وافر بسبب التعسفات المرتبطة بانتمائهم الديني. نحيي بالمناسبة صمود الشعب الفلسطيني أمام العدوان الصهيوني، كما ندعو إلى وقف الحروب، وإلى التضامن الدولي للحد من آثار ما خلفته من كوارث إنسانية في ليبيا واليمن وسوريا والعراق وغيرها….

وفي المغرب، نحيي كافة الحقوقيات والحقوقيين، ونوجه تحية خاصة لكل العاملين في الخطوط الأمامية لمكافحة آثار الجائحة الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد. ونترحم على جميع شهداء هذه الجائحة، وعلى رأسهم العاملون في قطاع الصحة. كما نحيي كافة المحسنين والفاعلين المساهمين في تقوية التضامن الاجتماعي للتخفيف من آثار الجائحة على الفئات الهشة.

ونسجل انطلاقا من تهممنا بالوضع الحقوقي ببلادنا استمرار انتهاك الحقوق والحريات بسبب المقاربة الأمنية التي اعتمدتها الدولة في تدبير الأزمة الناجمة عن الجائحة، رغم تنبيهات المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتحذيرات العديد من الهيئات الوطنية والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية بضرورة وقف نزيف انتهاك الحقوق والحريات في ظل حالة الطوارئ الصحية، وفيما يلي أهم العناوين والسمات التي ميزت وضعية حقوق الإنسان بالمغرب منذ إعلان حالة الطوارئ الصحية:

ـ اتجهت الدولة نحو إرساء مجموعة من القوانين والتشريعات كرست  مزيدا من التضييق على الحقوق والحريات، وتم توسيع صلاحيات العمال والولاة، كما يؤكد ذلك مرسوم بقانون سن حالة الطوارئ الصحية الصادر بالجريدة الرسمية بتاريخ 24 مارس 2020 الذي أصبح مرجعا لسن حالة الطوارئ الصحية وتمديدها، وما ترتب عن ذلك من قرارات لها انعكاسات على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.  ومن هذه القرارات، قرار تعليق العمل بالمحاكم الصادر بتاريخ 16 مارس 2020 من قبل وزارة العدل وما ترتب عنه من آثار اجتماعية. ثم قرار الاقتطاع من أجور الموظفين للمساهمة في صندوق كورونا في ظل أوضاع اجتماعية صعبة، ومنشور رئيس الحكومة القاضي بتأجيل صرف الترقيات والتعويضات بذريعة تدبير أزمة الجائحة. ومن مظاهر استغلال حالة الطوارئ محاولة الحكومة  تمرير  مشروع قانون 22.20 المتعلق باستعمال منصات التواصل الاجتماعي بهدف الضبط وتضييق الخناق على حرية الرأي والتعبير في مخالفة صريحة لروح  المادة 25 من الدستور التي تنص على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”.

طالع أيضا  التقريرالسنوي للهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان:الشهيد كمال العماري

ـ تم توثيق العديد من التدخلات غير القانونية لرجال السلطة أثناء تنفيذ إجراءات وتدابير مواجهة الجائحة، وذلك باستعمال العنف اللفظي والجسدي، والتعسف أثناء التوقيف خصوصا ظاهرة الصفع، والمس بكرامة المواطنين. ومصادرة الحق في الرأي والتعبير، وشططا في استعمال السلطة.

ـ استهداف الإعلاميين والحقوقيين والسياسيين، بمحاكمات سياسية واعتقالات تعسفية، وحملات التشهير الإعلامي الممنهج من طرف مواقع إعلامية مقربة من السلطة.

ـ استمرار الإعفاء التعسفي من المهام الإدارية، وعدم إنصاف الأطر المعفيين لأسباب سياسية، وكذا الأساتذة المرسبين، وأصحاب البيوت المشمعة بدون سند قانوني، والجمعيات الممنوعة من حقها في التنظيم بسبب الانتماء السياسي  لأعضائها.

ـ استعمال العنف المفرط لمواجهة الحركات الاحتجاجية السلمية التي ازدادت حدتها ورقعتها بسبب تداعيات وباء كورونا وآثارها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية (جرادة، بني تجيت، الأساتذة المتعاقدون، الممرضون،…). واستمرار اعتقال نشطاء الحراك، بعد محاكمات غابت عنها شروط المحاكمة العادلة، وشابتها خروقات عدة. وقد صرح بعضهم بالتعرض للتعذيب، كما أكدت ذلك الخبرة الطبية التي قام بها أطباء شرعيون بتكليف من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، دون أن يتم إعمال ما تنص عليه الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والحاطة من الكرامة.

ـ عرفت السجون المغربية، اكتظاظا كبيرا وظروفا صعبة، زادتها الجائحة تأزما، مما يستدعي الاستجابة لمطالب المنظمات والشخصيات الحقوقية بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي بالسجون المغربية، واتخاذ التدابير اللازمة للتخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، على غرار ما تم في العديد من بلدان العالم للحد من انتشار الوباء، وتفاديا لتكرار بؤر الوباء كما حدث في سجن وارزازات.

ـ توزيع الدعم المادي على الأسر الفقيرة أثناء الجائحة خطوة إيجابية، لكن شابتها اختلالات عدم التعميم، واستثناء فئات عريضة مستحقة، نظرا لعدم وضوح معايير منح الدعم، وعدم استعمال الإدارة للتكنولوجيا المعلوماتية.

طالع أيضا  العدل والإحسان تشارك في لقاء تكريمي للمناضل الحقوقي عبد الرزاق بوغنبور

ـ تسريح أزيد من 625 ألف عامل، ومطالبة نحو 5،5 مليون عائلة بالدعم المادي في ظل الأسعار المرتفعة وازدياد البطالة، وتقليص التوظيف. وضع اجتماعي مقلق للغاية، لكن قانون المالية لا يمضي في اتجاه معالجته.

ـ أبانت أزمة كورونا عن أهمية قطاع التعليم كأولوية استراتيجية، مما يستوجب تحسين الظروف المادية للعاملين في هذا القطاع، ودمج المتعاقدين في سلك الوظيفة العمومية، ضمانا لاستقرارهم المهني والاجتماعي، وحماية للمدرسة الوطنية العمومية. كما كشفت ظروف الوباء عن ضعف البنية التكنولوجية للمدرسة المغربية، والهشاشة الاجتماعية للأسر الفقيرة التي لم تستطع مواكبة التعليم عن بعد لغياب التغطية بشبكة الأنترنت في المناطق الجبلية والريفية ، أو لعدم القدرة على أداء كلفتها.

 ـ لقد عبر المصلون في المساجد عن درجات عالية من الانضباط واحترام التدابير الاحترازية للحد من انتشار الوباء، مما يفرض فتح باقي المساجد ضمانا للأمن الروحي، وتفاديا للاكتظاظ خارج المساجد، خاصة إبان صلاة الجمعة.

ـ رغم التضحيات والجهود المبذولة من قبل العاملين في قطاع الصحة، فقد كشف الوباء عن هشاشة المؤسسات الصحية، وصعوبة الولوج إليها، ونقص الخدمات، وعجز القطاع عن استقبال المصابين بالمرض، بسبب الخصاص المهول في الأطر الصحية، والتجهيزات، بفعل التقليص المطرد لميزانية القطاع، واستنزاف الموارد البشرية لصالح القطاع الخاص، وغياب استراتيجية وطنية للنهوض بأوضاع الصحة، وانعدام التحفيزات المادية والمعنوية للأطر الصحية التي تفضل الهجرة خارج الوطن. وتبين أولويات الاستراتيجية الإنمائية للألفية  لمنظمة الصحة العالمية تخلفا على مستوى المعطيات الرقمية المتعلقة بعدد الأطر الطبية موازاة مع البنية الديمغرافية للمغرب.

لقد كشفت جائحة كورونا عن عدة اختلالات في المجتمع الدولي عموما، كما كشفت عن تردي القيم، وسلطوية الأنظمة الحاكمة في العديد من البلدان، وأبانت عن انتكاسة حقوقية عامة. لكن الوباء كشف عن إمكانية تجاوز الأزمة، وردم الهوة بين البلدان المتفاوتة إذا توفرت الإرادة السياسية والقرار المستقل، لمحاربة الفساد وإنهاء الاستبداد، وصون الحقوق والكرامة والحريات، في ظروف الكوارث والأزمات.

طالع أيضا  الهيئة الحقوقية للعدل والإحسان تدين التدخل العنيف في حق طلبة أكادير وتطالب بإنصافهم (بيان)