انطلق الدكتور عبد الصمد الرضى في تلخيصه لنظرية المنهاج من منطلقات أربعة، أولها المنطلق التربوي الصرف، “وحينما أقول تربوي لا أقصد به التربية بمعناها العام في علم النفس وفي الدراسات البيداغوجية وإنما أتحدث عن التربية بانطلاق قلب مؤمن يريد أن يصل إلى الإحسان باللغة القرآنية وبلغة الحديث”.

كان ذلك في برنامج “فلسطين في فكر الإمام عبد السلام ياسين” في قناة فلسطين اليوم إلى جانب الأستاذ عبد الصمد فتحي، حيث أضاف الرضا أن الإمام لما لقي رجلا وعاش في الزاوية الصوفية البوتشيشية كان يتلمس ملامح الشمولية في المنهاج النبوي الذي لم يكن معزولا عن الواقع وإنما كان حركة ذائبة وسط المجتمع، وقضى سنين وهو يدرس كيف يمكن أن نكتشف المنهاج النبوي الذي يمكن من خلاله أن نقتحم العقبات لإعادة إحياء الأمة.

أما المنطلق الثاني في المنهاج النبوي فهو تاريخي، إذ مع الانكسار التاريخي وقع شرخ كبير في تاريخ المسلمين بعد ثلاثين سنة من الخلافة الراشدة. يجب معه التمييز بين ما أسسه الخلفاء الراشدون بمفهومه المعنوي القيمي الأساس، وما بين ما قامت به الدول الأخرى من أمويين وعباسيين وغير ذلك في تاريخ الأمة، فإعادة بناء الأمة من جديد يحتاج الى فهم دقيق للتاريخ.

وأوضح في المنطلق الثالث أن المسألة السياسية، في نظرية المنهاج النبوي لا تعني مجرد تمكين ومغالبة للآخر، إنما تعني وجود جسم من الأمة قوي يقيم العدل والإحسان، وفق قوله تعالى “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”.

واعتبر الرضا في المنطلق الرابع أنه لا يتصور بناء الأمة من جديد بناء فكريا صرفا أو يناء سياسيا محضا، لأن الأمر يحتاج وجود جيل حركي وارث، مهمته الأولى إحياء الربانية والفهم العميق لتاريخ المسلمين ولتاريخ الإسلامية والقدرة على الوجود والحضور السياسي الفاعل، وهذه الحركة كلها جسم رباني يسعى بالناس للخيرات حتى ينهض الذين آمنوا الذين يستحقون أن ينزل عليهم الخطاب القرآني.

طالع أيضا  ملتقى رائدات بيت المقدس الرابع يدعو إلى مساندة المرأة الفلسطينية

وأوضح الأستاذ عبد الصمد فتحي رئيس الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، من جانبه أن القضية الفلسطينية بالنسبة للإمام رحمة الله عليه كانت قضية حاضرة بقوة، حاضرة في فكره تنظيرا وكتابة وحاضرة في ممارسته وفي عمله سواء من خلال المجالس واللقاءات التي كان يحفز من خلالها على هذه القضية أو من خلال المساهمة في تنظيم وتأسيس إطار يتصدى لهذه القضية، مشددا على أن القضية كانت تشغل الإمام رحمة الله عليه فكرا وممارسة.

ولفت فتحي إلى أن أسباب وخلفية هذا الحضور “نجدها في المكانة التي كانت تحظى بها القضية الفلسطينية في فكر الرجل حيث كان يعتبرها بداية حسم الصراع والمواجهة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. فلم تكن القضية الفلسطينية بالنسبة لديه قضية محلية بل هي قضية مصيرية وبالتالي فهي ليست للفلسطينيين فقط بل هي القضية التي تجسد الصراع بين الأمة الإسلامية قاطبة وبين عدوها بصفة عامة”.

وحول سؤال عن مساحة فلسطين النظرية عند الإمام في مؤلفاته وفي كتاباته، ذهب فتحي إلى أن القضية الفلسطينية مادامت هي قضية مركزية مصيرية، وحاسمة، فقد “جعلها هي لب التحرير ومناط الغيير”، وبالتالي يضيف المتحدث “فنحن نجدها في كل كتابات الإمام رحمة الله عليه، إما يتطرق إليها بشكل مباشر وواضح، أو بشكل غير مباشر من خلال إشارات”.

واعتبر فتحي أن كتاب “سنة الله”، الذي يخص القضية الفلسطينية وبيت المقدس، هو بمثابة استراتيجية تحرير بيت المقدس، فهو ينطلق ويناقش وعد الآخرة والصهيونية ويناقش ما يسميها بروح الجاهلية اليوم، يبحث في الرقعة الجغرافية عن خصائصها من خلال كتاب الله ومن خلال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي نعرف طبيعة هذا العدو الذي نواجهه.

وأضاف أن الكتاب من أوله إلى آخره يناقش قضية التحرير ويناقش الصهيونية ويناقش هذا الصراع، ثم نجده في كتب أخرى يخصص فصولا للقضية الفلسطينية على سبيل المثال: “الجرح الفلسطيني” فصل في كتاب “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية” وهذا الكتاب كتبه الإمام رحمة الله عليه باللغة الفرنسية يستهدف من خلاله النخبة المغربة والغرب، وغيرها من الكتب التي خصص من خلالها فصولا وفقرات نسميها الفقرات المقدسية تتحدث عن القضية الفلسطينية وتبين هذه القضية بشكل واضح في إطار رؤية استراتيجية نسقية متكاملة من أجل تحديد طبيعة هذا الصراع وطبيعة هذا التغيير وواجباتنا في هذه المرحلة من أجل مواجهة هذا العدو الذي ليس هو فقط عدوا للفلسطينيين بل هو عدو للأمة الإسلامية جمعاء.

طالع أيضا  حملة "فجر الأمل" تتواصل في المغرب.. تُشعّ في وادي زم هذه المرة

وأورد عبد الصمد الرضا في مداخلته تعريفا حول الإمام رحمه الله حيث ولد سنة 1928م من القرن الماضي، وعاش أربعا وثمانين سنة ونيف، وانتقل إلى الرفيق الأعلى سنة2012م من هذا القرن، قضى خلالها أربعة عقود من العمل الجاد المتواصل لبناء أجيال تحرير فلسطين، لبناء أجيال تحرير الأمة من كل عبودية واستضعاف.

وأشار إلى أن الامام عبد السلام ياسين نشأ في أسرة فقيرة وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ثم شاء الله عز وجل بقدره أن تكون مسيرته التربوية والتعليمية مواجِهة لإبان خروج الاستعمار الخروج الرسمي من البلاد، فكانت عبقريته في العربية وفي العلوم الشرعية دافعا له لأن يرتقي الدرجات التعليمية بسرعة، وتعلم الفرنسية تعليما عصاميا حتى صار يتقن الكلام بها والتأليف بها والحوار.

وأوضح الرضى أن نجابته هذه ونباغته جعلته يدخل مجال التعليم وهو ما يزال ابن الثمانية عشرة سنة، ثم يتدرج صعدا حتى صار مديرا لمدرسة تكوين المعلمين ثم تدرج ليصير مديرا لمركز تكوين المفتشين بالرباط، ثم تقلد مناصب في الوزارة وحضر دورات تدريبية وتكوينية شتى في عدة بلدان من بلاد العالم.