أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذة السعدية أضريس، المحامية بهيأة الدار البيضاء وعضو المكتب الوطني للقطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا المرتبطة بظاهرة العنف الممارس على النساء، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة والذي يصادف الخامس والعشرين نونبر من كل سنة، هذا نصه:

أصدر القطاع النسائي للعدل والإحسان بيانا بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة أكد من خلاله على أن العنف أصبح ظاهرة مقلقة له أسباب وتداعيات متعددة ومختلفة على المرأة. بداية لندقق معنى العنف؟ وهل اتفقت التعاريف حوله على اعتبار أنه أصبح ظاهرة عالمية؟

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على آله وصحبه أجمعين.

 على المستوى اللغوي، ورد مفهوم العنف في معظم معاجم اللغة بمعنى اللوم والتوبيخ، فيقال عنف فلان فلانا إذا لامه وغيره ووبخه وأنكر عليه شيئا وعامله بشدة وازدراء. أما على مستوى الاصطلاح فهناك العديد من التعريفات التي حاولت تحديد مفهوم العنف، والتي اختلفت باختلاف الجهة التي وضعت هذا التعريف. فهيئة الأمم المتحدة مثلا عرفت العنف ضد المرأة في المادة الأولى من الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة (1993م) على أنه “أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه أو يرجح أن يترتب عليه أذى، أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية، أو الجنسية، أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء أحدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة” (الوثائق والتقارير المقدمة من مقررة العنف ضد المرأة في الأمم المتحدة).

هذا التعريف لدى الأمم المتحدة، على أهميته، يحصر الدافع إلى الفعل العنيف في عصبية الجنس، في إشارة واضحة إلى العلاقة غير المتكافئة بين الجنسين، وهذا من وجهة نظري قاعدة غير مطردة لأن العنف ضد المرأة قد يصدر من المرأة أو من جهات وأطراف أخرى معنوية.

أما المشرع المغربي فقد عرف العنف في المادة الأولى من القانون رقم 13- 103 على أنه: ” كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة”. وهو تعريف نسجل عليه بعض الملاحظات، منها أنه اعتبر مجرد الامتناع يشكل عنفا حسب نص القانون، كالامتناع عن تقديم المساعدة للمرأة في حالة الخطر. والملاحظة الثاني أنه اشترط ضرورة حصول ضرر، وبمفهوم المخالفة، نفهم أن العنف الذي لا يترتب عنه ضرر هو غير مجرم، وهذا يطرح إشكالا كبيرا في الإثبات خاصة فيما يتعلق بالعنف النفسي كالتهديد والاحتجاز…

غالبا ما يحصر العنف ضد المرأة في وجه واحد وهو الممارس عليها من طرف الرجل. ما مدى صحة وواقعية هذه المقاربة؟ وهل يمكن الحديث عن روافد وأشكال أخرى للعنف الذي تعاني منه النساء؟

عندما نتحدث عن العنف يتبادر إلى تفكيرنا مباشرة العنف الأسري، وهذا ما كرسه المشرع المغربي في القانون 13 – 103 حيث جرم العنف المرتكب بين أفراد الأسرة مع استثناءات بسيطة. في حين أن محاربة ظاهرة العنف يجب أن ترتكز على تشخيص الظاهرة بما يحدد الأسباب الحقيقية، وأيضا تحديد أبعادها. ويمكن إجمال أنواع العنف ضد المرأة فيما يلي:

طالع أيضا  القطاع النسائي بالفقيه بن صالح ينظم ندوة حوارية حول قضية إنصاف المرأة

1- عنف الدولة ومؤسساتها؛ وهذا النوع قلما نسلط عليه الضوء ونعطيه حقه في التشخيص والمعالجة. فكثير من الدول التي تحكم شعوبها بقبضة الاستبداد تتبنى في الأصل مقاربات أمنية تتخذ من العنف وسيلة لمعالجة العديد من الملفات الحقوقية والاجتماعية، في غياب الحوار وحرص المؤسسات على القيام بأدوارها والالتزام بمسؤولياتها تجاه المواطنين. هذا من جهة، من جهة ثانية قد لا تكون الدولة مصدرا مباشرا للعنف، ولكن هذا الأخير قد يرخي جذوره ويتغول نتيجة تواطؤ الدولة وتغافلها عما يرتكب من عنف من طرف أجهزتها اتجاه أفراد المجتمع، أو من طرف المجتمع مؤسسات وأفرادا اتجاه بعضهم البعض. والمرأة تكيل من معاناة عنف الدولة بمكيالين، من جهة باعتبارها فردا من المجتمع العام تكتوي بلظى الظلم والفساد كما يكتوي غيرها، ومن جهة أخرى باعتبارها أضعف حلقة في النسيج المجتمعي كأنثى، فتحرم من حقوقها المشروعة والعادلة، ولا تمنح لها بالشكل المطلوب فرص الانخراط الباني والفاعل داخل المجتمع، كما أن قضاياها لا تحظى بالاهتمام اللائق ضمن ما تسطره الدولة من برامج ومشاريع مرتبطة بالتنمية، فتبقى المرأة ضحية للفقر والأمية والبطالة والتهميش والاستغلال بجميع أنواعه وأشكاله…. وهذا منتهى العنف!!!

2- عنف المجتمع، والذي تلعب التقاليد والأعراف الجائرة دورا كبيرا في تغذية عنف المجتمع وتقويته، حيث ترسم للمرأة صورا نمطية تحط من قيمتها ولا تعكس حقيقة وجودها وتقزم وظائفها في أدوار تحد من قدراتها وتعطل طاقاتها، في مقابل ترسيخ عقلية ذكورية في أذهان أبنائنا وبناتنا.

3- العنف الأسري: تحت هذه المظلة أصبحت تسجل أعلى نسب ارتكاب وإعادة إنتاج العنف، فالأسرة أصبحت تشكل مرتعا ملائما لاحتضان جميع أشكال العنف وصوره، حيث وصلت نسبة العنف داخل الأسر خلال 2019 إلى 46%، حسب البحث الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط خلال هذه السنة.

أكيد أننا حينما نتحدث اليوم عن العنف الممارس على المرأة، فإننا نتحدث عن ظاهرة عالمية تجاوزت جميع الحدود الجغرافية، ولكن يهمنا أكثر أن نعرف واقع العنف داخل المغرب والتدابير والإجراءات التي تتخذها الجهات المعنية للحد من هذه الظاهرة؟

في الحقيقة يعتبر المغرب من بين الدول التي تُسجَّل بها أعلى نسب للعنف، وقد استبشرنا خيرا بصدور القانون 13 – 103 المتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة، وقلنا أنه إن لم يستطع القضاء على ظاهرة العنف في المغرب، فإنه على الأقل سيعمل على إيقاف النزيف اليومي الذي تتعرض له النساء نتيجة خطورة صور العنف التي ما فتئت تطالعنا بها القنوات التلفزية والإلكترونية وسائر وسائل الإعلام كل يوم.

طالع أيضا  في يومها الوطني.. القطاع النسائي للعدل والإحسان يُحيّي المرأة المغربية ويَرصد واقعها الصعب

إلا أنه بصدور نتائج البحث الوطني الثاني حول انتشار العنف ضد النساء بالمغرب التابع لوزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، والذي صدر في 14 ماي 2019، للأسف كانت الأرقام مقلقة إلى حد كبير، إذ أن نسبة انتشار ظاهرة العنف على الصعيد الوطني خلال الفترة الممتدة بين فبراير ويوليوز 2019، تقدر ب 57%، تصل نسبته في الوسط الحضري 58%، مقابل 55% في الوسط القروي. أما نسبة النساء المُعنّفات اللائي تقدمن بشكاية ضد مرتكب العنف فلا تتعدى 6.6 %.

هذه الأرقام تمثل نسبة العنف خلال سنة 2019، فكيف يمكن تصور الأرقام التي ستسجل خلال المرحلة اللاحقة التي اقترنت بفترة الحجر المنزلي الناتج عن جائحة كوفيد 19، والتي عاش خلالها المجتمع ظروفا نفسية واجتماعية واقتصادية صعبة، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها شكلت بيئة ملائمة لتنامي جميع أشكال وصور العنف، خاصة منها العنف المنزلي، حيث اضطر جميع أفراد الأسرة إلى البقاء في منازلهم، مع ما يفرض ذلك من عدم القدرة على تلبية متطلبات الحياة الضرورية، نتيجة التوقف عن العمل، زد على ذلك ظروف التعليم عن بعد، بالإضافة إلى ضرورات الإجراءات الاحترازية والرعاية الصحية التي فرضت على أفراد الأسرة التزامات وأعباء إضافية، كانت المرأة –ولا تزال– أكثر من يؤدي ثمنها وضريبتها.

صحيح أنه لم يعلن لحد الآن عن أية أرقام أو إحصاءات رسمية لنسب العنف التي تم تسجيلها خلال هاته الفترة، إلا أن هناك العديد من التقارير والأبحاث والدراسات التي تم إنجازها من طرف المندوبية السامية للتخطيط، وأيضا من طرف مجموعة من الجمعيات النسائية، أكدت ارتفاع نسب العنف خلال فترة الحجر الصحي. كما أن هناك العديد من المؤشرات والأرقام الناتجة عن هذه الأبحاث يستشف منها أنه فعلا هناك احتمال تسجيل نسب مرتفعة في ارتكاب العنف خلال هذه الفترة، منها ما أشار إليه التقرير الذي أعدته المندوبية السامية للتخطيط، والمتعلق بالمرحلة الثانية من البحث حول تأثير فيروس كورونا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للأسر، من أن مغربي واحد من أصل أربعة عانى من حالات صراع مع الأشخاص الذين عاش معهم خلال فترة الحجر الصحي، أي بنسبة 25 %. كما جاء في مذكرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة الأمم المتحدة: “بسبب الجائحة نسبة الفقراء والأشخاص المعرضين للفقر يمكن أن تنتقل من 17.1% من مجموع السكان عام 2019 إلى حوالي 19.87% عام 2020 أي 1.058 مليون شخص إضافي. ويتعلق الأمر بالخصوص بالأشخاص العاملين في القطاع غير المهيكل، المهاجرين واللاجئين وكذا النساء”.

نفهم مما تقدم أن العنف الذي يمارس على النساء له أوجه متنوعة وأسباب متعددة. يبقى من الضروري أيضا أن نعرف مظاهره وتداعياته على المرأة، وهل تأثيره يمكن أن يتجاوز المرأة إلى غيرها؟

طالع أيضا  عضوات المجلس القطري للقطاع النسائي يجمعن على محورية العمل للنهوض بالمرأة المغربية في المشروع المجتمعي

للعنف بمختلف أنواعه تداعيات خطيرة، ليس فقط على المرأة، وإنما على محيطها، وعلى المجتمع برمته:

فعلى مستوى المرأة، يؤدي العنف إلى التشكيك في آدميتها وإنسانيتها، بل يؤدي إلى التشكيك في الغاية من وجودها، ويحد من فاعليتها وقدراتها وطاقاتها، فتصبح إنسانة سلبية.

وعلى مستوى محيطها، يؤدي العنف، كيفما كانت صفة المرأة داخل الأسرة، أما، أو أختا، أو بنتا، أو زوجة، أو عازية، أو مطلقة، إلى التأثير على أدائها داخل الأسرة، بحيث يمكن أن تتحول إلى إنسان عنيف يمارس بدوره العنف ضد الآخر خاصة الأطفال، فالأم المقهورة لا يمكن أن تربي إلا أطفالا مقهورين، تكرس فيهم العنف والقهر والسلبية.

أما على مستوى المجتمع، فلا يمكن أن ننتظر علاقات إنسانية سليمة مبنية على الود والتفاهم واحترام كرامة الآخرين، طالما أفراده يسمحون بتعنيف المرأة، لأن مجتمعا فيه امرأة مُعنَّفة هو مجتمع فيه خلل. وبالتالي فكل الخطابات التي تتحدث عن تمكين المرأة والوظائف والأدوار الفاعلة للمرأة داخل المجتمع لا يمكن أن تجد لها صدى في الواقع إلا بالقضاء على ظاهرة العنف.

أكدت على أن أي حديث عن تمكين المرأة داخل المجتمع يبقى وهما وسرابا وشعارا زائفا في ظل واقع ترتفع فيه وتيرة العنف على الرغم من التشريعات والقوانين التي ترمي إلى الحد منه والقضاء عليه. فما هي في رأيك المداخل الرئيسية والتدابير اللازمة لعلاج هذه الظاهرة؟

أولا لا يمكن تجاهل ما للنص القانوني من أهمية ودور في تنظيم العلاقات الإنسانية وزجر العديد من الظواهر الشاذة داخل المجتمع، إلا أنه بعد صدور القانون 13-103، ومواكبة تنزيله على أرض الواقع لما يزيد عن سنتين، يمكننا القول أن المدخل القانوني لوحده غير كاف للقضاء على ظاهرة العنف ضد النساء، وإنما لا بد من مداخل أخرى لتحقيق هذا الهدف، مداخل مترابطة ومتشابكة، لا يمكن الأخذ بواحد منها دون الآخر، كما لا يمكن ترتيبها بحسب الأهمية، بل ينبغي اعتمادها في إطار شامل ومتكامل، وبالتوازي فيما بينها. مداخل ينبغي أن ينسجم فيها الشرط التربوي، بأن يتربى أفراد المجتمع على ثقافة اللاعنف وثقافة تكريم المرأة، إلى جانب تمكين المرأة على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، تمكينا يحترم إنسانيتها، يرفع من شأنها، يجعل لها قدما راسخة في المجتمع ويخلصها من جميع مظاهر الدونية والتهميش. دون أن نغفل أدوار المدخل التشريعي والقانوني بما يفتل في تعزيز المقتضيات الحمائية والحقوقية للنساء.

وختاما أود أن أؤكد على أن هذه الصور الإيجابية لا يمكن تحقيقها في غياب إرادة رسمية حقيقية لتحسين أوضاع النساء داخل المجتمع، وأن يتصدى لهذا الأمر جميع مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك المدرسة والمسجد والأسرة ووسائل الإعلام… فإن التقت الإرادة الحقيقية والفعل الرشيد، حينها يمكن لظاهرة العنف أن تنطفئ جذوتها ويخمد فتيلها في أفق تكريم إنساني وتمكين حقيقي للمرأة.