بقلم: د. رضوان الرقبـــــــي

رسالة الأدب: رسالة القرآن

إذا كان الأدب الإسلامي هو ذاك الأدب المنطلق من التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، فإن له رسالة لا تخرج عن سياق الرسالة الجامعة، وهي الدعوة إلى الله عز وجل، ولهذا فالأديب أو الفنان قبل أن يكون كذلك، فهو إنسان وداعية متهمم بهم الأمة، مسخرا فنه وكلمته لصناعة الحياة والتاريخ، ولذلك فالقضية الأولى والمحورية التي تحدد رسالة الأدب هي استقرار الإيمان والتوحيد في قلب المؤمن المبدع أولا. فلا يمكن أن نفصل رسالة الأدب للعالم، ونجعلها معزولة عن رسالة الإنسان التي خلق من أجلها، والأمانة العظيمة التي حملها وكلف بها، الأدب دعوة لله ولرسوله، فهو مصاحب وخادم لهذه الدعوة، وإذا انعزل الأدب عن رسالة الإسلام فقد رسالته وفقد هويته.

فالقضية الأولى التي تحدد رسالة الأدب في الحياة، هي استقرار قضية الإيمان بالله واليوم الآخر في قلب المؤمن الأديب، وفي سلوكه ورقيه لمدارج الإحسان، فإذا لم تتحقق هذه القضية المحورية في قلبه، وتستقر وتكون له نبراسا في أعماله، على الصورة التي يعرضها منهاج الله؛ فمن العبث أن نتحدث عن رسالة الأدب الإسلامي، لأن الكلمة “المبلغة النافذة – ستصبح – جهد ضائع إن لم يلق استعدادا منفتحا، وآذانا قلبية عقلية صاغية، ومادة قابلة أن تنقدح فيها شعلة تتنور وتنير، وإلا فهو رماد ركمته هامد”[1] فمن رسالة الأدب حين ينضبط نهجه وتستقر قواعده، أن يكون حاملا رسالة الإسلام والقرآن، كما حملها الجيل القرآني الأول في عهد النبوة، ليمسك بيد الإنسان في الأرض ويقوده إلى الحق والنور.

إن الأديب “إذا كان للأدب فقط، فهو من عبيده المحدثين، همه أن يكون أديبا لا هم له غيره، ومنتهى آماله أن تكثر الحوافز وأن ينال الجوائز وأن يكون المبرز الفائز، أما إذا كان للمرء انتماء لمشروع عمران أخوي، عودا على عهد بعثة ربعي بن عامر ومن معه من الصحابة الكرام، وكان مراده على شاكلة مرادهم: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فالأدب أداة من أدوات التبليغ، ووسيلة من وسائل التعبئة وسلاح من أسلحة المدافعة، وحكمة من حكم المداراة والمصانعة.”[2]

طالع أيضا  رسالة الفن (6):حركتنا الفنية

وعن هذه الرسالة النبيلة المنوطة بالأدب الإسلامي يؤكد عبد الله كنون أن غاية الأدب “أن تفتح الآذان الصم، والأعين العمي، والقلوب الغلف، على دعوة الحق التي تنقذ البشرية من ضلالها الحديث، كما أنقذتها بالأمس من ضلالها القديم”[3].

بناء على ما سبق ذكره، فإن الرسالة الأولى للأدب أن يكون حاملا لرسالة القرآن ومعبرا عنها، به يحيا ومنه يستمد طاقته الفنية، لأن غاية الأديب الحامل لمشروع عمراني تجديدي شامل، أن يكون أولا متشربا لهذا التصور، فاهما لمعالمه الكبرى، لكي يعبر عنه بلغة فنية وجمالية، تترجم عمق الجمال والجلال فيه، ليسهم في إخراج الناس بفنه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. وهذا لا يتنافى مع حمله لرسالة الإنسان بما هو إنسان له مشاعر وأحاسيس، فرسالة القرآن هي رسالة للإنسان في أبهى حللها الجمالية والفنية، بما هو كائن مميز بالعقل والمشاعر، وبما هو مستخلف في الأرض ومستعمر لها.

مميزات الأدب: للأدب في المنظومة الوعظية مميزات، يمكن الإشارة إلى بعضها في لمحة سريعة على الشكل التالي:

1-                 الصدق: يرى الإمام أن الأديب في سيرورته الإبداعية، لا يخرج في خطه عن الإنسان المؤمن المقتحم، الطالب وجه الله عز وجل، فهو على ثغرة من ثغور الجهاد، جهاد بالكلمة والفن، يعبئ كل طاقاته الفكرية والحسية الجمالية لخدمة هذا المشروع العمراني الإحساني، ولا يمكن للأديب أن يسير متوازنا في خطه التبليغي التربوي الحامل لرسالة القرآن، إذا لم يكن صادقا، أمينا شجاعا، يحمل أدبه بكل قوة وصدق، في زحمة هذا الأدب الدوابي الكاسح. “فاكتماله يرجى يوم يعبئ الطاقات الأدبية بشجاعة وصدق، ليقف صفا متراصا خلف الكلمة القرآنية والبلاغ النبوي، وليستعمل الجمالية الأدبية ليبلغ كلمة القرآن وحديث الوحي، لا يلوي على بنيات الطرائق الفنية، فيتسرب منه المضمون القرآني النبوي”[4] . فبالكلمة الصادقة “يصمد الأدب الإسلامي إلى اللب والمعنى، ليخاطب الإنسان الشقي في فقره المادي المشغول بهم المعاش، وليخاطب الإنسان المتخم الشقي بتخمته في مجتمع الاستهلاك الذي يلهب جوعة الحيوان الإنساني إلى المزيد من وسائل الترف”.[5]

طالع أيضا  رسالة الفن (9): أهـدافـنـا

وإذا كان الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، وكلمة، تحمل معنى وتبلغ رسالة، وليست أداة تسلية وبضاعة استهلاك، فإن “صدق المضمون وبيان الحقيقة، هما الكيف الذي به يكسب الأدب الإسلامي قوته ونفوذه وفضيلته ليغزو ضمير الإنسان في عالم التجارة العملاقة”[6]. فالصدق شرط أساس في العملية الإبداعية والفنية بشكل عام، ولذلك فالأعمال التي يكون أصحابها صادقين في كتاباتهم، يُكتب لها الخلود وتستمر بين الأجيال، بما هي ثمرة لهذا الصدق. وإذا كان المبدع المؤمن متشبعا بتعاليم الإسلام، فإنه ملزم بأن يتحلى بالصدق بما هي قيمة إنسانية ودينية، تميزه في سيره وسلوكه إلى الله عز وجل.

2-                 المسؤولية: من المؤكد أن الأديب لا ينسلخ عن بشريته، وهذا ما يجعله يدخل في دائرة المسؤولية الكبرى التي أنيطت بالإنسان على هذه الأرض، (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا.)[7] وللكلمة مسؤولية عظمى، فلا يختص الشاعر بأمر دون غيره من الناس، إلا أن يكون عظم المسؤولية، من حيث أن سلاحه القول وبضاعته الكلام، فهو إذن معرض للحساب المستمر، هذا الحساب لا ينبع من السلطة الدنيوية الأرضية فقط، بل من الرقابة العليا التي يحس بها الأديب المؤمن، إنها رقابة الله عز وجل، (وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)[8].

وما من كاتب إلا وسيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير الذي يسرك يوم القيامة أن تراه

فالمبدع الأديب في تصرفاته وكافة أقواله وأفعاله مسؤول، ومسؤوليته نابعة من الحرية التي يتمتع بها، ولذلك فهو بفنه يسد ثغرة من ثغور الدعوة، ويقف على باب عظيم من أبوابها، وهذا ما يفرض عليه أن تنفذ رسالته، وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي، الذي يخدمه المبدع المقتحم، وهو يستشعر جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه، في إطار مشروع اقتحامي تجديدي تؤطره صحبة صادقة، في جماعة مقتحمة طالبة وجه الله تعالى. فلعل “الله يقيض مجاهدين ومجاهدات في ميادين الكلمة والصورة واللون والتركيب والإخراج والتمثيل، يلهمهم تحميل الأدب رسالة الإسلام والإيمان والإحسان، بجمالية تشف عن المقصود لا تحجبه، تنم بتلطف عما وراء الكلمة والصورة والصوت وما تحتهن، تجلو الحقيقة وتزفها للناس في حلل بهية.”[9]

طالع أيضا  رسالة الفن (5): أسس المشروع الفني

3- المضمون القرآني.

يرتبط الأدب في بناء رسالته ومضامينه العامة بالتصور الإسلامي للكون والحياة، وبالنظرة الشاملة لكل نواحي هذه الحياة، ولذلك فهو في مسيرة التدافع والمنافسة بين الآداب الدوابية، مطالب أولا بالتميز والأصالة، فلا “قدرة للأدب الإسلامي على المنافسة إن لم يكن ترياقا أصيلا موصولا بالشفاء القرآني ليبطل فعل السموم، إن لم يكن عافية باستقائه من النبع النبوي.”[10]

إننا حين ندرس الأدب لنحدد رسالته، فإننا ننظر إلى جوهر الأدب وأعماقه، ولا نقف عند زخرف القول اللفظ وزينة الصورة وجمال التعبير فحسب، وإن كان لهذا دور أساس في أداء الرسالة والوفاء بها، ولكنه يفقد هذا الدور إذا وقف الأدب عند هذا الزخرف اللفظي والتصويري التعبيري، ولم يحمل معه الجوهر والمعدن النفيس الثمين، فمن “وراء شفافية الشعر وتلطف الفن وترقيق الأدب، ينبغي أن ترتسم بوضوح حقيقة من أنا المتكلم الشاعر الأديب الفنان، وينبغي أن تنفذ رسالتي وتبلغ أمينة على البلاغ القرآني النبوي الذي أخدمه عزيزا به مقتحما به متحديا به.”[11] فالجري وراء الجمالية والصنعة والتنميق الفني يجب أن لا يضيع المضمون القرآني. فرسالة الأدب تتكامل حين يتكامل جماله بتوافر عناصر الجمالية كلها فيه، مع المضمون القرآني والشفاء النبوي، ويتواشجان لرسم الشخصية المبدعة المؤمنة، المبلغة عن الله وبالله ولله. فما “بلغ رسالات الله أدباء دعاة قصروا عن خدمة البلاغ القرآني، أو تحاشوا ذكر ما لا يسوغ ذكره في دين عصر مادي إلحادي تكنولوجي علومي.”[12]



[1] المنظومة الوعظية ص: 21.
[2] الأدب الإسلامي رسالة القران للإنسان : منير الركراكي ضمن موقع الجماعة.
[3] خل وبقل. مجموعة مقالات ادبية ونقدية . عبد الله كنون ص 155 المطبعة المهدية تطوان المغرب
[4] المنظومة الوعظية ص: 8
[5] نفسه ص: 10
[6] نفسه ص: 12
[7] سورة
[8] سورة ق الآية 18.
[9] المنظومة الوعظية ص: 29.
[10] نفسه ص: 12.
[11] المنظومة الوعظية ص: 26.
[12] نفسه ص: 30.