في الحلقة الثالثة من سلسلة “أسماء النبي صلى الله عليه وسلم” توقف الأستاذ رشيد حليم مع اسم آخر من أسماء المطفى صلى الله عليه وسلم وهو اسمه الماحي، مستفتحاً كلامه بالحديث الذي رواه البخاري عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضى الله عنه أنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه يَقُولُ: ‏«إِنَّ لِي أَسْمَاءً، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ».

وأورد المتحدث شرح صاحب اللسان الذي قال: “مَحا الشيءَ يَمْحُوه ويَمْحاه مَحْواً ومَحْياً بمعنى أَذْهَبَ أَثَرَه. تقول: أَنا أَمْحُوه وأَمْحاه، وطيِّء تقول مَحَيْتُه مَحْياً ومَحْواً“. 

والماحي من أَسماء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَحا الله به الكفرَ وآثارَه، وقيل: لأَنه يَمحُو الكفرَ ويُعَفِّي آثارَه بإِذن الله، يعني يزيلها. تقول: عَفَّتِ الرِّيحُ الأَثَرَ: أَيْ أَزَالَتْهُ وَمَحَتْهُ، وعفى عليه الزمن: تجاوزته الأحداثُ وصار متخلِّفًا قديمًا باليًا. والإحسان يمحو الإساءة، كما في قول رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ».

وأورد حليم أيضاً في البرنامج الذي تبثه قناة بصائر الإلكترونية قول القاضي عياض رحمه الله في الشفا: وقَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّه بِيَ الْكُفْرَ فَفُسّرَ فِي الْحَدِيثَ، وَيَكُونُ مَحْوُ الْكُفْرِ إِمَّا من مَكَّةَ وَبِلَادِ الْعَرَبِ وَمَا زُوِيَ لَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَوُعِدَ أنه يَبْلُغُهُ مُلْكُ أُمَّتِهِ. أَوْ يَكُون الْمَحْوُ عَامًّا بِمَعْنَى الظُّهُورِ وَالْغَلَبةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.

وأضاف قول القاري في شرحه لكتاب الشفا: وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّه بِيَ الْكُفْرَ: لم يقل «به» ليعود ضمير الصلة إلى الموصول لأن قصده الإخبار عن نفسه. وقال الفخر الحرالي: هو الماحي الذي محا ما لم يكن، وأبقى ما لم يزل، وهو الماحي الأكمل كما هو الأحمد الأتم والمحمد الأحوط.

طالع أيضا  الرسول المربي المعلم

وكان علي كرم الله وجهه يقول: «اللهم إن كنت كتبتني في أم الكتاب شقيا محروما، فامحني واكتبني عندك سعيدا مرزوقا». فكان ذلك المحو هو وصف هذا الرسول الجامع، وكان هو رسول المحو كما هو رسول الإبداء والثبت، فكما بدأ نوره أول كل شيء، وبدأ كل شيء من نوره فكان فيه عبدا ورسولا، كذلك كان في محو كتاب كلية ذلك الإبداء كله رسولا ماحيا، فثبت به الله عز وجل ما ثبت وأمحى به ما هو ممح. فكان في محوه هلاك كل هالك، وفناء كل فان، وكان في جمعه لذلك جلاء بقاء وجه ربه ذي الجلال والإكرام تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

وختم المتحدث حلقته بإيراد أبيات من عيون الشعر في اسمه الماحي صلى الله عليه وسلم، حيث قال الإمام البوصيري:

إن من أغلق المسالك دوني   قادر على أن يمن بالمفتاح

فلعلي آتي شفيعي إلى اللـه ويمحو الذنوب عني الماحي

فعليه الصلاة ما تعلق الوفــد بأذيــال بره المستمـاح

وعليه السلام ما سار ركب الريــح يختال في الفضاء البراح

وأنشد البابي الحلبي مادحا:

وَإِنْ ضِقْتَ ذَرْعًا مِنْ تَعَاظُمِ مَا مَضَى ** فَلَا تَنْسَ عَفْوَ اللهِ فَالْعَفْـــوُ أَرْحَبُ

وَلُذْ بِجَنَابِ الْفَـــاتِحِ الْخَــاتِمِ الَّذِي ** بِهِ يَطْـــــمَئِنُّ الْخَائـــفُ الْمُتَرَقِّبُ

هُوَ الْعَاقِبُ الْمَاحِي الَّذِي بَزَغَتْ بِهِ ** عَلَى الْكَوْنِ شَمْسٌ نُورُهَا لَيْسَ يَغْرُبُ

تَحُلُّ لَهُ الرُّسْلُ الْكِــــرَامُ حُبَـــاهُم ** وَإِنْ ذُكِّرُوا فَهُوَ العُــــذَيْقُ المُرَجَّبُ

  •  الحبوة: ما يحتبى به من ثوب أو غيره ويطلق على الجلوس احتباء. ويقال: حلَّ له حُبْوَته: قام له احتراما وإجلالا.
  • العُذَيق: النخلة يَكْثَر حِملها فيُجْعلَ تحتها دِعَامة وتسمى الرُّجْبَة ويقولون: رَجَّبتُ النخلة وعِذق مُرَجَّب ويقال: هو في الكرم كهذه النخلة من كثرة حِملها.
طالع أيضا  ذكرى المولد النبوي الشريف.. ربيع الأنوار يحيينا‎