نظمت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة ندوة مغاربية تناولت موضوع انعكاسات الانتخابات الأمريكية على القضية الفلسطينية، وذلك يوم الثلاثاء ابتداءً من الساعة 20:30 مساءً، في بث مباشر على قناة الشاهد وصفحة الهيئة الرسمية على الفايسبوك.

الندوة المغاربية التي أطرها كل من الدكاترة والباحثين رشدي بويبري وعبد الرحيم شلفوات من المغرب، ومراد يعقوبي من تونس ومحمد ياسين الهلالي من الجزائر. وأدارها محمد النويني المحامي والباحث في قضايا الفكر والسياسة، الذي اعتبر أن من أدوار هاته الجلسة الحوارية تحليل الواقع واستشراف المستقبل، خصوصا ما ارتبط بنتائج الانتخابات الأمريكية وما تحمله من توقعات وفرص، وكذلك سعيها إلى اقتراح آليات لدعم الشعب الفلسطيني للدفاع عن أرضه المقدسة.

وعن سؤال هل هنالك ثوابت في سياسة واشنطن تجاه دعمها لمصالح “إسرائيل” الاستيطانية في المنطقة؟ أجاب الأستاذ الجامعي التونسي مراد يعقوبي بلفته النظر إلى مذكرات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حول الأرض الموعودة الصادرة حديثاً، وعلق عليها بقوله إنه يوضح العديد من القضايا بجرأة، وخاصة المتعلقة بتكذيب المعطيات التي يتخذها البعض مطية لتصفية حساباته مع الثورات العربية التي يربطها ذلك البعض بالمؤامرة الأمريكية.

وذهب المتحدث إلى أن أوباما حصر مصلحة أمريكا فيما يرتبط بأمريكا فقط، وهذا ما يعني أن ما يحدد مواقف الرؤساء الأمريكيين عامة ليس التوجهات الشخصية أو غير ذلك، وإنما هناك مسارات وسياسات دولة يتم دائما العمل على مواصلتها. ولم يخف أوباما في تعليقه على التحركات المصرية ضد مبارك، تخويفه بأن ذلك سيهدد أمن “إسرائيل” وهو يقبل بهذا الأمر ويناقشه.

وأردف يعقوبي بالقول إن انتظار تغير موقف أمريكا من القضية الفلسطينية بصورة جذرية انطلاقا من تغير رئيس بالانتخابات مجانب جدا للصواب، وتغير موازين القوى هو وحده من سيفرض ذلك، بمعنى تغير وضع الحق الفلسطيني وتغير الوضع العربي، الذي لا يتغير إلا للأسوء مع الأسف.

أما الأستاذ عبد الرحيم شلفوات الباحث بالمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة فقد قال معلقاً على سؤال حول دعم السياسة الأمريكية للكيان الصهيوني، والسير وراء تسابق المرشحين في الانتخابات الأمريكية لبعث رسائل الطمأنة للكيان الصهيوني واعتبارها قضية داخلية بالنسبة لأمريكا، أن الأمر لا يقتصر فقط على كسب تعاطف الناخب الإسرائيلي المقيم أو المزدوج الجنسية بل لكسب تعاطف الكنائس المتصهينة أيضاً.  

وحاول المتحدث وضع إطار عام لمناقشة القضية، فحتى لو تغير الرئيس الأمريكي وحزبه، فإن هناك قضايا دائمة وثابتة في تعاطي أمريكا مع العالم وليس مع المنطقة فقط، قد تتغير بعض التكتيكات إلا أن الأصل هو أن هناك مصالح ثابتة، يصعب على أي رئيس تغييرها، لأن أمريكا تسعى منذ زمن إلى تثبيت نفسها كقوة أحادية ضاربة في العالم، ولا تريد منافسين أو مشوشين.

وأشار شلفوات إلى أننا لو حاولنا النظر إلى أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية فإننا سنجد أن هناك مسارا خاصا بأمريكا، وهو في منطقتنا عموما سلبي، وضد القضية الفلسطينية، وضد الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفي حصوله على دولة، بغض النظر عن تغير الرئيس.

ولم يتوقع المتحدث أن يقع تغير في طريقة تدبير هذا الملف، وإن ظهر أن هناك تغيراً قد حصل بين أوباما وترامب، إلا أن هناك مسار عام داعم للكيان الصهيوني.

وعلق الأستاذ محمد ياسين الهلالي مدير معهد الدراسات والمعارف المقدسية في الجزائر، على سؤال فشل الإدارة الأمريكية على مدار أكثر من سبعة عقود في إيجاد حل للقضية الفلسطينية، بل وعدم قدرتها على تطبيق العشرات من القرارات الأممية، ولعل أبرزها قرارا 196 و194 المتعلقان بوضعية المستوطنات وبحق العودة للاجئين، علق على هذا السؤال بالقول إن الإدارة الأمريكية لم تفشل في رأيه، وإنما في الحقيقة لم تكن في نيتها أن تحقق توازنا سياسياً في منطقة الشرق الأوسط، لأنها قائمة في الأصل على تصدير الوهم للفلسطينيين.

وأضاف المتحدث أن الإدارة الأمريكية تقوم منذ نشأتها وقبل بداية القضية في 1948؛ على التماطل وربح الوقت، ودعم الإسرائيليين بشكل مباشر، وليست هناك أي نوايا لحلحلة الأزمة. موضحا أن اللوبيات الصهيونية المتغلغلة في هذه الإدارة، ترفض أن يكون هناك حل، وتضغط على السياسة الخارجية لكي تنحاز للموقف الإسرائيلي. والغرض أن يكون هذا الكيان الطفيلي كابحاً لأي وحدة عربية أو إسلامية بالمنطقة.

وأشار الهلالي إلى ضرورة أن تُسارع المنظمات الفلسطينية إلى تقوية نفوذها في المجتمع الأمريكي في مقابل النفوذ الضخم لللوبي الصهيوني إعلاميا ومالياً، وذلك بالسعي إلى الجمعيات الصديقة والمنظمات غير الحكومية التي لها نفس تقرير مصير الشعوب والقضاء على العنصرية، كمنظات السود والجمعيات الصينية.

واستدرك المتحدث بالقول إن هذا طريق صعب وشائك، والأصل أن نسعى إلى توحيد الصف العربي الإسلامي وتقويته من أجل الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة الأمريكية، كالمقاطعة الاقتصادية للمنتجات الأمريكية.  

من جانبه الدكتور رشدي بويبري الباحث في قضايا الفكر والسياسة، اعتبر أن العبرة ليست بكيف جرت الانتخابات أو أطوراها، ولكن العبرة يجب أخذها من الأحداث التي رافقت الانتخابات، والمخرجات التي أفرزتها ليس على مستوى من يفوز، ولكن على مستوى واقع المجتمع الأمريكي ونخبته السياسية ولعبته السياسية. مضيفاً أن هناك الكثير من الدروس التي يستفاد منها، في الاتجاهين معا؛ إبراز قوة الدولة الأمريكية كديمقراطية، وأيضاً في اتجاه إبراز ضعف هذه الدولة وتناقضات المجتمع الأمريكي، التي تنذر بانقسامات حادة.

ومعقبا على ما ارتبط بامتدادات اللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة نبه المتحدث إلى قاعدة أساسية في التحليل السياسي ككل وهي التمييز بين العوامل الموضوعية التي تؤطر قضية ما وتحيط بها، وبين الدوافع الشخصية التي يمكن أن تداخلها.

فعندما نتحدث عن السياسة الخارجية الأمريكية وضمنها نفوذ بعض اللوبيات فليس العنصر الأساسي المتحكم والحاسم فيها هو دوافع الرئيس الشخصية أو دوافع المحيطين به، لأن مؤسسات الدولة هي التي تحدد ذلك. ومؤسسات الدولة الأمريكية متعددة ومتشعبة، والمؤثرين والفاعلين فيها كثر، وبالتالي الرئيس يكاد يكون منسق لهؤلاء الفاعلين. ويضيف المتحدث قائلا إنه بالطبع تكون للحزب الحاضر في الرئاسة أو الكونجرس بَصْمتُه الخاصة في معالجة القضايا الخارجية وغيرها من القضايا.

وأشار المتحدث إلى أن ترامب كان له الكثير من الدوافع الشخصية لكن لم تسعفه العوامل الموضوعية في تحقيقها. والأمر يسري على بايدن أيضاً، والذي ليس بشخصية ثورية -يضيف بويبري- ستحدث تغييراً عميقا في السياسة الداخلية والخارجية. وإن كانت هناك ملفات ستحتاج لمراجعة وتتطلب جزءاً كبيراً من التغيير قد يقوم بها بايدن، ولكن ذلك سيظل في سياق السيرورة والاستمرارية.

وأكد بويبري أن اللوبي الصهيوني اليهودي ليس مهيمنا بماله فقط، وإنما على مستويات متعددة، وهناك أمثلة وشهادات متعددة من مذكرات وتسريبات لحضور شخصيات صهيونية في مؤسسات أمريكية عديدة، مما يعني أن هناك تغلغلاً في معظم مفاصل الدولة الأمريكية.

وطبعا هذا لا يعني أن اللوبي الصهيوني قوة قاهرة أو خالدة يتجاوز سنن التاريخ، فحين تتشكل نواة لوبي عربي إسلامي في المجتمع الأمريكي، وهناك وعي بذلك، ستنقلب الكفة، إلا أن الحكام العرب المستبدين لا يدعمونه، بل يتوددون لللوبي الصهيوني، لأنهم يعلمون أن لا شرعية لديهم.