بسم الله الرحمن الرحيم 

بيان القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان

بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة
العنف ضد النساء: إلى أين؟ وإلى متى؟

في كل مرة تحضرنا ذكرى اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء، نقف وقفة اندهاش أمام استمرار الظاهرة وتغولها، يشهد بذلك الارتفاع المهول لنسب العنف المسجلة عالميا. ويكفينا أن واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض للعنف في أنحاء العالم، رغم جميع الاتفاقيات والآليات التي تم إقرارها على المستوى الدولي من أجل القضاء على الظاهرة والحد منها، ليصبح العنف ضد النساء ظاهرة عالمية بامتياز، ظاهرة لا جنس لها ولا لون ولا دين.

وازداد الوضع قتامة في الآونة الأخيرة مع ما عرفه العالم من تداعيات جائحة كورونا، وطفت على السطح أرقام عنف مفزعة؛ جعلت العديد من المؤسسات الدولية والمهتمين بقضايا المرأة يدقون ناقوس الخطر، ويحذرون من طفرة عالمية مروعة في العنف نتيجة كثرة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

أما بلدان العالم العربي والإسلامي، التي تئن معظم شعوبها تحت وطأة الاستبداد، فقد أضحت بؤرا يزداد ويرتفع فيها منسوب العنف سنة بعد أخرى، إذ تعتبر دول الاستكبار العالمي هذه المناطق ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ومختبرا لإنجاز التجارب العلمية، ومناطق مستباحة تستنزف ثرواتها الطبيعية والبشرية، فتجتهد في افتعال النزاعات وتأجيج الصراعات، وتعميق الانقسامات وإشعال فتيل الحروب الأهلية، مما دفع أبناء هذه الشعوب المستضعفة إلى الهجرة من أوطانهم هربا من الفقر والتقتيل والتنكيل والاغتصاب والاتجار بالأجساد و… ويبقى حظ النساء من هذه المآسي حظا وافرا، كيف لا وهن الحلقة الأضعف في النسيج المجتمعي، نتيجة سياسات التهميش والتجهيل والتفقير.

أما على المستوى الوطني، فمغربنا الحبيب ليس استثناء مما سبق، تشهد بذلك أحداث مسلسل العنف الذي لا يتوقف ولا ينتهي، والذي يودي بين الفينة والأخرى بأرواح العديد من النساء. عنف تعددت أسبابه وأشكاله، بين عنف ممنهج تمارسه مؤسسات الدولة الرسمية، حين تحرم المرأة من حقوقها المشروعة والعادلة، وتضيق عليها فرص الانخراط الفاعل في مجتمعها، وتكرس لها مظاهر الفقر والبؤس والأمية والبطالة، وتفوت عليها فسحة العيش الكريم، وتتجاهل سن وتفعيل التشريعات الحامية لها. وبين عنف يمارسه المجتمع على المرأة حين يضع لها صورا نمطية لا تعكس حقيقة وجودها، ويحصر وظائفها في أنماط تحد من قدراتها وتعطل طاقاتها. وبين عنف أسري متعدد المظاهر والأشكال، أصبح مرتكبوه في غياب الوازع التربوي وقصور الأداة الزجرية، وتحت الضغوط الاقتصادية والنفسية، يبدعون في أشكاله ويتفننون في ألوانه، حتى أصبحنا نرى أنواعا من العنف لا تحتملها القلوب السليمة ولا تقبلها الضمائر الحية، من ضرب وجرح وقتل وتشويه للخلقة واغتصاب وتحرش وتجويع واحتجاز، واللائحة طويلة…

طالع أيضا  الحوار النسائي رافعة للنهوض بالمرأة.. ديابوراما الندوة

لائحة طويلة بات معها قانون مناهضة العنف 13 – 103 بجميع مواده وأحكامه عاجزا عن تطويقها والحد منها، حيث تطالعنا الدولة بنتيجة البحث الوطني الثاني الذي أنجز في إطار مواكبة تنزيل مقتضيات هذا القانون خلال سنة 2019، والذي كشف عن نسبة العنف الذي ما زالت تعاني منه النساء في مغربنا، والتي تصل إلى 54,4%، في حين لا تتعدى نسبة النساء اللواتي تقدمن بشكاية 6.6%؟

أرقام – على نسبيتها  – تعكس واقع العنف والقهر والمعاناة التي تعيشها المرأة المغربية؛ معاناة تفاقمت بسبب ظروف وتداعيات جائحة كورونا، وأجبرت الكثير من النساء على القيام بعدة وظائف وأعمال في آن واحد، وتحمل مسؤوليات جسيمة داخل البيت وخارجه، والتعرض لضغوط متنوعة ممزوجة في كثير من الأحيان بعنف مضاعف، في غياب التدبير الرسمي الرشيد، والدعم الاجتماعي الكافي لضمان العيش الكريم، والمواكبة النفسية للنساء ولجميع الفئات الهشة.

وإذ نستعرض واقع سنة هي كسابقاتها العجاف، ونستحضر واقع الظلم والاستضعاف الناتج عن استفحال ظاهرة العنف الذي تتكبد المرأة المغربية مرارته، رغم ما تعلنه الدولة بين الفينة والأخرى من برامج وإجراءات محدودة الأثر، فإننا في القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان نعلن ما يلي:

– تحميلنا الدولة مسؤولية ما تتعرض له النساء المغربيات من عنف متعدد الأشكال، في غياب الرعاية التربوية والكفاية الاقتصادية والحماية القانونية.

– استنكارنا لكل أشكال العنف التي طالت أحرار الكلمة وشرفاء الموقف نساء ورجالا.

– تأكيدنا على أن الحد من ظاهرة العنف لا يتأتى إلا بإرادة إصلاح حقيقية، واعتماد مقاربة شاملة ينسجم ويتكامل فيها الإصلاح التربوي والاجتماعي، والتمكين السياسي والاقتصادي للنساء، والتفعيل الجيد للتشريعات والقوانين.

– دعوتنا كل الغيورين على مصير هذا الوطن إلى الاصطفاف جميعا في جبهة واحدة لمقاومة أصل العنف ومنبته: الفساد والاستبداد.

طالع أيضا  القطاع النسائي للعدل والإحسان يحمل الدولة مسؤولية ملف العالقين وخاصة واقع اللاجئات المأساوي

– تجديدنا الدعوة إلى حلف نسائي يلتئم حول قضايا النساء العادلة، وينتصر لحقوقهن المهدورة، ويدافع عن حقهن في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وختاما نسأل الله تعالى العلي القدير أن يرحم من قضوا بسبب جائحة كورونا، وأن يرفع عنا هذا الوباء ويحفظ المسلمين والبشرية جمعاء.

القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان
المكتب الوطني