بقلم: د. رضوان الرقبـــــــي

تقديم

قبل سبر أغوار مؤلف المنظومة الوعظية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، لا بد من الإشارة لبعض الملاحظات المهمة التي أراها تشكل جوهر العملية الإبداعية الفنية عند الإمام رحمه الله، فهو يؤكد منذ البداية على أن هدفه من هذه المنظومة التي لخص فيها الخصال العشر. هو أن: “يضرب لها بسهم في مضمار الأدب الإسلامي الرافع راية الدعوة بين قوم غافلين”[1]، إيمانا منه بأن للأدب فعالية في النفاذ إلى النفوس والقلوب، “نظم هدفه تنبيه نفس راقدة على وسادة الغفلة إلى لحظة موت تنتظره لا يشك فيها[2]. ولذلك فهذا الربط بين الأدب والخصال العشر، يكاد يشكل جوهر الرؤية المنهاجية للأدب والفن عموما عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، وهذا ما ستحاول هذه الورقة أن تبسطه.

وبناء على ما سبق يمكن الإشارة إلى أن المنظومة الوعظية تتميز بتركيزها على قضيتين أساستين:

– باعتبارها خطابا تنظيريا: حيث حاول الإمام رحمة الله عليه، أن يؤصل لمفهوم الأدب الإسلامي من خلال بسطه لمميزاته ووسائله. وكيف للأدب أن يكون حاملا لرسالة القرآن؟

– باعتبارها خطابا نقديا: في ثنايا حديث الإمام عن الأدب الإسلامي، قدم لنا نقدا كليا شاملا وجذريا، يقوم على نقد الأفكار ومساءلة الفلسفات المادية والآداب الدوابية التي طرحت مسألة الموت جانبا وأغفلتها، باعتبارها سؤالا متافيزيقيا غيبيا لا يعنيها في أي يشئ.

ومسألة الموت واليوم الآخر هي من المفاهيم المركزية التي تأسس عليها مفهوم الأدب عند الإمام في المنظومة الوعظية، وهي خاصية ربما ميزت رؤية الإمام للفن، على خلاف ما هو سائد في التعاريف لدى أصحاب الأدب الإسلامي من رواد الصحوة الإسلامية. أو حتى في التعريف الذي اختارته رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

طالع أيضا  رسالة الأدب.. رسالة القرآن نحو رؤية أدبية تجديدية.. قراءة في كتاب المنظومة الوعظية (2)

الأدب في الفكر المنهاجي

يؤكد الإمام رحمه الله على أن اقتران كلمة أدب بسمة إسلامي، هو من باب تحصيل الحاصل، ذلك أن الأدب الإسلامي ليس عرضا في واقعنا، ولا في تاريخنا، ولكنه جزء لا يتجزأ من جوهر كياننا الحضاري الممتد عبر مسيرته الطويلة، فهو يكسب سعته من مصدره الرباني المتمثل في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن توجهه الإنساني الذي يعلو عن كل طائفة أو عرق.

الأدب الإسلامي موجود منذ فجر الرسالة النبوية، حيث كان الشعر وسيلة للدفاع عن الدعوة الإسلامية أمام خصومها من المشركين، وقد باركه النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب من حسان بن ثابت وغيره من شعراء الدعوة؛ المنافحة بالشعر والتصدي لأعداء الله، وقال له اهجُهم ومعك روح القدس، فهي دعوة صريحة من النبي صلى الله عليه وسلم لحسان وغيره من أن يوظف لسانه وفنه، لإعلاء كلمة الله، وأن يسد ثغرة من ثغور الدعوة، ولسنا في حاجة إلى التذكير بمختلف المواقف التي عبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عم موقف الإسلام من الفن بشكل عام.

من المتعارف عليه في الشأن الثقافي والفكري، أن لكل مفكر أو منظر منهجا في البحث وطريقة في التأمل، لا يحسن إغفالها عند النظر في تصوراته ومواقفه وأفكاره، ذلك لأن اجتثاث المفهوم عن سياقه العام الذي أنتج فيه، أو عن سياقه الفكري ونسقه الفلسفي والتداولي الذي ورد فيه، يؤدي حتما إلى فهم غير المقصود.

الأدب عند الإمام عبد السلام ياسين، لا يمكن فهمه إلا داخل النسق العام لمشروعه التجديدي العدلي الإحساني، في رحلة الإنسان الموقوتة إلى الدار الأخرة. فمفهوم الأدب عنده لا يخرج عن هذا الخط المنهاجي العام ولا يعارضه، بل إن الأدب بشكل عام عنده رسالة من الرسائل التي ينبغي لها أن تكون خادمة للمشروع المنهاجي، باعتبار الأدب أنفذ إلى النفوس وأقرب إلى القلوب.

طالع أيضا  رسالة الأدب.. رسالة القرآن نحو رؤية أدبية تجديدية.. قراءة في كتاب المنظومة الوعظية (2)

لا شك أن موضوعة الأدب من الموضوعات التي لها أهميتها والتي – للأسف – لم تُعْطَ حقها في الحقل الإسلامي المعاصر عموما، رغم أن الأدب يشكل سمة بارزة في الرقي بالأمم، وهو علامة بارزة في تاريخ أي أمة، باعتباره ديوانا يختزل أفكارها وثقافتها، ولذلك فنحن اليوم في أمس الحاجة إلى فعل أدبي راشد، متنور بأنوار منهاجية، أدب مقتحم للربط بين الأجيال وصناعة الرجال في كل مجال، لأن الأدب رسالة جمالية لا تتجزأ عن الرسالة الجمالية الجامعة التي هي الدعوة إلى الله، الأدب وسيلة لصناعة التاريخ والحياة والإنسان، لا صناعة لغوية وفنية جوفاء من أي محتوى إنساني راشد، الأدب عند الإمام ياسين لا يتجزأ كما أشرنا عن المشروع العدلي الإحساني الشامل الجامع، المؤطر وفق تصور منهاجي يرتقي بالمبدع/ الإنسان من الحالة الدوابية إلى مشروع العمران الأخوي عودا على عهد النبوة، فالأدب بهذا المعنى “وسيلة من وسائل التعبئة وسلاح من أسلحة المدافعة، وحكمة من حكم المداراة والمصانعة”، وليس ترفا لغويا بعيدا عن هموم الأمة. وإذا كان الأدب إحسانا وإتقانا وجمالية، فإن هذا المعيار الجمالي الإحساني يرتبط ارتباطا عضويا بالجانب العدلي الذي يضمن للإنسان حريته وكرامته، في الحكم والقضاء والقسمة، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن المبدع عموما؛ لا ينبغي له التفرغ من كل شيء والارتماء في حصن الإبداع وحده، وغض الطرف عن المشروع العام، والبقاء وحيدا في زنزانة الأنا المتضخمة، حتى لا يصنع جزرا معزولة، وأهراما متعالية على أرض الواقع، وعن الكينونة مع الذات الجماعية المنظمة المؤطرة بصحبة وتربية وصدق في الطلب. لإقامة مشروع عدلي قوامه جمالية الإحسان.



[1] المنظومة الوعظية ص: 3
[2] نفسه ص: 4