روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، والهيثمي في مجمع الزوائد، بإسناد صحيح، عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا: الحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ: الصَّلَاةُ».

آفة هذه الأمة عبر التاريخ حكامها ليس باعتبارهم أفرادا مجردين، بل بما يمثلونه من نظام حكم اختلطت فيه الفرعونية والهامانية والنمرودية والقارونية. واللافت للنظر أن الهامانية اليوم لم تعد ممثلة في شخص مقرب من الحاكم يفتي تارة وينتقد تارة أخرى، بل تحولت الهامانية إلى صورة حكومات وأحزاب وهيئات وجمعيات تُسَبِّح بحمد الحاكم وتقدس له، مقابل ريعٍ وفتات وعَرَضِ دنيا زائل يعمي عن قول الحق، ويحول كل هذه الأجهزة إلى أدوات سحر تصور حبال الباطل حقا يسعى. أما جنود الحكام فلم تعد تقتصر على العسكر وأدوات قمعهم، بل أضحت سلطة القمع الناعمة توجد بدواخل كل الخائفين الذين باعوا حريتهم وكرامتهم وإرادتهم وقايضوها بعيش واستقرار زائف، مقايضة قد لا تُؤَمِّنْ حتى الحاجيات الدوابية من أكل وشرب ونوم وتكاثر، وكأن جمهور المسلمين خُلقوا بلا رسالة وبلا وظيفة وبلا مسؤولية في هذه الحياة.

إن الحكام الذين جعل منهم الاستبداد أصناما لهذا العصر، ينتظرون منا موقفا كموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصنام هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، موقفا يُسَفِّهُ أحلامهم، ويَنْسِفُ صورهم، ويمحو قداستهم السياسية من القلوب والنفوس. إن الرهان اليوم على مؤسسات صورية وشكلية لا تقدم ولا تؤخر، اللهم استنزاف المال العام، لهو تزكية صريحة وتثمين لفساد الحكم أيا كانت الذرائع والمسوغات. إننا اليوم في حاجة إلى عزل الحكام الظالمين المفسدين، ونبذ دوائرهم وأدواتهم الساسية، وإشعارهم بالغربة بين شعوبهم، في انتظار قومة هذه الشعوب التي لاحت وتلوح إرهاصاتها بغية تكسير الصورة الصنمية للحاكم مثلما كسر الفتى إبراهيم عليه السلام أصنام قومه بعد ان اعتزلها، ومثلما فعل سليله وحفيده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالأصنام يوم فتح مكة. لقد سئمنا من ظلم هؤلاء الحكام، وضقنا ذرعا باستعبادهم للناس.

إن بيننا وبينهم يوم الزينة حين تحشر الجماهير في الشوارع والساحات والميادين لتقطع حبال الظلم بعصا الكرامة والحرية، بعد أن تطرد الخوف الذي استوطن الصدور، لتعيد صناعة المشهد الموسوي الرباني كلما توفرت معالم الاستعلاء وقوة الإرادة في مواجهة هذا الاستعلاء وهو ما لخصته الآيات الكريمة في قوله تعالى: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ (60) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ (62) قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ(64) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ (70). سورة طه.

إن المسلمين اليوم في أَمَسِّ الحاجة إلى تلك الفتوة الإبراهيمية، والقوة الموسوية، والرحمة المحمدية:

✓ فتوة لا تأبه بحجم الباطل وتاريخه وترغب عنه حتى يستحيل الفرد أمة وحده، فَيَقْبَلُ أن تُحْرَقَ نفسه ثمنا لتكسير الأصنام في قلوب الناس وتحريرهم من الوهم الطيني ليرتبطوا بالحق المطلق.

✓ وقوة لا تكترث بجبروت الفرعونية تُنَازِلَها في معقلها وتقتحم عليها الباب وتواجهها بأسلحتها الساحرة لأعين الناس، قوة تَلَقَّفُ ما صنع الباطل وحجب به الناس عن الحق.

✓ثم رحمة إحيائية تجمع القلوب في عقد إنساني تنتظمه رحم آدمية تسعى لتحقيق العدل الأرضي بين بني البشر، عدل يضمن العيش الكريم من جهة، في أفق تمكين الإنسان من شروط الروية والتبصر في وجوده ومصيره، ليعلم بعد أن يُطعم من جوع ويُؤمَن من خوف، أن له ربا رحيما أوجده وسخر له كل ما في الكون، وأمره بالتوحيد والعبادة ليحرره من نفسه أولا، ومن كل صور الكون ثانيا، إعدادا له ليوم اللقاء والمصير. في هذا الأفق يتم الزواج بين مطلب الأرض و هوالعدل، بمطلب السماء وهو الإحسان. لكن دون هذا الأفق ثمة حكام فاسدون ومفسدون يقفون حجرة عثرة وحاجزا مانعا بسياساتهم الرعناء، ليجعلوا هَمَّ الإنسان في لقمة عيشه، بعد أن أقنعوه بقمعهم وسوطهم أنه أصم أبكم أعمى لا يقوى على شيء أمام سيده الحاكم.

لا مناص اليوم من قومة جماهيرية في وجه الحكام الأصنام، وهاماناتهم بكل أشكالها، قومة تحرير وتحرر واسع من بيت العنكبوت الذي يمنعنا من التقدم والانتفاع من ثرواتنا والتعبير عن أفكارنا، بيت تُكَبِّلُ خيوطُه كل من يجرؤ على اقتحامه وتمتصه وتفرغه من مبادئه كما تفرغ العنكبوت فريستها. لكننا نعلم علم اليقين أن أوهن البيوت لهو بيت العنكبوت، وأن قومة موحدة كفيلة بدحر تلك الخيوط مهما كَبُرَ حجمها.

لكن قد يبقى هذا الفعل الجماعي مجرد حلم، إن لم تكن بداية هذه القومة من النفس التي تعاني من آفة القابلية للظلم والخنوع والتبعية والعبودية الطوعية لهؤلاء الحكام، فدوننا واقتحام عقبة الحكام، تكسير كل صور الدنيا في قلوبنا وملئ هذه القلوب بالإيمان الجدير بحل أقفال التاريخ في وجه خير أمة أخرجت للناس، عملا بالقانون الرباني: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ.