“طحن مو” أو “ضرب مو” أو “سلخ مو” هكذا يصرخ ممثلو السلطات، بعبارات احتقارية تكررت مراراً على مسامع الشعب المغربي، يسمعونها غالباً أثناء تفريق أو فض أي احتجاج سلمي يريد أصحابه فقط رفع أصواتهم للفت الانتباه إلى مظلوميتهم، أو أثناء تدخل عدد من رجال السلطة لتنفيذ مهامه “الأمنية”.

ممارسة رجال السلطة لأفعال مهينة وحاطة من كرامة الإنسان، مصحوبةً دوماً بإطلاق أيديهم وأرجلهم، حيث توثق بين الفينة والأخرى صور وشرائط فيديو عمليات الصفع أو الركل المصحوب بالإهانة والسب غالباً، في اعتداءات تمس الكرامة وتهين الإنسان.

ومهما حاول المبررون الدفاع عن التفريق العنيف للاحتجاج الذي لا يتناسب في قوته أو حجمه مع الوقفة أو المسيرة، فإنهم لن يستطيعوا أبداً تبرير مشاهد الإهانة المتمثلة في عبارات أو تصرفات تتنقص من كرامة الإنسان والمواطن الذي يخرج للدفاع عن رأيه أو حقه بكل سلمية.

آخر المشاهد الشهيرة التي استشنعها المغاربة، كانت صفعة وجّهها أحد رجال السلطة إلى ممرض خرج رفقة زملائه للدفاع عن حقوق الممرضين، وهم الذين كانوا ولا زالوا في الصف الأمامي الذي يواجه أزمة الجائحة الخانقة، واضعين أرواحهم وأرواح عائلاتهم على كف النار من أجل علاج الناس والوقوف إلى جانبهم.

انتهاكات صدرت وتصدر بالخصوص من موظفي وزارة الداخلية من أعوان السلطة بالجماعات، كالقواد والباشاوات والمقدمين، ومن سار في ركبهم من شرطة وعناصر أمن وكل من يمتلك سلطة ويتحرك بالتعليمات العليا.

وهكذا رأينا في السنوات القليلة الماضية كيف استعمل قائد ملحقة إدارية بالدار البيضاء عصا خشبية في ضرب بائع متجول صافعا وراكلاً إياه، قبل اعتقاله، وتابعنا على قناة اليوتوب كيف رمى قائد بمدينة امريرت بعائلة بأكملها مكونة من أربعة أبناء والأب والأم في الشارع، ورأينا كيف أشعلت “مي فتيحة” النار في جسدها بعدما أتلف لها قائد المنطقة عربة البغرير التي كانت تعول بها أفراد أسرتها! واحتجزها رجال الأمن داخل غرفة غير مجهزة بالمستشفى للاستجواب حتى تدهورت حالتها وتوفيت بعدها بساعات.

طالع أيضا  أغناج: 2019 سنة سوداء في سجل تاريخ الظلم والقهر

كل هذه الأحداث وغيرها مما وثقتها عدسات الكاميرات، لم تصل إلى أحد أبشع المشاهد التي رآها المغاربة على الإطلاق، حين تم طحن مواطن في شاحنة نقل النفايات مع بضاعته من السمك، مع تعالي صوت أحد رجال السلطة قائلاً: “إطحن مو”، فكانت قضية محسن فكري إحدى أشد مظاهر إهانة المواطن والدوس عليها، وكانت جريمةً دفعت بساكنة أغلبية المدن المغربية للخروج في مظاهرات عارمة تنديدا بالحادث وتطالب بمعاقبة الجناة أشد العقاب.

وقضية محسن فكري الذي طحن مع سمكه في حاوية الأزبال في الشارع العام بأمر من أحد المسؤولين الأمنيين أمام مرأى المواطنين الذين سجلوا بهواتفهم النقالة الجريمة البشعة بكل تفاصيلها، لم تكن الأخيرة رغم فظاعتها، فالبشاعة الحقيقية هي أن هذه المشاهد تتكرر، والمرصود والموثق منها أقل بكثير من الموجود حقيقة بكل تأكيد، ولا تفتح التحقيقات إلا لتسكت هيجان الغضب العارم، ثم لتذهب نتائج تلك التحقيقات إلى رفوف الإهمال والنسيان.