أجرى موقع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حوارا مع الدكتور زكرياء السرتي مدير مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث، حول جوانب من رؤية الإمام للبحث العلمي، ومنزلة العلوم التجريبية و”العلوم الإنسانية” بين العلوم، والجمع بين البعدين العملي والغائي للعلوم والمعارف.

بداية أستاذ زكرياء، يحدد الأستاذ عبد السلام ياسين مفهوم العلم في مشروعه الفكري كما يميز بين العلم بالإفراد، والعلوم بالجمع. لماذا هذا التمييز؟

بنى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تصورا فكريا على هدي القرآن الكريم والسنة النبوية قولا وفعلا وتقريرا وخلقا، مستشرفا تحقيق غايتين عظيمتين؛ هما الغاية الإحسانية والغاية الاستخلافية. فأما الأولى فهي مطلب كل مؤمن ذي همة وإرادة وتطلع إلى نيل رضى الله تعالى وعفوه ومغفرته وعنايته. وأما الثانية فهي مطلب عموم العاملين لتوحيد الأمة وجمع شملها وتقوية روابطها لتحمل رسالة الرحمة إلى العالمين.

ويتسع التصور الفكري المنهاجي ليشمل الجهد الفردي والجماعي، العلمي والعملي، الدنيوي والأخروي. ولهذا يقوم النظر المنهاجي على دلالات مفهومية دقيقة لمصطلحات العلم والعمل والاقتصاد والأخلاق والتفكير وغيرها، استرشادا بالأسوة الكاملة الشريفة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي حثنا على طلب العلم النافع الذي به ننال رضى الله سبحانه وفضله ورحمته. ويشمل نفعه المسلم والأمة معا، الدنيا والآخرة.  كتب الإمام عبد السلام ياسين موضحا: “العلم: العلم النافع ما سلك بنا منهاج الإيمان، وما قوانا على بناء جماعة المومنين. والعلم هو القرآن والحديث، وأهل العلم هم أهل القرآن وأهل الحديث العاملون بعلمهم، وهم العلماء، وما عدا هذا من علوم آلية ضرورية لاكتساب الأمة منعة وقوة واكتفاء اقتصاديا فَلَاحِقٌ بذلك العلم ما دام يخدم مشروع الأمة ومشروع المومن في اقتحام العقبة إلى الله.” 1

والعلم الكلي النافع الذي نحتاج إليه “هو ذاك الذي يخط لنا ويعلمنا كيف ننفذ حكم الله في إقامة الدولة وتسييرها، في تنظيم المجتمع وإقامة العدل فيه، في تربية وتنظيم جماعة المؤمنين، في إدارة شؤون المسلمين إنتاجا وتوزيعا ومعالجة للمعايش، في إدارة الاقتصاد ووظائفه، في جعل أمور الأمة شورى بين رجالها من أهل الحل والعقد، في تنظيم الاجتهاد لاستنباط أحكام الله من كتابه وسنة نبيه لهذا العصر ولهذه الشعوب الموزعة في الأرض، وبهذه الوسائل المتاحة، ولهذا الهدف الذي أصبح قبلة للإرادات الجهادية المتجددة.” 2

لقد بين الإمام المجدد في كتبه ورسائله أن العلم علمان، وميز بين “العلم” بالإفراد و”العلوم” بالجمع، احتياطا من الخلط واللبس والتبخيس. قال رحمه الله: “العلم الذي لا علم أشرف منه هو العلم الحق بالحق. هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسن رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا بنص الحديث. حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» جاءت روايته من أوجه كثيرة بعضها يؤيد بعضا.” 3

وقد أفرد الأستاذ ياسين للعلوم التجريبية المضبوطة منزلة رفيعة في نظرية التغيير التي صاغها مستشرفا مقاصد الحرية والعدل والكرامة، دون أن يغفل ضوابط توظيف العلوم الإنسانية والإشكالات المعرفية والمنهجية المتصلة بها. قال رحمه الله: ”لعصر الحاسوب، وسرعة الحاسوب، وحضارة الهندسة الوراثية والاكتشافات الفضائية، والبأس الشديد الذري الصاروخي والسيطرية العسكرية للقوى الكافرة، وعولمة الاقتصاد الآذنة بمزيد من البؤس لبائسي العالم، ومزيد من الثروة والغطرسة للمستكبرين في الأرض بغير الحق، يلزمنا اجتهاد لا يكون المتكلم المبدع المكفر فيه إلا كالغراب يباهي بجناحيه الطائرات النفاثة. يلزمنا اكتساب المحصلات العلومية الحديثة. يلزمنا مواكبة ما ينكشف عاما بعد عام، بل يوما بعد يوم من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس.” 4

يجد القراء لمكتوبات الأستاذ ياسين تأكيدا على أهمية توطين العلوم وتبييئها واكتسابها، وتطوير البحث العلمي، واحتضان الكفاءات العلمية تأهيلا وإدماجا. هلا أوضحتم شروط توطين العلوم وتبييئها في العالم الإسلامي، وعوامل نجاحه في البحث العلمي؟

طالع أيضا  "الإسلام والحداثة" بين تسليم الحداثة وتحديث الإسلام

تتمة الحوار على موقع ياسين نت.


[1] عبد السلام ياسين، شعب الإيمان، ج 1، ص 18.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 218.
[3] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص 142.
[4] عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية، ص 25-26.