جاء في الحديث الصحيح، عن سيدنا أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كأنما على رؤوسنا الطيرُ ما يتكلم منا مُتكلِّمٌ إذ جاءه أناسٌ فقالوا من أَحَبُّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ تعالى؟ قال: “أَحسنُهم خُلُقًا”.
(أخرجه ابن ماجه ، وأحمد رحمهما الله).

وفي رواية: فجاءته الأعراب من جوانب يسألونه عن أشياء لا بأس بها. فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّه علينا من حَرَجٍٍ في كذا، علينا من حَرَجٍ في كذا؟ فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: “عِبَادَ الله، وَضَعَ اللَّه الحَرَجَ أَوْ قَالَ: رَفَعَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الحَرَجَ إِلَّا مَنْ اقْتَرَضَ أَمْرًا ظُلْمًا، فَذَلِكَ الَّذِي حَرَجَ وَهَلَكَ”. وفي رواية: “إِلَّا مَنِ اقْتَرَضَ مِنَ عرْضِ أَخِيهِ، فَذَلِكَ الَّذي حَرَجَ”.

وَسَألوه عن الدواء فقال: “عِبَادَ اللَّه، تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً إِلَّا الهَرَمَ”، وسئل: ما خير ما أعطي
الرجل؟ قال: “خُلُقٌ حَسَنٌ”.

اقترض من عرض أخيه، أو اقترض ظلما معناه الإيذاء أو السب والغيبة والنميمة، والشتم وظلم العباد. وعبر عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم “بالاقتراض” لأنه دين يتبع صاحبه يوم القيامة نسأل الله السلامة والعافية.
رفع الله الحرج، أي أن ما جاء به هذا الدين كله رحمة وتيسير ورفق بالخلق.

(كأنما على رؤوسهم الطير) يعني من شدة السكون وعدم الحركة كمن وقف فوق رأسه طائر.

يصف الصحابي الجليل الحالة التي كان عليها مجلسهم مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدب والسكينة والوقار والتدبر. وهذا إما في جلسة ذكر لله تعالى، أو في تدبر عميق فيما يكون قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أوحى الله إليه من قرآن أو سنة.

طالع أيضا  أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه

فجاءه أناس فسألوه عن أحب عباد الله إلى الله تعالى، فقال عليه الصلاة والسلام (أَحسنُهم خُلُقًا). قطع سكون وسكينة المجلس المبارك السؤال عن أمر عظيم، عن أحب عباد الله إلى الله؟ وهذا يبين حرص الصحابة عن السؤال عن الأمور المهمة وعن جواز ذلك في مجالس الذكر والتدبر. ويأتي جواب الحبيب صلى الله عليه وسلم ليذكر أمرا عمليا، الموفق من وفق إليه ألا وهو حسن الخلق مع القريب والبعيد، مع المسلم وغير المسلم. مع الأزواج والأبناء في البيوت وهذا أول النجاح في هذا الامتحان، عربون حسن الخلق مع من تكثر وتتعدد العشرة معهم… وكذلك مع الجيران وعموم الأحباب وعموم الناس في العمل، وفي الحضر والسفر.

وليس معنى حسن الخلق أن تعامل الناس المعاملة الحسنة فقط، بل حسن الخلق أن تعمل على نشر الخلق الحسن بين الناس، وأن تتحمل الأذى من الناس. وأن تعمل على أن يرفع الأذى عن الناس. كل أنواع الأذى: أذى الحيف والاحتقار والظلم والتضليل والتغرير، والغش والإفساد..

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللَّهُمَّ إِنِّا نعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ.
اللهم اجعلنا دعاة تقاة هداة مهتدين. اللهم آمين.
والحمد لله رب العالمين.