في حلقة أخرى من سلسلة “في ظل الحجر.. كتاب قرأته”، يبسط لنا الباحث الأستاذ عبد الصمد الخزروني، في ثاني كتاب يقدم قراءته، الأسرار الجمّة التي تكتنف كتاب “ثورة الأمل.. نحو تكنولوجيا مؤنسنة” لعالم النفس والفيلسوف ألماني أمريكي “اريك فروم”.

فإلى نص الحوار الطافح بالأمل.

ما هو أهم كتاب قرأته في الحجر الصحي؟

ثاني كتاب قرأته في ظل الحجر الصحي هو كتاب “ثورة الأمل” 1 الذي ألفه المفكر “اريك فروم” 2، وهو كتاب لا يقل أهمية عن الكتاب الأول “أيام الأمازيغ”. لأنه في الحقيقة لكل كتاب فائدته ومتعته وأنسه. لذلك يصعب على القارئ للكتب وهي غذاء عقله التفضيل بينها.

بخصوص أهمية هذا الكتاب الذي بين أيدينا فتتجلى في التعبير عن التفاؤل بالمستقبل الواعد والزاهر الذي ينبغي أن نفكر فيه ونعمل له، وسط هذا اليأس الذي خيّم وما زال يخيّم على البشرية أفرادا وجماعات بسبب ما تعانيه من ويلات وأزمات وكوارث شملت جميع المجالات والميادين. وقد عبر عن ذلك التفاؤل بثورة الأمل كإشارة إلى عمل مهم ينتظر الدعاة والعلماء والمفكرين والمثقفين، وهو أن ينهضوا وبكل الوسائل والأساليب لزرع الأمل وسط الناس من جديد.

ومما يزيد من أهمية هذا الكتاب ربطه للقضايا الفردية بالقضايا الجماعية. إذ يحاول أن يحدد المفارقات بين الواقع الفردي والواقع الاجتماعي، وبين الحركات التي تسعى للتغيير والأخرى التي تعزز الوضع القائم. كما يحاول أيضا الجمع بين قضيتين عادة ما يُفصل بينهما، وهما بناء الشخصية الإنسانية (الصفات والإمكانيات) أو ما يطلق عليه بـــــ “الإنسان النسقي”، وبناء المجتمع (الجماعة، الأمة) اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

وقصدي الأول من اختياري لهذا الكتاب، هو أن نميز بين الأمل الفاعل والأمل الخامل، وأن نحيي الأمل الفاعل في الفرد والأمة معا بالمستقبل الواعد في ظل الإسلام بالرغم من اليأس الذي خيّم على قلوب معظم الناس، وبالرغم من الصورة السوداء التي تبدو في الأفق. ويكفي أن نذكر بأنه حيث يوجد اليأس يوجد الأمل، وبأنه لكل الأحياء يوجد رجاء ويوجد أمل.

ما الإشكالية الجوهرية التي يعالجها الكتاب؟

في ما يخص القضية المعالجة، فإن الكتاب يعالج قضية الأمل عند الإنسان كفرد أو عند الأمة كمجوعة أفراد، يعالج القضية أولا من حيث وجود الأمل من عدمه، وثانيا من حيث نوع الأمل المطلوب. لأن فهم الناس لهذا الأمل يختلف بحسب التربية والثقافة والبيئة. ففي البداية، الكتاب يعبر عن قناعة تامة بأن الإنسانية موجودة عند مفترق الطرق، إما أن يخدم الإنسانُ الآلةَ التقنية فيفقد معناه، وإما أن تخدمه الآلةُ التقنية فيتحكم فيها لتحقيق أهدافه الإنسانية. هذه هي النقطة المحورية والجوهرية التي يدور عليها الكتاب، أن يبين المأزق الذي يعيشه العالم. ثم يزرع الأمل من خلال إيجاده للمواقف الضرورية لمساعدة العقل الإنساني على التفكير بجدية وبكل مسؤولية في إنسانيته “الفطرة” التي انسلخ منها والعمل على استرجاعها والحفاظ عليها.

ما هي أهم الأفكار التي استفدتها منه وتود مشاركتها مع القراء؟

فيما يخص الأفكار التي استفدتها من الكتاب وأود مشاركتها مع القراء يمكن أن ألخصها في يلي:

أولا: الشبح الجديد: إنه لم يعد الذي يهدد العالم اليوم هو شبح الشيوعية أو الرأسمالية، إنما يهدده شبح جديد هو شبح الآلة. ويكمن هذا التهديد في تحويل الإنسان إلى جزء من أجزاء الآلة (الماكينة الهائلة). معنى هذا أن هدف الإنسان أصبح ينحصر في عمليتي الإنتاج والاستهلاك. والتهديد الذي يمثله هذا الشبح الجديد يتمّ على مستويين:

طالع أيضا  دردشة وكتاب: "تجارب التحول إلى الديمقراطية: حوارات مع القادة السياسيين"

الأول: الموت المعنوي على مستوى الفرد بالسلبية والعبث.

والثاني: الدمار على مستوى العالم بالأسلحة النووية والبيولوجية الخطيرة.

ثانيا: معادلة التغيير: يطرح الكتاب سؤالين كبيرين: الأول هو: كيف أصبح هذا الانسان الذي قهر الطبيعة سجينا بل عبدا لذكائه وإبداعه؟ فيجيب عنه: بأن السبب هو في الوقت الذي نجح فيه الإنسان في استخدام العلم للهيمنة على الطبيعة فقدَ أهم شيء يملكه هو إيمانه وقيمه الإنسانية التي استبدلها بالقيم المادية البحتة.

 والثاني هو: هل نسعى إلى تدمير الإنسان أو تشويهه على الأقل من أجل أن نحصل على اقتصاد قوي ومتطور؟

فيجيب عن هذا السؤال الثاني بأجوبة متباينة بين فريقين:

الأول: يعزز الوضع القائم ويعترف بسلطته، ومن ثمّ لا مجال للتجادل بشأن جدارته. فرغم أنه يتعاطف مع الإنسان وهو يشقى في حياته لكن هذا التعاطف لا معنى له أمام المصلحة الشخصية.

الثاني: يرى أنه لا بد من تغيير هذا الوضع القائم بالانتصار للإنسانية، وذلك عن طريق أنسنة التكنولوجيا وجعلها في خدمة الإنسان لنشر الأمن والحب والسلام.

الكتابُ يقف مبدئيا مع الفريق الثاني. فهو إذ يعتبر الإنسان نسقا متكاملا له صفاته وإمكانياته وسلوكياته ومشاعره لا يمكن فصله عن النسق الكلي الذي يمثله مجتمعه الذي يعيش فيه. وهذا الربط بين الإنسان ومجتمعه هو المعيار الذي يوضح لنا مدى تقدم المجتمع أو تخلفه، سعادته أو شقائه، وذلك بالنظر إلى وضعية الفرد فيه. يعني أن إدراج دراسة النسق الإنساني في معادلة التغيير والبناء هو الأساس الذي يساعد على تحليل النسق الكلي للمجتمع.

ثالثا: البحث عن الأمل: إن الإيديولوجيات أو الحركات الاجتماعية التي تدعو إلى الإشباع المادي الذي تعِد به التقنيةُ وتروّج له قد أصبح لا يوفر السعادة والمعنى للإنسان. لذلك يبحث الناس اليوم عن توجه جديد، عن أمل جديد يكون التركيز فيه على أولويات الحياة “تحقيق المعنى”، وليس التركيز على أولويات الموت “العبث”.

هذا التوجه الجديد وجده الناس في الحركات الاجتماعية التي تربط الرغبة والإرادة في التغيير الجذري والعميق للوضع القائم مع التغيير الجذري والعميق للنفس البشرية. والتي هدفها بالأساس فاعلية الإنسان الفرد أي سعادته في النظام الاجتماعي وأنسنة التكنولوجيا. هذه الحركات الاجتماعية اليوم هي التي أصبحت تمثل ثورة الأمل 3.

وهذا الأمل يعتبره الكتاب العنصر الحاسم في إحداث التغيير الاجتماعي، لكن أي نوع من الأمل يقصده؟

إن هناك من الناس من يسيء فهم الأمل حين يربط الأملَ بالاستسلام. بينما الأمل المطلوب لا يقبل الانتظار. يوضح هذا النوع من الأمل السلبي الاستسلامي بما وصفه الروائي التشيكي “كافكا” بشكل جميل في رواية “المحاكمة”. يقول فيها بأن رجلا جاء إلى باب يفضي إلى قصر بديع. فطلب من البواب أن يسمح له بالدخول وترجاه. لكن البواب اعتذر له بأنه لا يستطيع. وبالرغم من أن الباب مفتوح إلا أن الرجل قرر أن يصبر وينتظر حتى يَسمح له البواب. فجلس لأيام ثم لشهور ثم لسنوات وهو ينتظر. فكلما طلب الإذن بالدخول قوبل بنفس الاعتذار. ولما قرب العجوز من الموت سأل نفسه لأول مرة: كيف خلال جميع هذه السنوات الكل يدخل بدون طلب الإذن إلا أنا. فيرد عليه البواب: نعم أنت فقط من يحتاج إلى الإذن بالدخول، والآن قد حان وقت إغلاقه في وجهك.

طالع أيضا  الدكتور الفراك يُقدّم لنا عصارة كتاب "زبدة الحقائق" في أصول الدين

فهذا الرجل كان يمثل الأمل السلبي الاستسلامي. والكثير من الناس يشبهون عقلية هذا الرجل العجوز الذي صوره “كافكا” في روايته. هؤلاء الناس يأملون الخروج من المعاناة إلى الحياة السعيدة ولكن ينتظرون من المستبدين أن يعطوا لهم الضوء الأخضر، وهذا ما لم يُعهد فيهم. فيظلون ينتظرون وينتظرون حتى ينتهي بهم الأمر إلى الموت.

ثم يزيد للأمر وضوحا بأن الأمل كما أنه ليس انتظارا فهو كذلك ليس إرغاما للظروف وإكراها للواقع بتحقيق المستحيل ولو بالعنف. إن الأمل الذي يمثله التوجه الجديد لا يشبه النزعة الإصلاحية المنبطحة، ولا النزعة المغامرة المتشددة. بل الأمل أن نكون مستعدين في كل لحظة (الفرصة التاريخية) لذلك الجديد الذي لم يولد بعد. ومع هذا لا نكون يائسين إذا لم يوجد أو لم يولد ذلك الجديد في زمننا. الأمل أشبه ما يكون بالنمر الرابض أمام الفريسة ينتظر الفرصة السانحة لينقض عليها. الأمل يتوسط طرفي الاستسلام والدعة من جهة والعنف والإكراه من جهة أخرى.

رابعا: ماهية الأمل: الأمل لا يمكن وصفه ولا التعبير عنه، إنه مثل الحبّ. حالة من حالات الوجود الإنساني. إنه استعداد باطني قوي. الأمل هو تلازم نفسي مع الحياة والنمو. فإذا كانت هناك شجرة لا تصلها أشعة الشمس، فإنها تمدّ جذورها إلى   حيث تصل أشعة الشمس ولا تبقى حبيسة الـتأمل السلبي. انظر إلى أمل السجين في الحرية، وأمل الجائع في الطعام، وأمل المريض في الشفاء، وأمل الضال في الهداية، وأمل المجتهد في النجاح. إن الأمل هو ذلك العرق الذي يمد الحياة بالروح، إذا فقدته انتهت بالفعل.

 ويقرر الكتاب أنه مع كل أمل هناك أسباب معنوية ومادية ترتبط به لتقويه ولتساهم في تحقيقه. منها:

1- الإيمان: الأمل له ارتباط وثيق بالإيمان. لأن الإيمان يمدّه بالمعرفة الحقيقية عن الجديد المنتظر الذي يرجى أن يوجد أو يولد. إن إيمان المرأة بوجود الحمل يبعث فيها الأمل على ولادته. فالإيمان يثبت لك واقعية ما تأمل أن يولد أو يوجد أو يظهر أو يأتي.

إن إيماننا بمستقبل الإسلام يبعث فينا الأمل في ظهور دينه على الدين كله، وفي انتصاره وانتشاره. إن الأمل هو حالة مرتبطة بالإيمان به يتقوى في الإنسان حتى يصبح يقينا.

2- الإرادة: الأمل له ارتباط وثيق بالإرادة أيضا. لأن الإرادة هي القوة الدافعة والفاعلة نحو تحقيق ذلك الأمل. وقد تعني القدرة على مقاومة اليأس الذاتي أو المفروض، كما تعني القدرة على التحمل وطول النفس أمام الإغراءات والمثبطات.

3- التجديد: وله ارتباط وثيق كذلك بالتجديد. لأن التجديد يقوي الأمل في الإنسان بوجود الأفضل والأحسن من الموجود. أما إن كان نفسه أو أقل منه فعن أي أمل نتحدث. فعندما نأمل في مستقبل الإسلام فهذا يعني أننا ننتظر مع اتخاذ الأسباب بطبيعة الحال واقعا متجددا أفضل وأحسن من الواقع الذي نعيشه. ويؤكد الكاتب أن هذا التجديد لا يمكن أن يتحقق إن لم يتم أولا على مستوى صاحب الأمل عقليا ونفسيا وسلوكيا.

طالع أيضا  المغراوي يقربنا من كتاب "20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب"

وهذا الأمل وما يرتبط به من معاني الإيمان والإرادة والتجديد هو الذي كان يربي عليه الأنبياء والرسل عليهم السلام أتباعهم. فقد كانوا دائما يحملون البشارات في صورة أمل تحفز وتشجع على العمل من أجل واقع جديد أكثر أمنا وحرية وكرامة وعدلا.

خامسا: زعزعة الأمل: بعد أن بسط الكاتب المعنى الحقيقي للأمل والمعاني التي يصبح بها إيجابيا وقويا. يعود ليطرح سؤالا كبيرا من جديد، وهو: لماذا يفقد الناس آمالهم؟ كيف تتحطم ليعيشوا الخيبة واليأس؟

فيجيب: ربما أن يفقد الإنسان الأمل في المرة الأولى هذا مهم بالنسبة له حتى يكتسب التجربة التي تمنح له المعرفة الحقيقية بالأمل. لكنه أن يفقد الأمل في القضايا المصيرية والأهداف الكبرى هذا يشكل خطورة كبيرة على المعتقد الانساني أولا ثم على عمله ومجتمعه الذي يشاركه نفس الأمل. وتلعب بيئة المجتمع دورا مهما في وجود الأمل عند الفرد أو فقدانه. فإذا غاب الوعي بالأمل عند الخاصة فكيف بالعامة، وإذا لم يكن هناك من ينفخ الروح في هذا الأمل الذي أُريد له أن يخبو ويموت فكيف ينبعث ويحيى من جديد. إنه كما نجد عند الأمل دعاة لإحيائه في الفرد والأمة نجد أيضا عند اليأس دعاة لنشره وسط الناس بوسائل مختلفة وأساليب متنوعة. ونحن نعلم أن أخطر هزيمة لأمة على الإطلاق إنما هي الهزيمة النفسية قبل أية هزيمة. ولذلك يركز عليها أعداءُ الأمل كثيرا.

وفي ختام ما عرضته من هذه الأفكار التي استفدتها من هذا الكتاب أود أن أشير إلى ما يلي:

إن الأمل أو التفاؤل أو الثقة أو اليقين أو الرجاء أو حسن الظن كلمات ومصطلحات إذا ارتبطت بالمستقبل قد تؤدي نفس المعنى. وكلما كان ذلك المستقبل مرتبطا بوعد الله ورسوله كلما كانت نسبة تعلق الإنسان به عالية وقوية. وكلما كانت الإرادة حاضرة مع اتخاذ الأسباب كلما كان التعجيل بتحقيقها قريبا.

 إن الأمل هذه الكلمة الجميلة هي عكس كلمة اليأس والتشاؤم والقلق وسوء الظن، كلمة تسمعها الأذان فتُدخل على القلوب السرور، أو على الأقل تخفف من آلامها. لكن يمكن لأحدنا أن يتساءل مع نفسه، عن أي أمل نتحدث؟ لأنه من كثرة ما يردد الناسُ هذه الكلمة على ألسنتهم يمكن أن ندرك أن فهمهم لهذه الكلمة يختلف اختلافا كبيرا إلى حدّ التناقض، هذا الاختلاف يتراوح بين الاستخدام الإيجابي الذي يصاحبه العمل (الفاعلية)، والاستخدام السلبي الذي يصاحبه الاستسلام (الانتظارية). ففي ديننا توصيات قرآنية ونبوية كثيرة للاتصاف بالأمل الفاعل والفأل الحسن.


[1] ثورة الأمل نحو تكنولوجيا مؤنسنة، الطبعة الأولى 2010، دار الكلمة للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر.
[2] اريك فروم (Erich Fromm)، عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي.
[3] انظر اريك فروم، ثورة الأمل، ص:17-18.