عاد “نعيم” إلى بيته منهك القوى، وقد تحطم عنده مشروع الجمع بين الحسنيين (العمل والدراسة معا). لكن بصيص الأمل ظل يرافقه في كل حركاته وسكناته يطل عبره نحو آفاق المستقبل، وكلما خلا بنفسه إلا وسمع هتافا يملأ عليه كل جوانبه:  

• ضاقت ولما استحكمت حلقاتها / فرجت وكنت أظنها لا تفرج. ثم ينطلق لسانه متمتما ولا يكاد يُبين: ستفرج.. ستفرج..

• وهكذا ظل يقضي طيلة وقته بين إقبال وإدبار، وبين قبض وبسط، معلنا استسلامه لقضاء الله وفعله، “فما كان ليخطئك لم يكن ليصيبك، وما كان ليصيبك لم يكن ليخطئك.” بهذا الحديث كان يذكّر السيد “فارس” صديقه “نعيم” كلما رآه يهفو بعقله وقلبه إلى العيش في جنة أوربا. كما أنه كان كلما سنحت الفرصة في جلسة حوارية مفتوحة إلا وحلق به نحو عالم الشخصيات التاريخية، التي سجلت انتصارات عظيمة على مستوى النفس والعالم برغم أنف الظروف وتحدياتها، تسلية منه ودعما معنويا لصديقه كي يكمل الطريق دون التفات ولا استسلام.

• بالفعل صمد الطالب الباحث “نعيم” واقتحم كل الصعوبات طيلة السنة الجامعية، واجتاز الامتحان ونجح عن جدارة واستحقاق.

• تنفس الصعداء… وشعر بشيء من السكينة والطمأنينة؛ لأن جزءا من حجم الصخرة قد تكسر، وعبره بدا نور المستقبل يلوح في الأفق مرددا: دوام الحال من المحال، ومهما طال الليل فلا بد له أن ينجلي.

•… لكن الأزمة تفاقمت وتعاظمت حينما نظر إلى أمّه وقد حل بها مرض الموت، وهو لا يدري، يناديها: أمّاه فداك روحي ودمي… أماه أنت نور حياتي… هل آخذك إلى الطبيب، أم أجلب لك بعض الدواء، لعله يخفف مما نزل.. أماه…!! نظرت إليه بعين الرضا والرحمة، وأشفقت عليه: أن يا ولدي لا عليك، لا تتعب نفسك… إني أراك على هيئة السفر فإلى أين يا ولدي؟

طالع أيضا  دوام الحال من المحال -الجزء الثالث-

• نعيم: إلى زيارة الأستاذ “ناجي” يا أمّاه… -الرجل الرباني الذي كانت تقدر فيه شهامته ورجولته، وعلمه وجهاده، وقد قالت فيه شهادة توزن بمثقال من ذهب، لمّا وقعت عيناها على صورته لأول مرة: يا ولدي؛ إن في وجهه لنور وصدق!! وإن في نظره الثاقب لفراسة!! والله لن يخيب هذا الرجل أبدا وإني لأحتسبه عند الله من أهل الجنة… –

• طيِّب… طريق السلامة يا كبدي، أقرئه مني السلام، وسله الدعاء لي بالرحمة والمغفرة، فإني أرى دنو أجلي…!

•…  يا ولدي الله يرضى عليك، ولكن عندي يقين أنك عندما تعود من سفرك لا تجد إلا مكاني، فإني ذاهبة إلى ربي…!

• اغرورقت عيناه بالدموع، وانكبّ على تقبيل يديها وجبينها، وهي تقول في ثبات تام برغم الألم والوجع: يا ولدي؛ قم وامض إلى سفرك فإني راضية عنك ولا أريد أن أكون سببا في تخلفك…

• خرج “نعيم” من عند أمّه بعد أن اطمأن لرضاها، على أمل أن يعود قريبا، ويجدها قد تحسن حالها. لكن قلبه بقي معلقا بأمه طيلة السفر، اتصل على الهاتف فقيل له هي الآن في المستشفى قد أغمي عليها، الخبر كان صادما! هل حقا ستودع الحياة أمي! لا.. لا.. لا أصدق… يا إلهي لطفك!

• يا صديقي.. إن أمي في خطر أريد العودة فورا.

• فارس: تمهل قليلا.. قريبا ستنتهي المظاهرة (المسيرة المليونية التضامنية مع فليسطين) ثم ننصرف.

• نعيم: يا إلهي كن لأمي اللهم اشف أنت الشافي… كان قلبه مفعما بالدعاء لأمه، ولسانه يلهج برفع شعارات فلسطين..” فلسطين سير سير نحو الثورة والتحرير… يا شهيد ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح…

• فارس: هيا “نعيم”، لقد انتهت المسيرة، سنعود حالا، إن شاء الله أمك ستكون بخير لا تقلق…

طالع أيضا  دوام الحال من المحال -الجزء الثالث-

• إستغرق السفر أربع ساعات، ولكنه كان زمنا ميتا، وكأن عقارب الساعة تعود إلى الوراء من شدة الشوق إلى اللحاق على زهرة الحياة قبل ذبولها.

• وصل “نعيم” وأصدقاؤه إلى المشفى، فلما قبل رأسها سالت دمعة يتيمة على خدها الشريف، وكأنها إشارة بليغة على غصة الفراق ومضاضته… فهي لم تعد تقدر على الكلام… أنفاسها تختنق… أعضاؤها قد شلت تماما… إنها في لحظاتها الأخيرة، وفي هذه الأثناء يصل صديقه “عطاء” -الذي كان يدخل عليها السرور كلما زارها في بيتها صحبة أمه الشريفة لالة فَطْمة -افتتح بشيء من القرآن استمطارا لرحمة الله في هذا الموقف الحزين. وبينما كان “نعيم” في حديث مع الطبيب، إذا به يسمع صراخا وعويلا “ماتت أمي”..! يا أماه.. ياأماه!

• ذهب مسرعا وقبّل جبينها، ثم أمسك بأخواته يصبرهن، ويراجعهن “إنا لله وإنا إليه راجعون” و”كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”.

يتبع…